الثلاثاء، آذار 29، 2005

قضية لافون و حاضرنا



هل تعني لكم كلمة فضيحة لافون شيئا؟
لكي نخفف عنكم ضناء البحث التاريخي القضية تتلخص بان مجموعة من المخابرات الاسرائيلية الناشطة في القاهرة عام 1954 قامت بسلسلة تفجيرات لمصالح أميركية و بريطانية و يهودية مصرية.
الهدف من التفجيرات كان طبعا توتير الأجواء بين الغرب و مصر بقيادة عبد الناصر و الدفع أو التبرير لمواجهة لازاحته من السلطة.
من ناحية أخرى خلق جو ملائم لهجرة اليهود المصريين الى فلسطين المحتلة.
و طبعا حينئذ اتجهت أصابع الاتهام الى عبد الناصر و أجهزته على انها مسؤولة عن التفجيرات و عندما أعلنت السلطات المصرية أنها تتهم اسرائيل انطلقت الألسنة الساخرة المتفزلكة و السينية بطبيعتها لتقول أن ناصر فعلها و المسالة واضحة و ان العرب ابطال نظرية المؤامرة.

ثم حصل ان اعتقلت المخابرات المصرية الشبكة الاسرائيلية و تبين للجميع أن عبدالناصر كان محقا و ان نظرية المؤامرة كانت في محلها و ان الصهيونية عقيدة و منهج لا تعرف المحاظير الاخلاقية و باستطاعة الصهيونية قتل ابنائها لكي تحصل على مكاسب من وراء ندبهم و البكاء عليهم.

و اليوم نرى الكثيرين يهزأون منا اذا ما قلنا أنه من الوارد أن اسرائيل وراء قتل الحريري و أنها تضع المتفجرات في لبنان لاشعال فتيل الحرب الاهلية.

لقد حسم المتفلسفون خياراتهم و أجرو تحقيقاتهم و برأوا ذمة الصهيونية بل و يمتعضون من اتهامنا لها فحاشاها ان تنزل الى هذا المستوى .
منذ ثلاثة أيام قامت دولة اسرائيل بتزيين صدور من بقي على قيد الحياة من أفراد ا لخلية الارهابية التي قامت بالتفجيرات بالأوسمة. هذه دلالة امتنان ووفاء و تمسك بنفس الخط و المنهج, فهل يرى المهرولون لاتهام بعضهم البعض هذه الخطوة و يستلهمون منها تحليلات جديدة؟
السؤال هو: هل تتحلى القوى القومية اليوم برباطة جأش عبد الناصر و تثبت انهم على خطا أو على الأقل تطالب بالدليل القاطع انهم على حق؟ أم تنقاد تحت وطأة الضغط الى الوقوع في المصيدة نفسها



الخميس، آذار 24، 2005

كفى تملقا للحريري لقد أقرفتونا



رحم الله رفيق الحريري و كل امواتنا و أمواتكم و لعن الله قاتله و كل قاتل و مجرم و لكن...... ارحمونا يكفي تملقا و تزلفا و رياء و تقديسا. لقد جعلتم الرجل قديسا و هو مقاول و سمسار
و جعلتم الرجل بطلا للقومية العربية و هو بطل الولاء للنظام السعودي المتخلف الفاسد الرجعي.
و جعلتم الرجل ابا الفقراء و هو الذي اكل الاخضر و اليابس في لبنان و احتكر ما احتكر و باع ما باع
و جعلتم الرجل بطل البناء و الاعمار و هو لم يبن الا الحجر و لكنه ساهم في هدم البنية الاجتماعية للبلد الذي أنا ابنه و عمق بسياسته الليبرالية الشرسة الهوة بين ملايين فقراءه و ألاف أغنيائه ماسحا طبقته المتوسطة مسحا كليا
و جعلتوا منه ابا للديمقراطية و هو من كان في السلطة الى الأمس القريب و من مارس الانتخابات بقوة المال لا الحجة و من دمر الحركة النقابية و أقفل تلفزيونات و ارهب أخرى
و جعلتوا منه قائدا ملهما و هو الذي لا يستطيع قول كلمتين مركبتين دون أن يحش بينهما جملا لا معنى لها
الحريري هو الحريري و ان مات, الحريري لم يحوله الموت الى عبد الناصر ولا الى جيفاره , الحريري هو الحريري صاحب مشروع أو دمية مشروع لا فرق و مشروعه هو مشروع الرجعية العربية العائمة على ابار النفط الخام و المحمية بسواعد الغرب و مغاويره
و لو لم يكن هنالك توازن للسلطة في لبنان لحول الحريري لبنان ليس فقط الى ماخور الشرق الأوسط و هو ما فعله فعلا و لكن ايضا الى قلعة متقدمة للامبريالية الجديدة
رحمه الله الف مرة و اللهم لا تّشّفي

الثلاثاء، آذار 22، 2005

التقرير الثوري العربي: الكماشة العسكرية الأميركية/ الجزء الأول



الانتشار العسكري الأميركي الحالي:
شهدت السنوات العشر الأخيرة عودة القوى الامبريالية العالمية و على راسها الولايات المتحدة الى اسلوب التدخل العسكري المباشر و ذلك بعد تغير الظروف الدولية و تحديدا تركيبة النسق الدولي من الازدواجية القطبية الى الاحادية القطبية.
هذا يدل على أن الاستعمار الغير مباشر الذي كانت قوى التحرر قد بدأت التعامل معه على أنه واقع المرحلة الجديدة في نهاية الستينات و بداية السبعينات لم يكن سوى مناورة فرضتها ظروف المرحلة و تحديدا الحرب الباردة التي أراد الاستعمار لها أن تبقى باردة.
نحن لسنا هنا بصدد القيام بتحليل ايديولوجي للموقف من الاحتلال العسكري الأجنبي لأن هذا الموقف واضح في ادبيات الحركة القومية العربية و حركات التحرر الوطني بشكل عام. بل نريد فقط تسليط الضوء على الوضع الاستراتيجي الحالي لوطننا العربي من الناحية الجيوسياسية لكي يسمح لنا ذلك بقراءة الواقع بشكل بعيد عن ضبابية الخطابات السياسية و الايديولوجية.

سمح الغزو العراقي للكويت عام 1990 للامبريالية الأميركية بتدشين المرحلة الجديدة التي أطلق عليها يومها اسم " النظام العالمي الجديد" و هو نظام أحادي القطب يقر بالقيادة المباشرة للولايات المتحدة و بدورها المفصلي في توزيع مناطق النفوذ على حلفائها الطوعيين و القصريين منهم. و هذا التحول لم يقتصر على الساحة الجغرافية العربية بل يعتبر موقفا شاملا من النظام الدولي ككل. الولايات المتحدة تحتفظ اليوم بقوات عسكرية قادرة على التدخل السريع قي المواقع التالية:
الجيش: شتوتغارت (ألمانيا), غرافنفور(ألمانيا), فورت كلايتون في باناما, سانت كوم في السعودية و الكويت و الأمارات و قطر.
البحرية:
الأسطول الأميركي الثاني لأوروبا و الأطلنطي.
الأسطول الأميركي الثالث للمحيط الهادئ الذي يضم 200 قطعة بحرية و 2000 طائرة مقاتلة و 250000 بحار و جندي من مشاة البحرية.
الأسطول الاميركي الرابع: جنوب الأطلنطي في قاعدة ناتال في البرازيل.
الأسطول الأميركي السابع الذي يتحرك في غرب المحيط الهادئ و حدود الخليج العربي و يعتبر انشط قوة تدخل عسكرية أميركية و ان كان ليس اكبرها و يضم 60 قطعة بحرية و 350 طائرة مقاتلة و 60000 بحار أو مقاتل من مشاة البحرية.
الأسطول الأميركي الخامس المختص بالخليج العربي: تتم قيادته من قاعدة المنامة في البحرين و يتشكل من وحدات من الأسطول السابع و الاسطول الثاني.
الأسطول الاميركي السادس الذي يتحرك في منطقة حوض المتوسط و يضم 40 قطعة بحرية بينها المدمرة العملاقة نيو جرسي و 175 طائرة مقاتلة و 21000 بحار و مقاتل من مشاة البحرية.
قاعدة غويام البحرية: تدعم الأسطول السابع بشكل أساسي.
قاعدة كيفلافيك في ايسلندا و هي بحرية جوية.
قاعدة نابولي البحرية.
قاعدة روتا البحرية في اسبانيا.
قاعدة ساسيبو في اليابان.
قاعدة سيغونيلا البحرية الجوية في ايطاليا و التي تعتبر المفصل الرئيسي للوجود الأميركي في المتوسط.
و كل هذه القواعد تعتبر أيضا الى جانب دورها اللوجستي و الصياني قواعد تخزين للذخيرة و مواقع لوحدات انزال برمائية متقدمة.
القواعد الجوية:
قاعدة أفيانو الجوية في ايطاليا.
قاعدة توسلا في جمهورية البوسنة.
قاعدة انشيرليك في تركيا.
قاعدة كادينا في أوكيناوا اليابان.
قاعدة كونسان في كوريا الجنوبية.
قاعدة ميساوا في اليابان.
قاعدة أوسان في كوريا.
قلعدة رامشتاين في ألمانيا.
قاعدة تاسزار في المجر.
قاعدة يوكوتا في اليابان.
قاعدة ايواكوني في اليابان التابعة لمشاة البحرية و القريبة من هيروشيما
قاعدة فوجي في اليابان.
هذه هي القواعد الأميركية الأساسية و لكن اضافة اليها يوجد على الأقل 750 قاعدة أخرى تتراوح ما بين معسكر ارتباط و تدريب لقوات محلية حليفة الى تواجد عسكري ضخم مثل التواجد في الفيليبين و كوريا و كوسوفو و غيرها.
و هنالك مشاريع لبناء قواعد أميركية جديدة في بلاد أوروبا الشرقية و في باكستان حيث يعتقد حاليا بوجود 4 قواعد أميركيةو لكن أيضا في استراليا و في فيتنام.

