
في موضوع العنصرية ((اللبنانية )) ضد محيطه العربي
بتقديري المسألة لا ارتباط لها بالوجود العسكري السوري الذي قد يكون ولا انكر عن تأجيج هذه العنصرية
لكن ثمة مشكلة بنيوية في ليس فقط في تعاطي (اللبناني ) مع ابناء جيرانه بل حتى مع ابناء مناطقه
ثمة مظاهر سلبية شهدتها الاسابيع الأخيرة تشير الى ظهور كوامن في الثقافة والاجتماع ظن كثيرون أنها دفنت الى غير رجعة.
فالحملة على كل ما هو سوري (وعربي ضمناً) ظهرت على ألسن الخطباء والنواب وشعارات التظاهرات ورسوم الكاريكاتور ولقطات الكوميديا المتلفزة قبل سنين وقبل (الفنعة الاخيرة )الى حد الهستيريا الجماعية في بعض المناطق اللبنانية، لكنها مع ذلك ليست الا جزءاً من جبل الجليد الكبير الذي ينذر بعواصف حملات أشد.
وطال الهجوم حتى بقية اللبنانيين المشوبين بشبهة العلاقة او التحالف او القرب (حتى الجغرافي) من سوريا، وبقية العرب منهم متهمون باللالبنانية حتى يثبت العكس وبالانتماء الى مدى غير لبنان (عربي ـ اسلامي) الا اذا انضموا زحفاً أو ركوعاً الى انتفاضة الاستقلال "اللبنانية" الأصلية 100%.
الظاهرة ليست شاملة أو دائمة في لبنان، لكنها قابلة للانتشار بفعل عوامل اعادة الانتاج، وقابلة للتراجع الى حدودها الدنيا اذا عولجت بجدية مظاهرها وعواملها الدائمة ومن هذه العوامل:
1 ـ الخطاب الثقافي السياسي المرتكز على عدائية المحيط اللبناني، وربط التاريخ اللبناني بالتمرد الدائم عليه، وتضخيم نزعة التنازع الدائم والأبدي بين سكان الجبل وسكان "الصحراء" مع ما تحمله هذه المفردة من شحنات سلبية، يراد بها إلصاق صفة البداوة واللاحضارة بالعرب كل العرب، وتعميم التصحر على الثقافة والمدنية العربية ـ الاسلامية، مقابل اخضرار الجبل الماروني (الذي اصبح مارونيا بفضل فتاوي ابن تيمية والامير فخر الدين المعني ) وعذوبة مياهه وارتباط حضارته بثقافة "البحر" ـ "الغرب" في حقوقه، ومختزلة حقائق التاريخ والجغرافيا التي شهدت حراك الحضارة والثقافة من شرقنا "النهري" (العراق وما قبله).
ادعى الغرب، وفي تنكر انتقائي لدور الحضارة الاسلامية التي أنقذت طوائف بكاملها من مذابح شقيقاتها، وهذبت عقول التمرد وسيوف الالغاء المتبادل ليصبحوا قابلين للتعايش مع أي آخر، بل وصل اشعاعها الى عصور الظلمة الاوروبية من خلال ميادين الاندلس ومساجده التي نقلت الحضارة ممن يسمون زوراً صحراويين الى برابرة اوروبا المتمدنين.
2 ـ الخطاب الطائفي ـ المناطقي الداخلي المتمركز حول الذات، الاستعلائي على الآخر الشريك، شاهراً سيف الأصل عندما يتباهى بأن طائفة معينة هي أصل لبنان ، أي أن الطوائف الأخرى هي فروع وملحقات لهذا الأصل ونسي البعض ان قرعة ابيه المسيحية من سوريا اصلا ، وأن المنطقة التي تسكنها (الجبل) هي المركز ـ النواة باعتبارها هي الأصل وبقية المناطق هي الأطراف، ولهذا فما يحق للأصل لا يحق للفرع التابع، وهو تمييز يستدعي استتباع مسألة التهميش السياسي والنقابي والتاريخي، فيغدو تاريخ المركز هو تاريخ الكل، وثقافة ولهجة المركز هي المهيمنة، أما تاريخ وثقافة ولهجة الأطراف فهي منبوذة مهمشة تستحضر للسخرية (خصوصاً في بعض البرامج الكوميدية التي تسخر من لهجة الشيعة في الجنوب وبعلبك فضلا عن الحماصنة والسوريين ) حتى ليغدو الآخر الداخلي في لبنان غير المنتمي الى الأصل الأسطوري للطائفة والمركز غريباً، وعندما تستحضر اللبننة يكون اللبناني "الأصلي" و"النقي" pure 100% هو ابن الطائفة ـ المنطقة وحده، أما الآخر الملحق فتتناقص لبنانيته طرداً كلما ابتعد عن النواة الصلبة للأصل اللبناني السوي المطهر.
