بعد مرور شهر تقريبا على مشاركتي بأعمال المؤتمر الناصري العام في دورته الثانية التي انعقدت في لبنان لا بد من وقفة تقييمية للمؤتمر و نتائجه على أكثر من صعيد. السؤال الذي كان يخالجني قبل ذهابي الى لبنان كان حول ما اذا كان المؤتمر يهدف الى انشاء تنظيم قومي يكون اطارا لتحرك القوميين الناصريين و اداة لعملهم النضالي. ذلك التنظيم الذي لا نرى نحن القوميون التقدميون عنه بديلا تجسيدا للحركة العربية الواحدة. ان الدعوة الى قيام الحركة العربية الواحدة لا تتحول الى واقع معاش الا عندما ينشأ هذا التنظيم و من هنا فان قناعتنا كانت و لم تزل أن المؤتمر الناصري العام الذي اتخذ له شعارا : نحو حركة عربية واحدة يقاس فشله او نجاحه في مدى اقترابه او بعده عن الوصول الى قيام التنظيم القومي . فأين هو من ذلك.
لنبدأ أولا في طرح سؤال لا بد منه و هو: هل يهدف المؤتمر فعلا الى انشاء التنظيم القومي ؟
و عندما نقول التنظيم القومي نعني به حزبا سياسي واحدا ذو قيادة قومية منتخبة قوميا تحدد استراتيجيته و قيادات محلية تلتزم بهذه الاستراتيجية القومية العامة و تترجمها تكتيكيا في اطارها الجغرافي وفقا للظروف و المعطيات. فالتنظيم القومي ليس فدرالية من الأحزاب و لا هو جبهة او تكتل او لقاء. لقد كان من الواضح خلال مناقشات المؤتمر سواء في جلساته العمومية او في ورش العمل و اللجان او حتى في النقاشات التي دارت وراء الكواليس بأن المشاركين فيه ليست لهم رؤية موحدة مشتركة في هذا الخصوص. الجميع متفق على ان الهدف هو الحركة العربية الواحدة الا ان ماهية هذه الحركة العربية الواحدة لا تزال مسالة اشكالية. و لقد بدا و كأن الأخوة المشاركين من الفعاليات الناصرية الغير منتمين الى احزاب او تنظيمات اقليمية هم على بينة من أن الهدف هو الوصول الى انشاء التنظيم القومي و بدا عليهم الحماس من أجل أخذ خطوات جريئة في هذا الاتجاه. أما الأخوة المنتمين الى الأحزاب و التنظيمات فقد كان حماسهم أقل رغم عدم اعتراضهم على الفكرة من حيث المبدأ. أما سبب التفاوت فهو الاعتبارات التنظيمية لكل من الأحزاب التي ينتمي اليها المشاركون. لم يكن للمرء الا ان يلاحظ أن الأخوة الحزبيين يميلون أكثر لمشروع جبهة ناصرية. و قد تبلور هذا التباين في وجهات النظر من خلال النقاش الذي احتدم حول النظام الداخلي للمؤتمر سواء من ناحية العضوية فيه و التي ارادتها الأحزاب حصرا للأحزاب يضاف اليها كاستثناء بعض فعاليات العمل الناصري من خارجها. و أرادها المستقلون حصرا للأفراد من فعاليات العمل الناصري سواء انتموا لأحزاب أم لم ينتمو. و حسمت هذه المسالة لصالح المستقلين بأن ثبتت العضوية في المؤتمر للفعاليات من الأحزاب و التنظيمات و الشخصيات و الحالات و ليس للأحزاب و التنظيمات بصفتها الحزبية.
اما المسالة الثانية فكانت هيكلة المؤتمر على شكل مؤسسة لها أمانة عامة دائمة و مكتب تنفيذي و لها فروع محلية تسمى لجان الساحات تكون عضويتها مفتوحة لمن تقبله الأمانة العامة عضوا. و هنا كان من الواضح أن لجان الساحات ما عدا لجان مصر و تونس و المهجر يغلب عليها الطابع الحزبي مما يجعل من الممكن جدا حصول عمليات اقصاء و تجيير. الا ان الأمانة العامة تبقى لها الكلمة الفصل في انتساب الفعاليات الى المؤتمر.
و من هنا يمكننا الاجابة على سؤالنا الأول بأن تيارا واسعا داخل المؤتمر يقوده المستقلون و تشكل ساحة مصر زخمه الأقوى يهدف فعلا الى انشاء التنظيم القومي و نجح عمليا في حسم الأمور داخل المؤتمر في هذا الاتجاه رغم بعض التحفظات.
السؤال الثاني الذي لا بد من الاجابة عليه هو: ما هي الاستراتيجية المتبعة لانشاء التنظيم اي لبلوغ الهدف ؟
ان المقاربة العلمية و المنهجية لانشاء التنظيم القومي هي شرط أساسي لنجاحه و لضمان فعالية أدائه كأداة نضالية للقوميين التقدميين الناصريين. فالتنظيم القومي اذا اراد أن يكون حالة واقعية أي منبثقة عن واقع الأمة و متواجدة على مختلف الساحات و الميادين أفقيا و عاموديا عليه ان ينشا نشأة قومية ديمقراطية صحيحة. فلا يكون صنيعة دولة أو نظام تركبه أجهزتها الأمنية لخدمة ماربها الاقليمية التي لا تستطيع الا ان تخدمها بحكم طبيعتها الموضوعية حتى و لو رفعت أكثر الشعارات قومية و وحدوية و لذلك لا بد من الاستقلالية في االنشأة. و لا يكون شلة تجتمع حول زعيم و لو كان هذا الشخص مخلصا لقضايا الأمة و فذا في قيادته ثاقبا في رؤيته فتتحول الى طائفة وثنية تألهه و تمجد مكارمه و تغطي عيوبه و لذلك لا بد من ديمقراطية النشأة و جماعيتها.