الكماشة على الوطن العربي: القواعد الأميركية موجودة في فلسطين المحتلة منذ زمن بعيد و حتى ان لم توجد فاسرائيل بحد ذاتها قاعدة متقدمة للاستعمار في قلب الفضاء الأمني العربي. و منذ حرب الخليج السابقة تمركزت القوات الاميركية في منطقة الخليج العربي من خلال جملة من القواعد العسكرية في البحرين و قطر و الامارات و الكويت و طبعا العربية السعودية. و مع اجتياح العراق تتواجد الان أكبر قوة برية أميركية في العالم على الارض العربية حيث يتم بناء قواعد عسكرية ثابتة و ضخمة في العراق تشير الى استراتيجية احتلال بعيدة المدى. و الاحتلال هنا يعني الوجود العسكري عبر قوات تدخل سريعة ووحدات استراتيجية كتلك الموجودة في اليابان و ان تم الانسحاب السياسي و الاعلامي في أوان لاحق فان هذه القواعد مطلوب منها البقاء. و من الناحية الغربية للوطن العربي تتحرك الولايات المتحدة حاليا من اجل بناءقواعد عسكرية جنوبي المتوسط و تحديدا في المغرب و الجزائر و تونس. هذه المشاريع تشمل ايضا الساحل الغربي لأفريقيا و تندرج في اطار اعادة انتشار للتواجد الاميركي في العالم وفقا للمعطيات الاستراتيجية الجديدة حيث سيتم سحب مجمل القوات الأميركية من المانيا و بعض من القوات المتمركزة في كوريا و اليابان وتركيزها في الوطن العربي و تخومه.

لبنان و سوريا: تذليل أخر العقبات

اذا ما راقبنا الانتشار الأميركي العسكري بابعاده المستقبلية و المرتبط أيضا جدلا بالنظام العربي الرسمي الموالي بغالبيته للولايات المتحدة نجد أن المنطقة الغير واقعة مباشرة تحت نفوذ الولايات المتحدة العسكري المباشر أو الغير المباشر هي محور سوريا-لبنان


في الجزء الثاني من الكماشة الأميركية سوف نقارب الاستراتيجية الأميركية الحالية و المستقبلية

مقابلة مع دياب ابو جهجه عن وضع العرب الأوروبيين


أجرت المقابلة روزميري بيشلر من موقع الديموقراطية المفتوحة
20 أيار 2004

يعبّر القائد ذو الجاذبية الجماهيرية دياب أبو جهجاه عن رأيه بصيغةٍ نضالية جديدة للهوّية العربية الأوروبية. تنمو رابطته العربية الأوروبية في بلجيكا، وفرنسا، وهولندا، وتخطط للتوسع عبر أوروبا. إنه يطالب بأن يصغي إليه الأوروبيون, ويدعو العرب للحصول على الحقوق التي يشعرون بأنها منكرةٌ عليهم. ذهبت أوبن ديموكراسي إلى آنتويرب لكي تصغي إليه.

1- من هو أبو جهجاه؟ سيرة موجزة

2- الجميع خائفون: المقابلة كاملةً

3- ما الذي تريده الرابطة العربية الأوروبية ؟

مطالب أبو جهجاه




دياب أبو جهجاه هو رئيس الرابطة العربية الأوروبية. إنه في الثانية والثلاثين من العمر, ويتميز بمظهرٍ أحد نجوم الروك؛ يحفّ به حرسٌ شخصيّون حليقو الشعر في مناطق الاضطراب؛ وقد أُطْلِقَ عليه لقب "فرانكشتاين التكامل".

قابلته في المركز القديم للمجتمع المحلي في بورغرهاوت، وهي المنطقة المغربية من المدنية المرفئية البلجيكية القديمة آنتويرب.

كان بصحبته شخصٌ صموت يجلس مدخناً في نهاية الغرفة. وقد تبين أنّه واحدٌ من الخمسة المؤسّسين للرابطة العربية الأوروبية، وأنّه ذو ذاكرة مفيدة في مجال التّواريخ والأرقام.

لقد نفى قصص ‘المناطق المحرّمة‘ على الشرطة, وقصص تَعَرُّضِ رجال الأعمال اليهود في المنطقة الماسيّة من المدينة للهجوم؛ مع أنه سَيَدُلُّنا، مبتسماً بحياءٍ تقريباً، على الشّارع المجاور الذي يلقّبه السكان المحليّون "خط الجبهة".

أَجْلَسَنا أبو جهجاه على مقاعدٍ أقل تضعضعاً من التي كنا جالسين عليها. كان يبدو أشبه بأحد قادة الكشّافة، وهو واحدٌ من أدواره الكثيرة في الحياة. يحظى الرجل باحترامٍ كبير في أوروبا في صفوف الجيل الأصغر الذي أشارت إليه الإيكونوميست بعد هجمات القنابل في مدريد باسم "المسلمين الساخطين". إنه رجل صريحٌ ومباشر ولديه ما دعاه بعض الناس "يقينٌ يحسد عليه". وقد كتب كتاباً من /400/ صفحة محاولاً شرح فلسفته لكل من يريد أن يصغي في الأمّة البلجيكية.

لكن، ليس من الممكن إنكار شيءٍ بشأنه. ليست هذه بِسِمَةٍ نَفْسِيَّة قَدْرَ ما هي حقيقة من حقائق حياته. إنه ابنٌ لأستاذٍ جامعي ومعلّمة مدرسة بَقِيَا في لبنان، الذي غادره عندما كان في التاسعة عشرة بعد أن رُفِضَ طلبه للحصول على تأشيرة دخول للدراسة الجامعية في جامعة ميتشيغان، وذلك بسبب اندلاع حرب الخليج. بدلاً من ذلك جاء إلى بلجيكا. سيخبركم، متأملاً في الطبيعة "التلفيقية" والإدارية لهوّيته اللبنانية، كيف أن فلسطين قريبةٌ جداً من منزلِ أسرتهِ بحيث تُمْكنُ رؤية المستوطنين اليهود على التلال؛ وسَيذكُرُ لكم القصة التي حَكَاهَا له جَدُّه عن قيامِ والده جده بجمعِ بطاقاتِ الهوّية اللبنانية التي أعطاهم إياها الفرنسيون وإحراقها في الساحة العامة.

تتحدثُ بعضُ القصص عن أن حزب الله قد أمنَّ له اللجوء في بلجيكا. لقد كان مهاجراً اقتصادياً، كما يقرُّ صراحةً: كانت تلك هي "الطريقةُ الوحيدة". عمل في عدة أعمال في "اقتصاد الظل" تبعتها وظيفةٌ لائقة في مطار آنتويرب المجاور، مع ما يمكن اعتباره صعوداً سريعاً في ثاني أكبر حركة نقابية في بلجيكا وهي ، وصولاً إلى موقعٍ قيادي في مجال الاهتمام بمصالح العمال المهاجرين.

سواءٌ كان أبو جهجاه محقاً في اعتبار طريقه طريقاً مسدودةً أم لا، فقد تركز بحثه الآن، وبحث حلقةٍ من أصدقائه السياسيين، عن إطارٍ تنظيمي يمكّنهم من القيام بمهام حركة حقوق الأقلية المسلمة والعربية. كانت هذه هي النقطة التي قاموا عندها بتحولٍ حاسم في تفكيرهم: من الاحتجاج على سوء الوضع الاقتصادي الاجتماعي إلى ابتكار صيغة جديدة من سياسات الهوية. بعد عددٍ من التقلبات ولدت الرابطة العربية الأوروبية في شباط /2000/ حاملةً برنامجاً ذي شعبتين: مهمةٌ تتعلق بأوروبا, وأخرى من أجل العالم العربي.

كانت الحياةُ زاخرةً بالأحداث منذ ذلك الوقت. ففي عام /2001/ صار أبو جهجاه رئيساً للجنة صبرا وشاتيلا، وهي اللجنة التي شكلت للاستفادة من القوانين البلجيكية الجديدة نسبياً والتي تسمح بمحاسبة القادة الأجانب، مثل أرييل شارون، على جرائم من نوع المذبحة التي راح ضحيتها /3000/ من الفلسطينيين واللبنانيين عام /1982/.

بنهاية عام /2002/ أشار رئيس الوزراء البلجيكي غاي فيرهوفشادت، بعد أن تحداه أبو جهجاه أن يأتي إلى منطقة المهاجرين في آنتويرب وأن يتحدث بالعربية، إلى استعداده لفتح حوار مع المجتمعات المسلمة والمغربية بخصوص التمييز ورُهاب المسلمين؛ بينما دعا حزب الخضر الفلامنكي والحزب الاشتراكي إلى "ميثاق جديد مع المهاجرين" من العرب وغير العرب على حدٍ سواء.

ردّت الرابطة العربية الأوروبية عام /2003/ على "عدم تسامح" أعمال الشرطة في آنتويرب بأن سيّرت دوريات مدنية من عندها لمراقبة الشرطة. وفي عام /2004/ أطلقت التماسها "حرية ـ مساواة ـ إخاء" في فرنسا للدفاع عن النساء اللاتي اخترن ارتداء الحجاب في مواجهة الحظر الذي يتم التهديد بتطبيقه.