كنتيجة لهذا التمييز على اساس المنطقة والانتماء الديني الذي هو أحد أشكال العنصرية يرسم تصور للبنان سبق وظهرت ملامحه في الدستور السابق للطائف قبل تعديله، فيصبح للبنان وجهان: الأول هو وجه الجبل نحو الغرب، أي نحو البحر وأوروبا، والدليل انه يتكلم اللغة "الافرنجية"، والثاني هو وجه الصحراء، وممثلوه في الداخل هم ابناء الأقضية الملحقة والمدن الساحلية التي ضمت معها الى المركز الأصلي، وبهذا تصبح لكنة المحيط العربي مرذولة ومثاراً للتندر مثلها مثل كل ما يمت الى هذا الوجه من لباس ومأكل وأسلوب عيش.
على هذه الخلفية الثقافية والتاريخية يمكن فهم آليات الاستعادة الخطابية للتمييز العنصري ضد العرب السوريين واللبنانيين الآخرين.
الكمية والنوعية، لبناني 100%، بشر وغنم، على حد تعبير ابن اللص الكبير (بيار الجميل جنيور) وبين جماعة الكرواسون، وجماعة المناقيش، الطاقية (الفرنسية) والحطة والكفية (الشماغ العربي).
كان النظام الطائفي الذي أقرّه الفرنسيون (العلمانيون) خلال انتدابهم، وكرسه النظام السياسي اللبناني منذ العام 1943 أحد أهم الآليات الدستورية والاجتماعية لاعادة انتاج التمييز الطائفي قانونياً وثقافياً، وأتاح بقاء خميرتها متأهبة في النفوس والنصوص، تطل برأسها فوارة مع كل انقسام يأخذ طابعاً وطنياً، لأنه أسس الهوية والخيارات الاستراتيجية للبلاد.
من هنا أهمية ما حسمه الطائف دستورياً في الهوية العربية والانتماء اللبناني، وفي وضع اسس تحتاج الى متابعة لبلورة اصلاح النظام السياسي، وليس للوصول الى مواطنة كاملة غير تمييزية في وقت من الأوقات دون الاستعجال في حرق المراحل وبتر المعطيات القائمة.
للمناسبة ليس كل لبنان على هذا المنوال، ولا كل أوقاته هي كذلك، فالفورة العنصرية قابلة للتصدي، لكن مع أدوية طويلة المدى، ومع انتباه الى ان حال التمييز تجاه الآخر، هو نوع من الخلل النفسي الجماعي الذي يبدأ انقساماً داخل الذات الجماعية نفسها على أصالة أعلى وأصالة أدنى، وعلى منطق الولاء الأكثر صفاءً الى حد توالد عصبيات تمييزية قاتلة داخل كل جماعة.
ولقد شاهدنا في الحرب اللبنانية السابقة التي لا عودة اليها بإقرار الجميع، كيف ان الجماعات المتوحدة ظاهراً عاودت الانقسام الذاتي، ثم توالد الانقسام انقسامات الى حدود التقاتل الداخلي المرير والتصفيات والمذابح الداخلية الأكثر فظاعة في تاريخ لبنان الدموي، فالعنصرية داء نفسي وجماعي وعقلي (لا عقلاني) يتوهم التميز، لكنه ينقل الى الذات نفسها لتتحول انتحاراً ذاتياً مع مرور الزمن..