و لا يكون التنظيم القومي نخبة تتسامر في ليالي الشتاء الباردة حول مائدة أو تتبادل الشعارات و التحليلات على أرصفة قهاوي المفكرين و المنظرين النشيطي الدماغ المشلولي الحركة و لذلك لا بد من شعبية النشأة و ثوريتها و انغراسها في جذور الأمة. و لا يكون التنظيم القومي مؤتمرا ينعقد كل عام يجمع شخصيات كل منها يغني على ليلاه فيحلل و يحذر و يحيي و يشجب و يندد و يهدد ثم ينحل و ينتظر أعضاؤه الكرام موعدهم القادم في العام القادم و لذلك لا بد من دينامية النشأة و استمراريتها و حركيتها. و لا يكون التنظيم القومي حزبا قوي في اقليم من أقاليم الأمة فاستقوى فأعلن نفسه تنظيما قوميا فالتحقت به شلل في اقاليم أخرى تناهض به شللا أخرى طالبة شرعية التمثيل كل في اقليمه فيكون نسخة عن جامعة الدول العربية, فلذلك لا بد من قومية النشأة و شمولها لأرض الوطن من محيطه لخليجه و لا بد من نضارتها بحيث لا تكون تعويما لحزب او نفخا لأخر او نكاية بثالث.
فهل هنالك حزب حالي يشمل كل هذه الصفات لكي نعلنه تنظيما قوميا؟ كلا بالطبع. و اذا ما العمل؟ اذا كنا لا نريد الاعلان او الدعوة الى حزب جديد من الفراغ الى الفراغ و نفخ بالون في الهواء و اجترار التجارب السابقة و الفشل سلفا؟ لا بد من تفاعل قومي, ديمقراطي, شعبي, لا نخبوي, مستقل و مجدد تنظيميا و فكريا بين القوميين التقدميين الناصريين في اطار معين ثم ينتج هذا التفاعل حالة جديدة على المستوى القومي تتحول الى التنظيم القومي المنشود.
انني الأن على قناعة بأن المؤتمر الناصري العام هو ذلك الاطار حيث تتوفر فيه الشروط المذكورة أعلاه فهو جماعي النشأة و ديمقراطي الأليات و قومي الانتشار مستقل عن الأنظمة استقلالا كليا و لا تبعية له لأي حزب قائم و ينظم التفاعل بين الناصريين نحو بناء رؤية فكرية مجددة و مشروع فكري عصري للنهضة بالأمة. و هو نضالي التوجه و ثوري النزعة. ألمؤتمر الناصري العام هو التنظيم الانتقالي الذي يسبق ولادة التنظيم القومي و لذلك فعليه ان يشد من اطاره المؤسساتي دون ان يخسر مرونته. و أن يبقى مرنا دون أن تصيبه الميوعة.
المؤتمر الناصري العام لا بد له من أن يتحول الى حالة واسعة تلملم شتات الناصريين بل و توسع اطار الحركة الناصرية بأن تجذب اليها قوميين تقدميين من جميع المشارب و تدخل أوساطا جديدة من أوساط شعبنا العربي. و هذا لن يكون الا عبر التحرك على الأرض عبر متابعة الأحداث و تبني المواقف الشجاعة و المبداية و تسويقها جيدا عبر سياسة اعلامية فذة. و كذلك عبر التحرك بين الناس و في أوساط الجماهير عبر نشاطات ثقافية و اجتماعية و خدماتية. أن هكذا مقاربة كفيلة بتوسيع مروحة المؤتمر و تكريسه كمؤسسة قومية ستنتج حزبا قوميا ينقض بدوره على مواجهة التحديات الكبيرة التي يواجهها شعبنا العربي اليوم و في مقدمتها التنمية البشرية و المادية و تحطيم النظام العربي الرسمي القمعي العميل و ابادة الاستعمار الصهيوني و ازالة الاحتلال الأجنبي.
كما أن المؤتمر كساحة للتفاعل و الجدل الداخلي سيولد عملية فرز للقوى بين القوميين التقدميين الحقيقيين و مدعي القومية من الاقليميين الذين سينقلبون عاجلا او اجلا على الخط القومي و سيحاولون عرقلة بناء التنظيم القومي حفاظا على تنظيماتهم الاقليمية.
و من هنا فنحن نعلق امالا كبيرة على المؤتمر الناصري العام كمؤسسة لا بد من أن تثبت وجودها. و نحن كأعضاء في المؤتمر علينا أن نراقب اداء الأمانة العامة من منطلق الرقابة الديمقراطية و ندفعها الى النشاط بين دورات المؤتمر اعلاميا و سياسيا و ثقافيا و اجتماعيا و هذا هو التحدي الاكبر. و على كل منا أن يدرس امكاناته و ما يستطيع ان يقدمه في خدمة هذا المشروع العظيم فكما قال القائد المعلم: " ان أهداف النضال الوطني لا تتحقق الا في اطار من الجهد اليومي" و هكذا فان المؤتمر و كل من هو عضو فيه لا بد له من ان ينشط يوميا باتجاه الهدف المنشود.
0 reacties:
إرسال تعليق