مع امتداد العضوية التّنظيمية للرابطة إلى هولندا وفرنسا يطلق أبو جهجاه الآن (وبعد أن خاض انتخابات البلجيكية لأول مرة في أيار 2003) الحزب الإسلامي الديمقراطي الجديد استعداداً للانتخابات القادمة عام 2006. لكنه ليس مهتماً بالسياسات الانتخابية بحدِّ ذاتها. ففي الوقت الذي تتعرض فيه التعددية الثقافية للهجوم في أوروبا ينادي أبو جهجاه بنوعٍ ناجع من التعددية الثقافية. ينصبُّ "اليقين الذي يحسدُ عليه" الذي يتكلم عنه الناس في "تحسين وتعبئة" المجتمع المحلي والدفاع الفعّال عن التعددية الثقافية الضرورية لإنجاز ذلك الهدف.

يقول أبو جهجاه أنه راغب بدخول حوار مع جميع الأطراف في المجتمع البلجيكي، وذلك قبل التقدم صوبَ ميادين جديدة في أوروبا.

علّق أبو جهجاه بامتعاض متأملاً في طول مقابلتنا: "المسألة هي أنني نادراً ما أحظى، في هذا المجتمع المصاب بوسواس العنصرية الذي أعيشُ فيه، بفرصة للحديث عن محتوى ما نقوم به..."
2- الجميع خائفون: المقابلة كاملةً

تمت هذه المقابلة، التي أجرتها روزميري بيشلر لصالح أوبن ديموكراسي، في 16/آذار/2004.

أوبن ديموكراسي: لقد وصفت بأنك "خص ذو جاذبية شعبية أنجز للهوية الإسلامية الأوروبية ما أنجزه بيم فورتيون للحركة القومية الهولندية". عند هذه اللحظة الحاسمة بالنسبة للهوية الإسلامية الأوروبية، ما الذي تعمل من أجله حقيقةً؟

دياب أبو جهجاه: لم يبنِ بيم فورتيون حركةً. ولم يكن يستهدف إجراء تغييرات بنيوية رئيسية في المجتمع. لقد كان قائداً شعبياً يحاولُ ترجمةَ معاناة السكان الهولنديين إلى ممارسةٍ سياسية. ظهر هذا واضحاً بعد موته، إذ تفكك الإطار التنظيمي لحزبه.

إنّ ما نحاوله لمختلفُ تماماً. لم تستفِق الأغلبية البلجيكية على وجودنا إلا عندما احتللنا العناوين الرئيسية, وهذا لأن مجتمعنا مجتمع مهمّش؛ لكننا كنا قد أسسنا قاعدةً لنا ضمن مجتمعنا قبل ذلك بوقت طويل. إننا منظمة قاعدية.

قناعتنا هي أن المجتمع الأوروبي، في القارة بشكلٍ خاص، مجتمعٌ أحاديُّ الثقافة من الوجهة الأساسية. هذا ما تعكسه كل الأشياء. ما يقترحه الناس كشروطٍ مسبقة للاندماج أو "التكامل" يبدو في نظرنا ثقافياً بالدرجة الأولى, من حيثُ طبيعتهِ, أكثرَ منه اقتصادياً ـ اجتماعياً أو سياسياً. إن لم تكن راغباً بالتخلي عمّا يجعلك مختلفاً (التخلي عن هويتك الخاصة)، فإنك مسبتعدٌ سياسياً واقتصادياً ـ اجتماعياً؛ وتجري محاولة تبرير هذا الاستبعاد.

من الطبيعي أنك بحاجةٍ لمنهج عمل اقتصادي ـ اجتماعي من أجل مطالبك. لكن هذا غيرُ كافٍ بالنسبة لنا. علينا أيضاً أن نبني سياجاً يحمي هويتنا الخاصة. ليس هذا برد فعل؛ إنه مسألةٌ جوهريةٌ.

أتريدين مثالاً ؟ تحتاج بلجيكا لعمالةٍ غير مؤهلة. إنها ترفض العمال المغاربة غير المؤهلين وتفضل عليهم العمال البولونيين غير المؤهلين؛ لماذا؟

أوبن ديموكراسي: ما هذه الأحادية الثقافية الأوروبية التي تشترك فيها مختلف البلاد الأوروبية؟

دياب أبو جهجاه: أوروبا متنوعة؛ لكن الوجه المشترك المعترف به عالمياً هو الإرث المسيحي ـ اليهودي الأوروبي الغربي. إن لهذا معنى ضمنياً عنصرياً متعلقاً بكون الأوروبيين من البيض، وهو يحملُ زعماً حضارياً (مسيحياً ـ يهودياً من حيثُ الطبيعة) في الوقتِ عينهِ.

إن وقفنا خارج هذا الإطار لا يعود التنوع مسموحاً به. إن آليات الاستبعاد الاقتصادية - الاجتماعية معدةٌ للدفع باتجاه التجانس ضمن إطار هذه الحدود التقليدية.

إذن، فالاستبعاد أداةٌ للضغط: إن لم تُتَمثّل فإنني استبعدك. أتريد عملاً؟ سكناً؟ أتريدُ أن يعترف بك سياسياً؟ إذن، عليك أن تُتَمثّل في المجتمع لنقبل بك؛ فإن لم تفعل فأنت الملوم لأنك لست "مندمجاً" بكل بساطة. هذا هو منطق الأمر.

ربما كانت دعوة الأقليات الإثنيّة للتفكك إلى "أفراد" من النمط الغربي يمكنهم الاعتماد على أنفسهم في مكان العمل طرحاً يميل لأن يكون أنكلو ساكسونياً. يمكن "التعامل" مع هذا, على الأقل. لكنه يبقى خاطِئاً.

في القارة الأوروبية، وفي بلدان مثل بلجيكا وهولندا وفرنسا والدانمارك، تكتسب عملية التمثل في المجتمع جانباً "ثقافوياً" متزايداُ. تشتد حساسية الناس تجاه ما يعتبرونه "ثقافتنا، حضارتنا، قيمنا". وهم يحاولون فرض هذه الأمور على الناس الذين لا يشاركونهم إياها.

أوبن ديموكراسي: كيف تقول أن نضالكم قد تأثر بفعل أحداث 11/9 أولاً ثم بفعل التفجيرات التي استهدفت المدنيين الأبرياء في مدريد؟

دياب أبو جهجاه: ليست مشاكلنا بردّ فعلٍ على الحادي عشر من أيلول/2001/، ولا الحادي عشر من آذار /2004/ في مدريد. لكنّ هذه الأشياء تزيدُ الأمور سوءاً بطبيعة الحال. وخاصةً ذلك الهجوم في مدريد، فهو يقدم حججاً إضافيّة لمن ينحو تفكيرهم ناحية القمع والاستبعاد.

في الواقع، بدأنا نسمع تلك النغمة الجديدة في بلجيكا وفرنسا، وهذا أمرُ معتاد بعد أحداثٍ من هذا النوع. إنَّ ما كان خاصاً بالخطاب اليميني المتطرف قد صار الآن تياراً عاماً ومادة يومية؛ وصار الناس يقولون: "حسنٌ، ربما نحن بحاجةٍ لنوعٍ من الدولة البوليسية".

مع أنه كان من الصعب دائماً أن نحاججَ كما نفعل (وهو أمرٌ لا يغدو أكثر سهولةً بالتأكيد)؛ إن ما ندافع عنه أساساً هو حق الإنسان بأن يكون ما هو عليه وأن يعامل على قدمِ المساواة من حيثُ هو إنسان. لا نستطيع التخلي عن هذا؛ إن نحن فعلنا، فسنكون قد فرّطنا بكل شيء.

أوبن ديموكراسي: هل تفهم موقف الناس الذين فجروا ذلك القطار في مدريد؟

دياب أبو جهجاه: هل أفهمُ دوافع العرب والمسلمين الذين يرغبون بتوجيه الضربات لإسبانيا؟ أفهمُ ذلك تماماً. لو كانت إيتا هي من فعلها لكان الأمرُ مختلفاً. ذلك ما كنتُ لأعتبره سخفاً لأن نضال إيتا نضالُ خيالي. إن لبلاد الباسك حزبٌ قومي في السلطة؛ وأسبانيا تتحرك الآن باتجاه ضمان الحقوق الباسكية دونما قتال.

لكنّ أسبانيا تسببُ المعاناة للعرب وللمسلمين بإرسالها قوة احتلالٍ إلى العراق. ما لستُ أفهمه هو ترجمةُ ذلك إلى هجومٍ على فقراء الأسبان، أي على الناس الذين تظاهروا ضد الحرب في العراق. هذا ما لا أقبله.

كما ترين، ثمة خطٌّ دقيق لكنّه ضروري، لابدَّ من رسمه هنا. من واجبنا تجنُّب أن تفرضَ علينا عباراتٌ شعبويةٌ هستيريةٌ مفادها أننا "ندين دوافعَ من ارتكبوا هذه الفظائع جملةً" أو أننا "لا نفهم هذا العنف اللاعقلاني ضد حضارتنا وديمقراطيتنا"؛ إنها من المصطلحات التي يثابر بوش على استخدامها بما يخصّ 11/9. علينا أن ندين ذلك الفعل؛ لكن علينا أيضاً أن نقول، كما يقول معظم الأسبان الذين ردوا على هذه الأحداث بالقول: "إنها خطيئةُ أزنار".

لقد كانت مفاجأةً جميلةً بالنسبة لي أن أرى على التلفزيون إلى أية درجة فهم الأسبان منطق الوضع بشكلٍ جيد. إنّ ثمة منطقاً لهذه الهجمات. لقد ذعر الناس طبعاً. وهم يدينونَ الحدثَ. ربما استبدّ الغضبُ بهم، وربما شعروا بالكراهيةِ تجاه مرتكبيها. لكنهم يعرفون لماذا حدثت.