منقول بتصرف عن حسين رحال
بتقديري المسألة لا ارتباط لها بالوجود العسكري السوري الذي قد يكون ولا انكر عن تأجيج هذه العنصرية
لكن ثمة مشكلة بنيوية في ليس فقط في تعاطي (اللبناني ) مع ابناء جيرانه بل حتى مع ابناء مناطقه
ثمة مظاهر سلبية شهدتها الاسابيع الأخيرة تشير الى ظهور كوامن في الثقافة والاجتماع ظن كثيرون أنها دفنت الى غير رجعة.
فالحملة على كل ما هو سوري (وعربي ضمناً) ظهرت على ألسن الخطباء والنواب وشعارات التظاهرات ورسوم الكاريكاتور ولقطات الكوميديا المتلفزة قبل سنين وقبل (الفنعة الاخيرة )الى حد الهستيريا الجماعية في بعض المناطق اللبنانية، لكنها مع ذلك ليست الا جزءاً من جبل الجليد الكبير الذي ينذر بعواصف حملات أشد.
وطال الهجوم حتى بقية اللبنانيين المشوبين بشبهة العلاقة او التحالف او القرب (حتى الجغرافي) من سوريا، وبقية العرب منهم متهمون باللالبنانية حتى يثبت العكس وبالانتماء الى مدى غير لبنان (عربي ـ اسلامي) الا اذا انضموا زحفاً أو ركوعاً الى انتفاضة الاستقلال "اللبنانية" الأصلية 100%.
الظاهرة ليست شاملة أو دائمة في لبنان، لكنها قابلة للانتشار بفعل عوامل اعادة الانتاج، وقابلة للتراجع الى حدودها الدنيا اذا عولجت بجدية مظاهرها وعواملها الدائمة ومن هذه العوامل:
1 ـ الخطاب الثقافي السياسي المرتكز على عدائية المحيط اللبناني، وربط التاريخ اللبناني بالتمرد الدائم عليه، وتضخيم نزعة التنازع الدائم والأبدي بين سكان الجبل وسكان "الصحراء" مع ما تحمله هذه المفردة من شحنات سلبية، يراد بها إلصاق صفة البداوة واللاحضارة بالعرب كل العرب، وتعميم التصحر على الثقافة والمدنية العربية ـ الاسلامية، مقابل اخضرار الجبل الماروني (الذي اصبح مارونيا بفضل فتاوي ابن تيمية والامير فخر الدين المعني ) وعذوبة مياهه وارتباط حضارته بثقافة "البحر" ـ "الغرب" في حقوقه، ومختزلة حقائق التاريخ والجغرافيا التي شهدت حراك الحضارة والثقافة من شرقنا "النهري" (العراق وما قبله).
ادعى الغرب، وفي تنكر انتقائي لدور الحضارة الاسلامية التي أنقذت طوائف بكاملها من مذابح شقيقاتها، وهذبت عقول التمرد وسيوف الالغاء المتبادل ليصبحوا قابلين للتعايش مع أي آخر، بل وصل اشعاعها الى عصور الظلمة الاوروبية من خلال ميادين الاندلس ومساجده التي نقلت الحضارة ممن يسمون زوراً صحراويين الى برابرة اوروبا المتمدنين.
2 ـ الخطاب الطائفي ـ المناطقي الداخلي المتمركز حول الذات، الاستعلائي على الآخر الشريك، شاهراً سيف الأصل عندما يتباهى بأن طائفة معينة هي أصل لبنان ، أي أن الطوائف الأخرى هي فروع وملحقات لهذا الأصل ونسي البعض ان قرعة ابيه المسيحية من سوريا اصلا ، وأن المنطقة التي تسكنها (الجبل) هي المركز ـ النواة باعتبارها هي الأصل وبقية المناطق هي الأطراف، ولهذا فما يحق للأصل لا يحق للفرع التابع، وهو تمييز يستدعي استتباع مسألة التهميش السياسي والنقابي والتاريخي، فيغدو تاريخ المركز هو تاريخ الكل، وثقافة ولهجة المركز هي المهيمنة، أما تاريخ وثقافة ولهجة الأطراف فهي منبوذة مهمشة تستحضر للسخرية (خصوصاً في بعض البرامج الكوميدية التي تسخر من لهجة الشيعة في الجنوب وبعلبك فضلا عن الحماصنة والسوريين ) حتى ليغدو الآخر الداخلي في لبنان غير المنتمي الى الأصل الأسطوري للطائفة والمركز غريباً، وعندما تستحضر اللبننة يكون اللبناني "الأصلي" و"النقي" pure 100% هو ابن الطائفة ـ المنطقة وحده، أما الآخر الملحق فتتناقص لبنانيته طرداً كلما ابتعد عن النواة الصلبة للأصل اللبناني السوي المطهر.
