دياب أبوجهجه

يكثر الحديث هذه الأيام عن آفاق معينة لاصلاح منظمة التحرير الفلسطينية والوصول الى صيغة معينة يرعاها النظام المصري لوحدة فلسطينية. ويهيمن على الساحة طرح عاطفي ينادي بوحدة الصف وصلابة الجبهة الداخلية وكأن الخلاف بين خط المقاومة وخط المفاوضات هو مجرد سوء تفاهم نابع من مناكفات شخصية ولا يستند الى خيارات استراتيجية متباينة اذا لم نقل متناقضة. ودعونا نبدأ بالقول أن أي تحليل للواقع الحالي للقضية الفلسطينية لا بد أن ينطلق من الاطار الجيوسياسي الذي تطرح فيه هذه القضية. ولا بد أن يأخذ بعين الاعتبار العلاقة المباشرة بين قيام الكيان الصهيوني وخدمة المصالح الامبريالية في الوطن العربي وتحديدا استنزاف الشعب العربي وتقسيمه. ومن هنا لا يمكننا أن ننظر الى القضية الفلسطينية على انها قضية نزاع حدودي بين كيانات كلها شرعية وهي النظرة التي تروج لها الكيانات القطرية العربية التي هي وليدة نفس المشروع الاستعماري الذي ولد دولة الكيان الصهيوني. ولا يمكننا أن ننظر اليها على أنها قضية لاجئين فقط وهي النظرة التي يروج لها المؤيدون الدوليون للقضية الفلسطينية الذين لا يعترفون بالبعد العربي لهذه القضية. ولا يمكننا أن ننظر اليها على أنها قضية مقدسات دينية تحل باسترداد هذه المقدسات أو بترتيبات تضمن وصول المتعبدين اليها وهو ما تروج له بعض الهيئات الدينية.
مخاطر المنطق القطري
ان الخطاب القطري الفلسطيني هو أخطر من اي خطاب قطري آخر والسبب يعود الى أن اسقاط دور الأمة العربية من المعركة مع الكيان الصهيوني وتحويل هذا الدور الى نوع من التضامن كذلك الذي يشعر به التركي أو البلجيكي أو الفرنسي مع فلسطين، هو أكبر خدمة قدمت للصهاينة. ويقود المنطق القطري مباشرة الى تبرير تخاذل الأنظمة لا بل تعاونها مع الصهاينة في مواجهة المقاومين الفلسطينيين. فيركد الشارع المصري الى موقف نظامه الفضائحي من حصار غزة ومشاركته المباشرة فيه تحت حجة استقلالية قرار مصر والتماهي مع الشرعية الفلسطينية. شرعية فلسطينية نابعة من الشرعية الدولية مكملة للشرعية المصرية ومتماهية كليا مع الشرعية الصهيونية النابعة بدورها من نفس الشرعية الدولية. ويتحول بهذا المقاوم الفلسطيني الى خارج عن القانون. علما بأن هذه الشرعية الدولية ليست قائمة على منطق الحق بل على منطق القوة وبالتالي فان كل ما ينتج عنها مناف للقانون الدولي وقانون الشعوب. لأن مفهوم الشرعية الدولية المسوق عربيا والذي لا وجود له في اي لغة أخرى يعبر عن منطق مناف لروح القانون الدولي الذي يرفض الاستيطان والتطهير العرقي والابادة ويصنفها كلها جرائم ضد الانسانية. فكيف تشرعن الأمم المتحدة اذن كيانا قام على هذه الجرائم؟ الجواب كما أسلفنا هو تناقض آليات عمل المجتمع الدولي مع روحية القانون الدولي وقانون الشعوب.
هذا المنطق منطق مغلق ولا مجال للخروج منه الا بالخروج عن هذه الشرعية المدعاة واسقاطها واعلان لا قانونيتها وتناقضها مع المبادئ التي تدعي خدمتها وهي مبادئ السلام والعدالة بين الشعوب. ومن هنا يجب البدء أولا برفض مقولة الشرعية الدولية ورفض قرارات الأمم المتحدة جميعا لا المطالبة بتطبيقها. لان المطالبة بتطبيق قرارات الأمم المتحدة سيقود حتما ومباشرة الى الاعتراف بحق 'اسرائيل' بالوجود. المطالبة بتطبيق قرارات الأمم المتحدة هو مصلحة 'اسرائيلية' بامتياز.
عندما نرفض الشرعية الدولية المدعية تكون الخطوة الثانية برفض الشرعيات العربية المستنسخة منها. وتكتمل الدائرة برفض مفهوم الشرعية الفلسطينية. وهنا يعود مفهوم الشرعية الى اصله الأعمق بتحرره من هذه الاطر المصطنعة وانتقاله الى خانة الشرعية الشعبية والقومية.