أوبن ديموكراسي: لم يكن القمع والاستبعاد النتيجة الوحيدة لهذه الأحداث. وكما تقول، فإن الناس الفقراء العاديين قد أصيبوا بالرعب من جرائها. وعندما يقال لهم أن جوامع بلجيكا هي مراكزُ تجنيد للحركات الإسلامية المقاتلة فهم يحسون بالخوف منها. هل بإمكانكم القيام بأي شيء، من خلال نشاطكم، لتحسين الوضع؟

دياب أبو جهجاه: إنه السياق الدولي. لا يمكنك فصله عن المحلي؛ ولا يمكنكِ توقعُ حلّه على المستوى المحلي أيضاً. إننا في حربٍ عالميةٍ، ونحنُ أهدافٌ لاضطهادٍ عالميّ. إن من يتولون المسؤولية يشنّون الحرب على العالم الثالث، كما على العالم العربي والإسلامي؛ وهذا مستمرٌ منذ خمسين عاماً.

لا نستطيع إلا القول: "اسمعوا، ثمةَ متطرفون، لكنهم هامشيون"، و"كل من يخرق القانون يجب أن يعامل وفق القانون؛ أن يعتقل، وأن يعاقب قانونياً".

نحن ملتزمون بالقانون من جانبنا. إننا نخوض نضالنا ضمن الديمقراطية، طالما هي موجودة. سيكون الأمر مختلفاً منذ اللحظة التي تكف فيها عن الوجود. لكن، وطالما لدينا مجالٌ للتحرك ضمن النظام الديمقراطي المدني فإننا راضون بإطاعة القانون. وفي اللحظة التي يبدؤون عندها بإطلاق النار علينا في الشوارع، أو بوضعنا في مسكرات الاعتقال (آملُ أن لا يأتي يومٌ كهذا)، لن يستطيع أحداً أن يلومنا إذا ما عمدنا للدفاع عن أنفسنا، أو إذا قررنا أن نحزم حقائبنا ونرحل. لا يمكنكِ التنبؤ بشيء.

الناس خائفون طبعاً. إنهم خائفون حقيقةً من الإرهاب الذي يتصاعدُ كردّ فعلٍ على ما تقومُ به الإمبريالية. لكن، ومن ناحيةٍ أخرى، فنحن خائفون أيضاً. إننا خائفون من القمع الذي سيثيره ذلك الإرهاب، وهو ليس إلا تصعيداً للاضطهاد الموجود فعلاً في هذا المجتمع.

ونحن خائفون من العنصرية التي تستخدمُ هذه المخاوف استخداماً ذرائعياً بهدف كسب مزيدٍ من الشرعية في المجتمع. إذن، فالجميع خائفون كما تَرين.
آنتويرب، مسقط رأس الرابطة العربية الأوروبية

أوبن ديموكراسي: تبدو الكتلة اليمينية المتطرفة فلامز بلوك مصممة على كسب الانتخابات عام 2006 في آنتويرب. لقد جعلتك غالبية سكانها اليهودية الأرثوذوكسية تلقبها "عاصمة الصهيونية في أوروبا". لقد جاهرت أيضاً بحديث عن "الإرهاب الثقافي" الذي يميز الفلاندر على نحوٍ خاص، كما تقول. ألم يكن بمقدور حركتكم أن تبدأ في مكانٍ آخر؟

دياب أبو جهجاه: إن حركةً من أجل التغيير مثل حركتنا ستولدُ حيث يوجد أعلى مستوى من الاضطهاد. آنتويرب هي ذلك المكان في أوروبا: أكثر حالات الاضطهاد ضد الأقليات دراميةً؛ وأقوى حركة يمينٍ متطرف؛ وأعلى مستوى من رُهاب الأجانب في أوساط عموم السكان.

تسجل بلجيكا أعلى مستوى من العنصرية ورُهاب الأجانب على "البارومتر الأوروبي" إلى جانب اليونان، تفوقها أحياناً وتأتي بعدها في أحيان أخرى. إذا وزعنا النتائج حسب المناطق البلجيكية فإن النسبة الخاصة بالفلاندر ستصعدُ حتى السماء. يمتلكُ الوالون النسبة الأوروبية العادية من رُهاب الأجانب، وهي ليست أعلى من فرنسا. إذا ما أُخِذَ الفلاندر لوحدهم فسيكونون خارج المقياس تماماً.

لسنا بحاجةٍ لأن يخبرنا "البارومتر الأوروبي" بهذا. لقد زرنا أسراً في بلدان أخرى، ورأينا كيف هي حياةُ مجتمعاتهم بالمقارنة معاً. حلّلي أرقام التسرب من النظام المدرسي، أو نسبة البطالة. قارني ظروف معشية مجتمع المهاجرين الذي أتى إلى الفلاندر مع أولئك الذين ذهبوا إلى هولندا في نفس السنوات تقريباً؛ ستكون النتائج مذهلةً.

لم يعد من يحمل شهادةً جامعية يُفْرَدُ بوصفه شخصاً مميزاً على نحوٍ خاص في مجتمع المهاجرين في هولندا، أما هنا فإن من يصل لنيل الشهادة الجامعية، عداكِ عن الوظيفة الجيدة، فهو شبه أعجوبة. إن 60% من الشباب المغاربة هنا في هذا الحي في بورغرهاوت هم عاطلون عن العمل، بالمقارنة مع 10% في هولندا.

إذن، فإن ما يدعم هذا الشعور بالاضطهاد الفريد يتجاوز السلوك الانتخابي أو مصطلحات النقاش السياسي. من الممكن دائماً حدوث فورة عندما تكون الضغوط الاجتماعية عاليةً جداً. لكنَّ الناس أكثر ميلاً لتنظيم أنفسهم قائلين:"علينا إيجاد طريق للنضال ضد ذلك...".

أوبن ديموكراسي: إن لدى كتلة فلامز بلوك شعاراً يقول: "شعبنا أولاً". هل انطلقت الرابطة العربية الأوروبية كردٍّ محلي على هذا النوع من الرسائل؟

دياب أبو جهجاه: في البداية، فكرنا نحن الخمسة المؤسسين للرابطة العربية الأوربية بإقامة مركز أبحاث، وليس بحركةً سياسيةً على الإطلاق. كان بمقدورنا رؤية التمييز البنيوي العميق الجاري ضد مجتمعنا المحلي. ما الذي كان بوسعنا فعله إزاء ذلك؟ لقد كنا مدفوعين بنوعٍ من المنطق المؤسساتي.

كان عددٌ منا منضمين إلى أحزابٍ سياسية كالحزب الاشتراكي أو الحركة النقابية التي تحظى بمكانةٍ عالية في بلجيكا. الفلاندر بلدٌ صغير لا يقطنُه إلا خمسة ملايين شخص. إن بإمكان الاتحادات النقابية، مثل اتحاد الذي يضم مليون عضو في قسمه الفلامنكي (أي قرابة نصف السكان العاملين)، أن تفعل الكثير. لقد كنت، أنا نفسي، عضوٌ في أحد أكبر إتحادين نقابيين في بلجيكا؛ وقد وصلتُ إلى موقعٍ قياديّ في مجال المسؤولية عن السياسة المتعلقة بالعمال المهاجرين. لكن، سرعان ما اتّضح أن وظيفتي لم تكن إلا دوراً شكلياً.

لم تكن لدي فكرة عن سياسات الهوية والثقافة المطروحة. ولم أكن الوحيد الذي أتلقى راتباً لمحاربة التمييز في سوق العمل. كان معي خمسةَ عشرَ زميلاًَ. لكنهم لم يتركونا نقوم بعملنا.

كانوا يشجعوننا على تنظيم مناسبات من شأنها تعزيز مظهر النقابة ومظهر الحزب الاشتراكي الذي كانت مرتبطةً به. ولم تكن النيّةُ متجهةً لأن يصيرَ لنا أيّ أثرٍ بنيوي على المشكلة. لقد نظرت الدراسات التي قامت بها هيئاتٌ مختصة، من داخل الاتحاد ومن خارجه، في الأسباب الكامنة وراء التمييز. كان كلُّ شيءٍ يشيرُ إلى العنصرية. لكنَّ العنصرية داخل الاتحاد كانت مسألةً إشكالية بقدرِ ما كانت كذلك في بقية المجتمع, كما اكتشفت. لقد صدمني هذا.

لقد كتبنا بيانات بقصد مناقشتها في المكتب السياسي للاتحاد؛ وقد كان بوسعي أن أحضرَ هذه الاجتماعات، مع أنه لم يكن لي حق بالتصويت فيها. سرعان ما اتضح لي أن هناك جواباً واحداً فقط: "هذه مسألةٌ حساسةٌ جداً بالنسبة لعضويتنا"، كان معنى "عضويتنا" الأعضاء الأوروبيين البيض. أما الأعضاء الآخرون فما كانوا إلا أقليةً قليلة الأهمية، فلماذا نهز القاربَ إذاً؟

لم تكن القضية هنا قضيةَ وظائف، لقد كانت: هل تجب على الاتحاد محاربة العنصرية أم لا. كانت لدينا اقتراحات ملموسة، بعضها تقني من قبيل فعلٍ إيجابيٍّ أو تحديد حصص، أما البعض الآخر فكان أقل تقنيةً مثل حملات هادفة لرفع الوعي تجاه العنصرية داخل الاتحادات. حُكِمَ على اقتراحاتنا بالرفض. لقد أقرَّ مسؤولو الاتحاد بأن لدى ربع الأعضاء مواقفَ عنصرية، وهم مُقِرّون بذلك اليوم أيضاً، لكنهم لم يكونوا مستعدين لمعالجة المشكلة إن كانوا سيخسرون عدداً كبيراً منهم.