كنتيجة لهذا التمييز على اساس المنطقة والانتماء الديني الذي هو أحد أشكال العنصرية يرسم تصور للبنان سبق وظهرت ملامحه في الدستور السابق للطائف قبل تعديله، فيصبح للبنان وجهان: الأول هو وجه الجبل نحو الغرب، أي نحو البحر وأوروبا، والدليل انه يتكلم اللغة "الافرنجية"، والثاني هو وجه الصحراء، وممثلوه في الداخل هم ابناء الأقضية الملحقة والمدن الساحلية التي ضمت معها الى المركز الأصلي، وبهذا تصبح لكنة المحيط العربي مرذولة ومثاراً للتندر مثلها مثل كل ما يمت الى هذا الوجه من لباس ومأكل وأسلوب عيش.
على هذه الخلفية الثقافية والتاريخية يمكن فهم آليات الاستعادة الخطابية للتمييز العنصري ضد العرب السوريين واللبنانيين الآخرين.
الكمية والنوعية، لبناني 100%، بشر وغنم، على حد تعبير ابن اللص الكبير (بيار الجميل جنيور) وبين جماعة الكرواسون، وجماعة المناقيش، الطاقية (الفرنسية) والحطة والكفية (الشماغ العربي).
كان النظام الطائفي الذي أقرّه الفرنسيون (العلمانيون) خلال انتدابهم، وكرسه النظام السياسي اللبناني منذ العام 1943 أحد أهم الآليات الدستورية والاجتماعية لاعادة انتاج التمييز الطائفي قانونياً وثقافياً، وأتاح بقاء خميرتها متأهبة في النفوس والنصوص، تطل برأسها فوارة مع كل انقسام يأخذ طابعاً وطنياً، لأنه أسس الهوية والخيارات الاستراتيجية للبلاد.
من هنا أهمية ما حسمه الطائف دستورياً في الهوية العربية والانتماء اللبناني، وفي وضع اسس تحتاج الى متابعة لبلورة اصلاح النظام السياسي، وليس للوصول الى مواطنة كاملة غير تمييزية في وقت من الأوقات دون الاستعجال في حرق المراحل وبتر المعطيات القائمة.
للمناسبة ليس كل لبنان على هذا المنوال، ولا كل أوقاته هي كذلك، فالفورة العنصرية قابلة للتصدي، لكن مع أدوية طويلة المدى، ومع انتباه الى ان حال التمييز تجاه الآخر، هو نوع من الخلل النفسي الجماعي الذي يبدأ انقساماً داخل الذات الجماعية نفسها على أصالة أعلى وأصالة أدنى، وعلى منطق الولاء الأكثر صفاءً الى حد توالد عصبيات تمييزية قاتلة داخل كل جماعة.
ولقد شاهدنا في الحرب اللبنانية السابقة التي لا عودة اليها بإقرار الجميع، كيف ان الجماعات المتوحدة ظاهراً عاودت الانقسام الذاتي، ثم توالد الانقسام انقسامات الى حدود التقاتل الداخلي المرير والتصفيات والمذابح الداخلية الأكثر فظاعة في تاريخ لبنان الدموي، فالعنصرية داء نفسي وجماعي وعقلي (لا عقلاني) يتوهم التميز، لكنه ينقل الى الذات نفسها لتتحول انتحاراً ذاتياً مع مرور الزمن..
منقول بتصرف عن حسين رحال
0 reacties:
إرسال تعليق