شرعية المقاومة
تحت الاحتلال تنبع الشرعية من فعل المقاومة وليس من اي شيء آخر، هذا هو المبدأ الأساسي في القانون الدولي كما عبرت عنه معاهدة لاهاي الدولية لعام 1907 في بنديها الأول والثاني وفي ملحقاتها والتي تنص حرفيا على 'حق اي شعب تحت الاحتلال الأجنبي بالمقاومة المسلحة داخل الأراضي المحتلة وخارجها واستهداف كل من يشارك بطريقة أو بأخرى بالاحتلال'. من ناحية أخرى تتقمص المقاومة شرعية الدولة السابقة لقيام الاحتلال حسب تعبير الجنرال ديغول، وبالتالي فانها هي الممثل الوحيد للشرعية في المناطق المحتلة.
ان تطبيق هذا المنطق القانوني الدولي على فلسطين يوصلنا حتما الى أن الشرعية في فلسطين تمثلها الفصائل المقاتلة للاحتلال والمقاومة له وبأن الفصائل المحاورة للاحتلال والمتعاونة معه خارجة عن القانون والشرعية. والقانون الدولي هذا المرتكز على معاهدة لاهاي الدولية وعلى مبادئ القانون الطبيعي وقانون الشعوب لا يتأثر لا بقرارات أمم متحدة ولا بغيرها من الاجراءات السياسية التي تخضع ليس للقانون بل لميزان القوى العالمي.
هذا في المنطق القانوني، أما في المنطق القومي للمعركة وبما أن انشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين جزء من مشروع سايكس بيكو لتفتيت مشرق الأمة العربية ودق اسفين يحول دون وحدتها وانشاء قاعدة متقدمة للامبريالية تستنزف طاقاتها وتحرس مصالح الغرب. كل هذا يفرض علينا عودة الى الأصول في مقاربة الصراع كما هو، أي كصراع قومي عربي مع الامبريالية من أجل التحرر والوحدة وليس كصراع من أجل تثبيت شرعية كيان مصطنع فلسطيني مكان كيان مصطنع صهيوني. فلسطين لا تتحرر الا من خلال عروبتها والبعد القومي لمعركتها التحررية وليس من خلال حق تقرير مصير للشعب الفلسطيني لن يصل الا الى طروحات حكم ذاتي مثل تلك التي في كامب ديفيد وتلك التي أنتجها أوسلو عمليا.
لا امكانية لتحرر فلسطين وحل القضية حلا عادلا الا بالقضاء على الكيان الصهيوني قضاء تاما وناجزا، وتلك معركة تتطلب تجييش كل طاقات الأمة العربية وتضامن ودعم الأمة الاسلامية وكل الأحرار في العالم. ومن هنا، لا بد من اعادة طرح الصراع مع 'اسرائيل' من منظوره القومي العربي الشامل وادراك حقيقة ان ما تسمى بالسيادة القطرية للدول العربية تشكل الخط الدفاعي الأول عن 'اسرائيل' ويجب تحطيمه. وما قام به مقاومو حزب الله في مصر هو خطوة مباركة بهذا الاتجاه يجب أن تتبعها خطوات أخرى ويجب أن تعلن من دون خجل ومواربة.
ومن هنا، فلسطين ليست بحاجة الى منظمة تحرير فلسطينية وكلنا رأى الى أين أوصلنا المنطق القطري الفلسطيني من انبطاح وتماهي مع العدو وهي نتيجة حتمية لكل منطق قطري في وطننا العربي.
جبهة عربية عريضة
ان ما تحتاجه فلسطين من أجل حريتها هو جبهة عربية عريضة تضم كل القوى من اسلاميين وقوميين ويساريين هدفها خوض المعركة ضد الصهيونية وضد الامبريالية في كل اقطار الوطن العربي متجاهلة الحدود وتتعامل هذه الجبهة مع الوطن العربي كفضاء واحد مفتوح أمامها وتنضوي تحت لوائها الفصائل المقاومة في فلسطين. فلسطين تحتاج اذن الى منظمة تحرير عربية وليس فلسطينية تكون شعبية الطابع ومستقلة بشكل كامل عن النظام الرسمي العربي المساوم والمطبع. مثل هذه المنظمة هي وحدها القادرة على خوض معركة الأمة في فلسطين حتى ازالة الكيان الصهيوني من الوجود ودون مساومة أو تراجع ومن خلال حرب التحرير الشعبية. في نفس الوقت ومن خلال خوضها معركة فلسطين سوف تغير حركة الواقع العربي برمته وتحقق وحدة النضال بين اطياف الأمة وقواها الحية في مواجهة النظام الرسمي المهترئ والفاسد والمتآمر وتقود بالتالي الى نهضة هذه الأمة وتحرر شعبها الكامل.