ببساطة، لا يمكنك القتال ضد هذه العنصرية دون قتال. وهكذا فقد أطلقنا مركز أبحاثنا "الرابطة" عام /1999/. قررنا الآن أن نعتمد منهج العلاقات العامة بأنفسنا. قلنا:"حسنٌ، فلنذهب ونقنعهم بأن العنصرية موجودة وبأنها أمرٌ سيئ وبأن عليهم أن يفعلوا شيئاً إزاءها...". في النهاية، رأينا الخلل في هذا المنطق أيضاً. لم يكن من داعٍ لإخبارهم عن العنصرية فقد كانوا يعرفون كل شيء، لكنهم ما كانوا مبالين. كان يجب أن تقتضي مصالحهم فعل شيءٍ تجاه العنصرية. وهذا بدوره كان معتمداً على قيامنا بحشد قدرٍ مهم من الدعم خلفنا.

عندما سألنا أنفسنا عن نوع الضبط السياسي الذي يمكن لنا أن نمارسه كان الجواب ساطعاً: لم يكن لدينا أي رأسمال؛ كان مجتمعنا المحلي مفتقراً تماماً للتمثيل عالي المستوى في المجتمع لكل. وبدون قادة متعلمين ما كان شيءٌ لينفعنا إلا احتمال حركة جماهيرية وهي لم تكن موجودةً في ذلك الوقت. قلنا لأنفسنا: فلنذهب ولنبدأ حركةً جماهيرية.

بحثنا عندها عن بنيةٍ موجودةٍ بالفعل نستطيعُ تحويلها إلى حركةٍ جماهيرية. في عام/2000/ انضممتُ إلى منظمة بلجيكية تعتبر مظلّةً لحوالي سبعين جماعة محلية مغربية؛ وقد ظنْنا أن هذه المنظمة يمكن أن تقدم لنا قاعدةً مثالية.

درسٌ قاسٍ آخر! كان الناس الذين يعملون في هذا الاتحاد يتلقون رواتبهم من الدولة. وكانت المنظمات الأعضاء في الاتحاد تتلقى مساعدات مالية من الدولة أيضاً وذلك من أجل القيام بتلك النشاطات الثقافية التي تبقى ضمن الإطار الذي توافق عليه الدولة. لذلك، وعندما جلبنا طرحنا السياسي إلى داخل تلك المنظمة، فقد شكلنا خطراً على تمويلهم. لم تكن تلك البنية بقادرةٍ على تعديل نفسها بما يناسب أهدافنا.

كان بعض القادةِ قد خانوا منذ زمنٍ طويل؛ أما البعض الآخر، ممن بدؤوا بطموحٍ لأن يفعلوا شيئاً من أجل مجتمعاتهم، فسرعان ما تمأسسوا تماماً وصاروا ينظرون إلى نشاطهم كمجرد وظيفة. بعد حينٍ من الزمن طالبنا، مع أعضاء آخرين من الاتحاد، بوجوب أن يصير الاتحاد مفتوحاً أمام الأعضاء الأفراد بهدف تمهيد الطريق لحركةٍ سياسية. لكننا ووجهنا بمقاومةٍ شديدة لفكرة أن التعبئة السياسية كانت ممكنةً ضمن صفوف أقليةٍ إثنية. قالوا أن الأمر سيكون مضيعةً للوقت.

كان هذا شيئاً لا طائل تحته. والأسوأ من ذلك هو أنه لم تكن ثمةَ منظمات بديلة. كانت المنظمات الموجودة معتمدةً على المؤسسة. وكانت المؤسسةُ تأملُ بأن تحدث عملية ذوبان تدريجي غير محسوس، خلال فترةٍ من الزمن، إلى أن نضيع في كتلة الناس الرمادية. كان آخرُ ما يريدونه هو أن تشكل الأقلية حركةً تهدف للانعتاق.

في آخر المطاف، استنتجنا أنه لا يمكن أن تقوم بهذه الوظيفة إلا حركةٌ مستقلةٌ؛ حركةٌ لا تعتمد على المعونات أبداً (وهي لم تعتمد عليها حتى هذا اليوم). أكان ثمةَ أساسُ لهذا؟ لم نكن نعرف. لكننا فكرنا: يجب أن تكون التعبئة السياسية من أجل قضيةٍ عادلة أمراً ممكناً. لقد قام الناس الراغبون بتغيير ظروفهم بدفع تاريخ البشرية كلّه.

أوبن ديموكراسي: هل كانت في ذهنكم سوابق تاريخية مثل حركة "بدون أوراق" في فرنسا؛ أو الصراع في الشرق الأوسط؟ لقد وصفتَ بأنك "مالكوم إكس بلجيكا"، أليس كذلك؟

دياب أبو جهجاه: لم أكتشف مالكوم إكس إلا عندما بدأ الناس مقارنتي به. لا، لقد كانت تجربتنا الشخصية هي التي شكلت مجرى تطور الأمر. لقد كنت ناشطاً سياسياً في لبنان قبل أن أغادره في سن التاسعة عشر؛ لقد درست العلوم السياسية. يصحّ نفس الكلام على بقية مؤسسي المجموعة. لقد كنا قادرين على تحليل آليات الوضع.

لم تكن لدينا ضمانات بأن هذه المبادرة سوف تنجح. لكنها نجحت؛ وقد نجحت بطريقةٍ قدمت إثباتاً كافياً لأطروحتنا الأصلية. في الاتحاد القديم كان علينا، إن نحن رغبنا "بجذب" خمسين أو ستين شاباً من بورغرهاوت، أن نقدم لهم حفلةً موسيقية أو طعاماً مجانياً قبل أن نحاولَ إلقاء الرسالة التي نريد إيصالها لهم.

الآن، نجعلهم يدفعون من أجل القدوم للاستماع إلى الأحاديث السياسية التي تقدمها الرابطة. وهم يفعلون ذلك.

أوبن ديموكراسي: لماذا؟

دياب أبو جهجاه: لأننا نعاملهم كمخلوقاتٍ بشرية طبيعية, وكراشدين. عندما ينظر إليكِ بوصفك مشكلةً من جانب من يقولون: "أنت لن تأتي وتستمعي إن لم تستفيدي من الأمر شيئاً"، فإنك ستتصرفين بتلك الطريقة. وسرعان ما تدركين أن لدى هؤلاء الناس توقعات منخفضة جداً بشأنك، فتقولين في نفسك: "حسنٌ، سوف آتي، وسوف آكل، ثم أذهبُ دون أن أصغي إليكم".

مهما يكن المجال المتاح لنا فإننا نملأه بالناس: مائتين إذاً أو ثلاث مائة شخص على الأقل. إننا صغارُ السن جداً، مع كل الميزات الناجمة عن أننا لم نبتعد عن مجتمعنا قط. كنا تلعب في فرق كرة القدم، وكنا نعرف أشخاصاً لم يكن يمكن الوصول إليهم من قبل قادة أكبر سناً وأكثر تقليديةً.

في الوقت نفسه وصلنا إلى التحليل الصحيح. كنا نذهب إلى المقاهي التي لم يكن أحد يذهب إليها، والتي كانت تعتبر "مقاهي مخدرات حيث يتسكع المجرمون". كنا نجلس هناك؛ ولم تكن تلك بمقاهي مخدرات ولا مجرمين. لقد كانت الأمكنة التي تذهب إليها جماعات الشباب الأكثرُ إقصاءً لأنهم كانوا مرفوضين في كل المرافق الأخرى.

إن لدى الناس ذعراً حقيقياً تجاه هؤلاء الشباب. إنهم يعقدون الاجتماعات خارجين بمختلف أنواع النظريات عن كيفية التعامل "معهم". لكنهم لا يتحدثون إليهم أبداً.

بوصفنا متعلمين، وخريجين جامعيين يقومون بنشاط سياسي، فإن مظهرنا لم يكن مطابقاً للمظهر الجماهيري؛ هذا صحيح. لكننا ذهبنا إليهم بدلاً من محاولة جعلهم يأتون إلينا. لم يكن تعاملنا تعاملاً تبشيرياً، ولم نكن نخبرهم بما نريد فعله من أجلهم. كنا نذهب ونقول: "أنظروا، هل تريدون البقاء فاشلين، أم أنكم تريدون أن تفعلوا شيئاً من أجل أنفسكم ومن أجل مجتمعكم؟".

بدأنا بما دعوناه "لحظات وعظيّة". كان عشرةٌ أو خمسة عشر من الشباب يأتون قائلين: "ما الذي ستفعلونه من أجلنا؟"؛ لأن تلك هي العقلية التي كانت مزروعةً فيهم من قِبَلْ المنظمات السابقة. لكنَّ تلك المجموعات استمرت بالنمو لأننا كنا نجيبهم: "لا، لن نفعل شيئاً من أجلكم. إذا كنتم راغبين بفعل شيء من أجل مجتمعكم فانضموا إلينا. وإن لم تكونا راغبين فبوسعكم الانصراف". هكذا كان تعاملنا، وقد كنا نعني ذلك حقاً. إنه أسلوبٌ جيد بالفعل، وقد كنا مؤمنين بذلك حقاً.

لقد جئنا بما هو مرغوب في مجتمعنا. لقد بدأنا بالنمو واكتسبنا مصداقيةً في الشارع....

أوبن ديموكراسي: أذلك لأنكم قمتم بأشياء من أجلهم؟

دياب أبو جهجاه: بل لأننا قمنا بأشياء على قدمِ المساواة معهم. إن كانت لديهم معركةٌ مع حليقي الرؤوس، فقد كنا نذهب ونقاتل معهم. لم نكن ممن يقولون: "هذا لا يجوز". نحن لا نذهب للاعتداء على أحد. لكن إن جاء أحد حليقي الرؤوس ليضربك بمضرب البيسبول فإنك ستَرُدّينَ الجميل له. هكذا كان موقفنا: كان موقفاً مختلفاً عن الموقف التقليدي.

في نهاية الأمر جلب لنا ذلك كل الاحترام الذي كنا نحتاجه من الناس الذين هم ناقدون لاذعون جداً. إنهم على جانبٍ كبير من الذكاء السياسي. ليست لديهم لغة المثقفين ليفكروا بها؛ لكنهم ذوو بصيرةٍ ثاقبة. لقد أولونا ثقتهم، وقد كنا جديرين بها.

لقد صرنا وإياهم شيئاً واحداً: لقد صاروا الرابطة العربية الأوروبية. ما فعلناه عندها هو أننا رفضنا السلوك التقليدي الذي يعطي المناصب "لكوادر" مختارة. بدلاً من ذلك قلنا: "نحن مؤمنون بأن شخصاً غير متعلم، ولم يكن ناشطاً سياسياً من قبل، قادرٌ تماماً على تولي منصبٍ قيادي في هذه الحركة، إذا ما أعطيت له فرصة تولي المسؤولية, وإذا ما شُرِحَت له بنية المنظمة بوضوح". في البداية، لم تكن منافع هذا الأسلوب بيّنةً على الدوام؛ لكنها بدأت تنجح في النهاية.
رؤيةٌ ذاتُ شقّين

أوبن ديموكراسي: لم تكن هذه مجرد حركتُك المحلية المعتادة منذ البداية، أليس كذلك؟ صار لهذه الجماعة التي تمثلها برنامجُ عملٍ دولي خاص بها. وقد كنت، شخصياً، منشغلاً كثيراً من خلال كونك رئيساً للجنة حملة صبرا وشاتيلا التي سعت لإدانة شارون على جرائم الحرب التي يُزعَمُ أنه ارتكبها عام /1993/. أين موقع ذلك من هذه الحركة؟

دياب أبو جهجاه: منذ بداية الرابطة، كما تقولين ـ وتلك حقيقةٌ يمكنكِ التأكد منها ـ كانت المهمة التي حددنها، "رؤيةٌ وفلسفة"، تتركزُ على المجتمع المحلي في أوروبا من ناحية، وعلى العالمي العربي ومن ناحيةٍ أخرى.

لقد تضخمَ الإطار الإيديولوجي لما يسمى، حتى الآن، "رؤيةٌ وفلسفة" بفعل شروحٍ لاحقة. تبقى المبادئ كما هي اليوم. بما يتعلق بالمجتمع المحلي في أوروبا، فنحنُ نعمل من أجل التقوّي والمسؤولية والكبرياء والهوية. أمّا إذا ذهبنا إلى العالم العربي فإن لدينا منظومةً أخرى من الأهداف هناك: الوحدة والديمقراطية والكبرياء والهوية.

لم تتغير هذه الأشياء أبداً. والآن، وعندما يتهمنا الناس بامتلاك جدول أعمال مزدوج نقول: "بالتأكيد، وإن كنتم لم تلاحظوا ذلك فقد كان لدينا جدول أعمال مزدوج علني منذ البداية. لم يكن ذلك خفياً على الإطلاق". هل نحن مهتمون بالقضية الفلسطينية، وهل نعبئ أنفسنا لصالح القضايا العربية؟ نحن نفعل ذلك طبعاً.

أوبن ديموكراسي: أنت من دعاة القومية العربية....

دياب أبو جهجاه: إنني من دعاتها، وأنا فخورٌ بذلك. "العرب" قومية أو أمة تشكلت بعد زمن انتشار الإسلام؛ وبهذا المعنى، فإن "القومي العربي" لا يستبعدُ التنوع.

في الرابطة العربية الأوروبية، نحن نحددُ هويتنا على مستوياتٍ ثلاثة: الجماعةُ الإثنيةُ الأوّلية (فلنقل "لبناني جنوبي")؛ ثانياً، القومية؛ وأخيراً، المجتمع الإسلامي الدولي ـ وهو تصنيفٌ إيديولوجي. نحن مقتنعون بأن هويتنا لا تتحددُ إلا بهذه المستويات الثلاثة، وهي لا تلغي واحدتها الأخرى. إذن، فالأمرُ معقد؛ لكنّ الهوية شيء معقد أيضاً.

أوبن ديموكراسي: لمن الأولوية: لحركةٌ المهاجرين المسلمين أم للنزعة القومية العربية؟

دياب أبو جهجاه: العروبة والإسلام متكاملان. كثيراً ما ووجه العرب بخيارٍ غير ضروري: إما أن تكون قومياً عربياً صالحاً وتحلمُ ببناء دولة عربية حديثة أو أن تكون مسلماً صالحاً وأن تسعى، في هذه الحالة، لتوحيد جميع المسلمين معاً وتنسى ما يتعلق بأممهم. كانت تلك طريقةً ذكية لتبديد طاقات الناس باستخدام مُثُلٍ لم يكن تحقيقها ممكناً قط. وفي الحقيقة، فإن هذا "ليس بفريضةٍ" وفق المصطلح الإسلامي.

لا يفرض الإسلام ضرورة الوحدة السياسية. إنه جماعةُ للمؤمنين؛ وهي أمميةٌ بطبيعتها دون أي أساس إقليمي، ومؤسسةٌ على إطارٍ من الفكر.

أما العروبة (أن تكون عربياً) فهي حركةٌ قوميةٌ وحضارية في الواقع. إنها تَزْعُمُ أن العرب ليسوا مغاربةً أو لبنانيين أو جزائريين، بل هم شعبٌ واحدٌ وأمةٌ واحدةٌ فيها تنوع ويمكنها أن تترجمَ بصورة دولةٍ اتحادية.

ترفض العروبة الإرث الاستعماري، وبالأخص معاهدة سايكس بيكو التي قسمت المشرق العربي عام /1916/. وتحاجج النزعة العربية القومية بأن نزع الاستعمار لا يمكن أن يكتمل مادمنا نعيشُ ضمن حدودٍ خلقها المستعمر. إنه من نفس نوع عملية بناء الأمة التي مرت بها ألمانيا مؤخراً. وفوق هذا، فإننا مؤمنون بأن هذه الأمة العربية، بعكس الأمة التركية أو الأمة الإيرانية، قد خُلِقت بواسطة الإسلام.

قبل الإسلام، كانت بضعةُ مجتمعاتٍ قبلية تدعو نفسها "عرباً"؛ وقد وصلت أحياناً حد تشكيل ممالك حول بعض المدن؛ وقد كانت تلك الممالك تمضي الوقت في إزعاج الناس المحيطين بها. لقد جلب الإسلام بعداً جديداً، بما يخصُّ بناءَ الأمة، إلى المنطقة وهو ما جعلَ العرب عرباً. لم يقم الإسلام بأسلمة جميع العرب، فهناك عربٌ مسيحيون؛ لكنه عَرَّبَهم. وهو لم يعرّب الإيرانيين ولا الأتراك.

عليك أن تفهمي أنكِ إن ذهبت وتحدثت إلى العرب فلن تجدي من يعرف "لورانس العرب". لقد شاهد الناس الفيلم السينمائي طبعاً. لكنه كان في نظرهم، بقدر ما يهمهم الأمر، عميلاً للخارجية البريطانية يحاول الدفاع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية، وهو ما نجح به تماماً على حساب الثورة العربية.

عاشت الأمة العربية موحدةً في ظل الإمبراطوريات العربية وقد ظلّت موحدةً في ظل الإمبراطورية العثمانية. كان المناخ مناخ تفاعلٍ متبادل ٍ حر بين الناس والثقافات حتى العشرينات من القرن العشرين. لقد كان هناك نوعٌ من الاستعمار التدريجي لكنه لم يكن احتلالاً تقسيمياً. لقد ظلت الأمة العربية سليمةً. لم تَضِعْ وحدةُ العرب إلا مع الانهيار التدريجي للإمبراطورية العثمانية.

أما ما تلا ذلك فكان شيئاً مختلفاً: الاحتلال الاستعماري والتقسيمي. أنا من جنوب لبنان؛ ولا تبعدُ فلسطين عنا إلا كيلومتراً واحداً: يمكنك رؤيتها من قريتنا بعينك المجردة. واليوم تستطيعين، للأسف، رؤية المستوطنين اليهود هناك. أتذكر دائماً كيف أخبرني جدّي كيف قام والده في الثلاثينات، بعد إعلان قيام الدولة اللبنانية، بأخذ بطاقات الهوية اللبنانية الجديدة التي أعطاهم إياها الفرنسيون، وكيف أحرقوها في ساحة القرية كاحتجاجٍ ضد هذه الهوية الجديدة المزعومة. ما هو لبنان في نهاية الأمر؟ أقول أنني لبناني لأنني أحملُ جواز سفر لبناني؛ إنها حقيقةٌ واقعةُ أيضاً، إلا أنها حقيقةٌ إدارية. لبنان تجميع لثلاث مناطق تنتمي لثلاثةِ أقاليم جغرافية ولها لهجاتٌ مختلفة. إن قصص فرانكشتاين هذه، قطعةٌ من هنا وقطعةٌ من هناك: هذه دولة، موجودةٌ في كلِّ مكان.

وفوق هذا، فقد تميزت فترة ما بعد الاستعمار ببناء الدكتاتوريات. وهذا هو سبب وجوب أن يعمل نضالنا من أجل الوحدة العربية في سبيل الديمقراطية، والعكس بالعكس. إن الدكتاتوريات استبعادية بطبيعتها: إنها تستبعدُ الشعب عداكِ عن عدم اعترافها ببنى السلطة فوق القومية؛ وهي تتغذى على الفرقة. لا يكمن للدكتاتوريات أن تتكامل إقليمياً.

لكن، وما أن تزال الدكتاتورية فسيلي التكامل ذلك بشكل طبيعي لأن لدينا لغةً مشتركة تجمع ما بين /280/ من أصل /300/ مليون عربي في عالم اليوم. يتكون العشرون مليوناً الباقين من أقليات إثنية يجبُ تحريرها وضمان حقوقها وإدارتها الذاتية، لكن ليس استقلالها. نحنُ لم نصل حد المطالبة باستقلالها لأننا نؤمن بأن هؤلاء الناس ينتمون إلى الشعب العربي أيضاً، بوصفهم مواطنين. إن العروبة صيغةٌ للمُواطنَة.

عندما نقول أن العروبة والإسلام غيرُ متناقضين فإن عليكِ أن تفهمي أن هذا القول هو بسبب أنَّ الآخرين (الإسلاميين التقليديين) يقولون بتناقضهما. إذن، عندما نقول هذا فإننا نخاطبهم.

أوبن ديموكراسي: إلى أي مدى يصل برنامجكم الديمقراطي؟ هل تطالبون بأن تتوقف المملكة العربية السعودية عن محاولة استيعاب النساء البيضاوات ضمن نمط الحياة الهيمني فيها؟

دياب أبو جهجاه: إن الرابطة العربية الأوروبية هي، ببساطة، المنظمة الوحيدة في أوروبا التي تظاهرت ضد الأنظمة العربية.في الثالث عشر من كانون الأول قبل عامين، قمنا بمظاهرة كانت تتوقف أمام كل سفارة من السفارات العربية في بروكسيل للاحتجاج على الديكتاتوريات وعلى اضطهاد الشعب العربي وعلى خيانة الشعب لصالح الغرب وأمريكا.

إن هذا لمن الأمور الغريبة المتعلقة بالعالم العربي: إن ديكتاتورياته مرتبطةٌ بالغرب. لقد ذكرت المملكة العربية السعودية، وكان يمكنك أن تذكري مصر حيث يوجد قمعٌ أكبر للآراء السياسية، كما أرى، ويوجد سجلٌ شائن في مجال قمع الحريات، وذلك رغم الواجهة المتمدنة في الظاهر. ينطبق نفس الشيء على المغرب وعلى تونس والكويت.

ثمة حاجةٌ للديمقراطية بشكلٍ عام، وليست تلك الديمقراطية المقتصرة على الانتخابات، بل تقبّل التنوع أيضاً. لقد أفردتِ المملكة العربية السعودية! عظيم. لقد انتقدنا ذلك النظام دائماً ونحن نرغب بتغير النظام. لكننا لا نريدُ تغيراً للنظام مفروضاً علينا عن طريق الاحتلال. نريدُ أن يغيَّره شعبنا. ونحن مستعدون للقتال إلى جانب الديكتاتوريين الذين يقاتلون ضد الاحتلال....

ثمة مبدأٌ على المحك هنا: لا يمكن للمرء أن يُحَرَّر، عليه أن يتحرّر؛ عليكِ أن تُحرِّري نفسكِ. وهذا ما نؤمن به بكل عمق.

لكن، فلنعد إلى السؤال المتعلق بموضوع التنوع مطبقاً على النساء الأوروبيات الغربيات في بلدانٍ كالمغرب أو تونس أو مصر أو لبنان (وربما في 20 من أصل 22 بلد عربي). أعتقد أنهن يحظين بامتيازات، بالمجمل.

هل يواجه البلجيكيون القيمون في المغرب بأيةِ مطالبةٍ للاندماج في المجتمع، فضلاً عن التمثل فيه؟ أعرفُ أشخاصاً يعيشون في لبنان منذ عشرين أو ثلاثين سنة ولا يتكلمون كلمةً عربيةً واحدة. إنهم يتحدون إلينا بالفرنسية، ونحن نتحدث إليهم بالفرنسية أيضاً. أقولها بصدق: نحن لا نمانع في هذا. إن لجماعة المهاجرين الأرمن الضخمة التي تعيش في لبنان حيّها الخاص في بيروت. وتصدرُ سلطات مدينة بيروت بلاغاتها باللغتين العربية والأرمنية. ثمة مدارس أرمنية في بيروت. إننا قابلون للتكيف. لم أكن منتبهاً لأي شيءٍ من هذا القبيل إلى أن عدتُ من هنا إلى لبنان. كنتُ أظنُّ الأمر عادياً وحسبْ.

إن المملكة العربية السعودية نظام قمعي عموماً، في الحقيقةِ؛ وهو مؤسسٌ على تفسيرٍ ضيق الأفق جداً للدين؛ وليس هذا بالنسبة لمن ينتمون لثقافات أخرى فحسب، بل بالنسبة لشعبه أيضاً. إنها لحقيقةٌ واقعية، ونحن ضدها. لكن عندما يصل الأمر إلى التنوع الثقافي، فإن العالم العربي أكثر تحرراً وانطلاقاً من أوروبا؛ لكنه يحمل، إزاء الثقافة الأوروبية، عقدة نقص غير مبرّرة.

كثيراً ما قال لي الأوروبيون: "عندما نذهب إلى أي مكان في العالم فإننا نتكيّف: لماذا لا تتكيفون أنتم أيضاً؟". لا، أنتم لا تتكيفون. أينما تذهبون فإنكم تفرضون ثقافتكم وتحاولون "تنوير" السكان المحليين: جنوب أفريقية، الكونغو... والقائمة طويلةٌ!
الكثير لإعلانه، ولا شيء للإخفاء

أوبن ديموكراسي: فلنعد إلى أوروبا؛ هل كان نهوض اليمين المتطرف في آنتويرب ردَّ فعل على المجتمع المحلي اليهودي أم على موجات الهجرة الأخيرة؟

دياب أبو جهجاه: إن اليمين في آنتويرب ليس من "النازيين الجدد"، ولا يقوده فيليب ديوينتر؛ إنه حركةٌ يمينيةٌ أوروبية شعبوية تغازل المجتمع المحلي اليهودي الذي ترتبط معه بصلاتٍ طيبةٍ جداً. وإن شئنا أن نكون عادلين، فإن 10% من أفراد المجتمع المحلي اليهودي فقط يصوتون للكتلة الفلامنكية؛ لكن، وبقولنا هذا، فإنك تبدئين برؤية ما نتعامل معه.

عندما كانت الكتلة الفلامنكية ما تزال مرتبطةً بالإس ـ إس ، ويعود هذا بتاريخه إلى أيام التعاون الفلامنكي مع الاحتلال الألماني، كانت جماعةً هامشية. لقد حققوا اختراقاً كبيراً عام /1991/ عندما اتخذوا قراراً بإبعاد أنفسهم عن هذا. أما ما إذا كانت لهم عواطف باقية بهذا الاتجاه، فمن يدري؟ ما يمكن قوله هو أنهم لا يظهرونها للعالم أبداً.

أوبن ديموكراسي: هل تشعر الرابطة العربية الأوروبية أنها مسؤولة، بأي شكلٍٍ، عن نسبة العشرة بالمائة من اليهود الذين يصوتون للكتلة الفلامنكية؟ أنتم تؤكدون على حقيقة أن نقدكم متركزٌ على الصهيونية، والتي هي مجرد إيديولوجية سياسية أخرى، وعلى دولة إسرائيل التي وصفتها بأنها محكومة من قبل "الصهاينة النازيين الجدد". مهما يكن الفرق بين هذا الموقف وبين معاداة السامية، ألن ينعكس هذا الموقف موقفاً تحريضياً في صفوف جمهوركم ومؤيديكم؟

دياب أبو جهجاه: لماذا؟ إذا كنتِ تصدقين ما تقوله الكتلة الفلامنكية أو المنظمات الصهيونية الكثيرة للناس من أننا نقوم بإرهاب المجتمع المحلي اليهودي هنا فسيكون هذا شيئاً طبيعياً. من المؤكد أنهم راغبون بتحميلنا المسؤولية. لكن هذا غير مثبتٍ إطلاقاً.

فلنحلل الحوادث التي يستشهد بها الناس عندما يتهموننا بمعاداة السامية. إنها مشاجرات بين الأطفال؛ عندما يدعو أحد الأطفال طفلاً آخر "باليهودي القذر"، فيجيبه "بالمغربي القذر".

انظري إلى العدد الأكبر كثيراً من المسلمين الذين هوجموا من قبل حليقي الرؤوس في بلجيكا وستكتشفين دليلاً ملموساً مباشراً على وجود العنصرية (إن هجوم حليقي الرؤوس ليس كمثل شجارٍ بين الأطفال). لماذا لا ننظر إلى المشاعر المعادية للعرب أو المعادية للمسلمين التي، وعلى مقياسٍ أكبر اتساعاً بكثير، تمارس أثراً أشد على الخطاب السائد, وقد حدثت حقيقةً وبشكلٍ لا جدال فيه.

أوبن ديموكراسي: ما الإجراءات التي تتخذونها داخل حركتكم لمنع الكراهية الموجهة ضد المجتمع المحلي اليهودي هنا، ولضمان أن يأخذ مناصروكم التمييز الذي تقيمونه بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية على محمل الجد؟

دياب أبو جهجاه: إنهم يميزون بينهما على المستوى الإيديولوجي بطبيعة الحال. لكن، ليس على المستوى العاطفي دائماً. إنها لحقيقة. لكن لا يمكننا مواجهة ذلك بأن ندافع عن الصهيونية.

تتحمل كل حركةٍ مخاطرةَ وجود شيء من ردّ الفعل العاطفي الذي لا يقصده القادة. لكن، علينا التحدث أكثر عن الصهيونية ومعاداة الصهيونية، وذلك تحديداً لأنه يوجد مفهوم قوي في مجتمعنا مفاده أن "اليهود صهاينة". إن لم نتحدث عن ذلك فسنكون كمن يقوي فكرة أن هؤلاء اليهود مطابقون لليهود الذين يقتلون الفلسطينيين.

لقد نأى كثيرٌ من المثقفين اليهود بأنفسهم عن هذه الإيديولوجية طبعاً؛ وصار يشار إليهم بتعبير "اليهود الكارهون أنفسهم". إنها خدعٌ قديمة نعرفها جميعاً.

أما الكراهية النابعة من داخل حركتنا فهي ليست بشيء لأن هذا الأمر لا يحدث. يسكن اليهود والعرب هذا الشارع مناصفةً. ويوجد قبالة مكاتبنا الجديدة محلين لبيع الكوشير اليهودي يحملان كتابةً عبرية على بابيهما. يصور الناس هذا الوضع وكأننا واقفون خلف متاريسنا بينما يتجمعون خلف متاريسهم هم أيضاً. ليس هذا صحيحاً على الإطلاق. اذهبي وانظري إلى الناس الذين يتجولون حول هذه المتاجر والمكاتب.

تم الإبلاغ عن 23 حادثة, خلال عام واحد وعلى امتداد البلاد, بوصفها حوادث متصلةً بمعاداة السامية. ولم تتضمن كل هذه الحوادث شباباً عربا أو مسلمين. وأي نوع من الحوادث كانت هذه؟ لم تشهد أي منها حالة قتلٍ ولم يتعرض أحد لضرب شديد يدخله المستشفى. لم تكن الحوادث التي سمعنا بها, هنا في آنتويرب, إلا حالات من شجار الأطفال. الآن, اذهبي واسألي عن عدد المسلمين الذين أطلقت النار عليهم من قبل العنصريين في بروكسل وفي آنتويرب وتشارليروي. إذا سألت فستحصلين على قائمة من حالات القتل.

نصاب بشيء من الغضب عندما يأخذ الجميع بالتركيز على معاداة السامية. نحن نفهم جروح التاريخ الأوروبي ومخازيه طبعاً؛ يمكنك النظر بلاعقلانية إلى أي شيء تريدين ولكن لا تهملي النظر إلى مقتل أسرة مسلمة كاملة, على سبيل المثال, في أيار 2003 بعد الانتخابات الفرنسية. لقد اعترفوا, في تلك المناسبة على الأقل, أن تلك الحادثة كانت عملاً عنصرياً. هنا في آنتويرب, أطلق أحدهم النار على معلم مغربي فأرداه قتيلاً مسمياً إياه "طالبان" أثناء ذلك؛ لكنهم قالوا أن القاتل كان شخصاً مجنوناً وأن العنصرية لا دور لها في الأمر.

لسنا نحمل, نحن العرب, عقدة نقص تجاه الهولوكوست مثلكم, ذلك الجرح في التاريخ الأوروبي. لم نكن مسؤولين عن ذلك. إننا ندينه طبعاً, لكن, إلى أين يقودنا هذا؟ أهو يعني أن لا نستطيع انتقاد حركة سياسية, أو دولة عنصرية استعمارية؟

أوبن ديموكراسي: ما الذي حلّ بلجنة صبرا وشاتيلا التي كنت رئيساً لها؟

دياب أبو جهجاه: لقد فشلت. قام القسم الممثل للرابطة العربية الأوروبية في قيادة اللجنة بتغيير استراتيجيته في وقت مبكّر مدركاً أن المقاربة القضائية لن تجدي نفعاً. وقد وضعنا هذا في خلاف مع عدد من المحامين والأعضاء الآخرين في اللجنة. كان تحليلنا كالتالي: "اسمعوا, إنها حالة تمكننا من كشف العنصرية والطبيعة الاستعمارية لدولة إسرائيل". لكنهم قالوا: "لا. هذه حالة متعلقة بفرد واحد: آرييل شارون".

لم ننظر إلى آرييل شارون بوصفه فرداً, بل كشخص يمثل بنية وطريقة فهم محددين. أردنا أن تتألف هذه الحركة من العرب وغير العرب, لكن هذا صار أحد مظاهر الانقسام: لقد رأى الأعضاء العرب في هذه الحملة حملة سياسية؛ أما غير العرب فقد اعتبروها عملية قضائية محض. لقد عارضوا مهاجمة دولة إسرائيل.

وفي الواقع, فقد خلّف لنا هذا الموضوع أعداء في الحركة المؤيدة للفلسطينيين ممن صاروا يعتبروننا متطرفين الآن, وهي نتيجة غير بنّاءة بالنسبة لعمل حركة التضامن مع الفلسطينيين. إن الحركة المؤيدة للفلسطينيين, في بلجيكا, مؤيدة لحلّ يقوم على دولتين منفصلتين, وهي ماضية في استخدام تعابير تدين العنف من الجانبين مساوية بين الجيش الإسرائيلي بالجماعات الفلسطينية المناضلة, في الوقت الذي يمثل فيه أحد الجانبين دولة بينما لا يعدو الطرف الآخر أن يكون حركة تحتيةً غير متحكّم بها. نحن نؤيد, بعكسهم, حلاً يقوم على دولة واحدة؛ ونحن ندين إسرائيل بوصفها دولة عنصرية استعمارية, وليس كدولة محتلة فقط.

أوبن ديموكراسي: ماذا عن الحملة الأخرى, التي تحظى بدعاية جيدة, والتي تقوم بها الرابطة العربية الأوروبية لتسيير دوريات تراقب الشرطة في آنتويرب؟ هل ما زال هذا مستمراً؟

دياب أبو جهجاه: ما زلنا نفعل ذلك في ميشيلين, لكن ليس في آنتويرب. لا يدرك معظم الناس أن هذه الدوريات قد شكّلت ضمن وضع محدد مرتبط بعملية قامت بها الشرطة في تشرين الثاني من العام الماضي, وذلك عندما أعلنت الشرطة البلجيكية عن سياسة "عدم تساهل" جديدة في مدينة آنتويرب.

ما كان جديداً هو أن الأمر كان موجهاً على أساس إثنيّ. لقد دعوا العملية: "الخطة التكاملية: المغاربة". إن "عدم التساهل" توجه خاطئ في كل الأحوال فهو يؤدي إلى وحشية الشرطة وإساءتها. لكن, إن كان لديك سياسة عدم تساهل تستهدف جماعة بعينها دون الآخرين فهذه عنصرية صريحة, وهي غير مقبولة إطلاقاً.

فهمنا أنه لا بد لنا من الرد. وعندما أعلنوا أن تلك العملية ستبدأ في الحادي عشر من تشرين الثاني قلنا: "حسنٌ , سنطلق دورية مدنيّة لمراقبة الشرطة ابتداءً من الحادي عشر من تشرين الثاني". وهذا ما فعلناه. كان شعارنا: "يا رجال الشرطة الأشرار, نحن نراقبكم". كادت بلجيكا تنفجر! لقد دعونا بمجموعة المراقبة التهييجية التي تنشر الرعب في الشوارع. لكن, أليست "الخطة التكاملية: المغاربة" تهييجاً؟

كان كل ما قلناه هو: "نحن مواطنون ومن حقنا أن نراقب الشرطة التي ندفع رواتبها". فكان ردّهم: "ومن أنتم حتى تراقبون شرطتنا في بلادنا؟ إن كان الأمر لا يعجبكم فعودوا من حيث أتيتم". هذا هو, بالضبط, سبب إصابة الجميع بالهستيريا إلى هذه الدرجة. لم يسبق لأحد أن واجههم بالحقيقة الكريهة, وهي أننا مواطنون. كانت دورياتنا المدنية من أكثر الأعمال تعبيراً عن المواطنة والتي قامت بها أية أقلية في بلجيكا حتى الآن.

أوبن ديموكراسي: كان ثمة ادعاءات بأن دورياتكم المدنية كانت ترتدي ملابس سوداء بطريقةٍ أشاعت الذعر في كبار السن من السكان, فقد ذكّرتهم بالاحتلال النازي.

دياب أبو جهجاه: إنها أسطورة. قرأتُ البارحة، صدفةً، مخطوط كتاب سينشر قريباً وقد كتبه شخصٌ قام بدراسة تلك المسألة بالتفاصيل. إنه صحافيُّ محترم، وربما سيجعلُ ذلك الناس يصغون إليه؛ فلا أحد يصدقنا.

إنه يبين كيف تلاعبت وسائل الإعلام بالحقائق. ما حدث هو أننا قلنا لجماعتنا الذاهبين للاشتراك بالدوريات المدنية: "البسوا جيداً وكونوا ذوي مظهرٍ حسن"، إنه أمرٌ متعلقٌ بالثقافة. اذهبي وانظري إلى بعض العرب. إن معظم الملابس التي نرتديها سوداء اللون. ولدينا جميعنا ستراتُ سود. هذا كل ما في الأمر! وهكذا، فقد ارتدى الناس ملابس تليق بدعوة إلى العشاء لأنهم أرادوا إعطاء انطباعٍ حسن.

كان أحد الشباب يرتدي قميصاً أبيض. وعندما طُبِعت الصور في الجرائد فقد حذفوه من الصورة. الدليل موجود لدى الصحافي الذي ذكرته.

بعد تلك الدورية الأولى، والتي كنا نعرف أنها ستلفت انتباه الصحافة كثيراً، قلنا لشبابنا: "لا ترتدوا الأسود، ارتدوا ملابس ملونة"؛ لم يعودوا للبس الأسود ثانيةً. كان هذا هو الأمر كلّه.

أوبن ديموكراسي: فلنلتفت الآن لالتماس: حرية ـ مساواة ـ إخاء الموجهة ضد المنع الفرنسي للحجاب في المدارس الحكومية؛ إنه الميدان العام.

لقد حاججَ طارق مودود في "أوبن ديموكراسي" بأن هذا التوق لامتلاك هوية إسلامية معترف بها في أوروبا هو أمرُ مميز للطريق التنويري الأوروبي للانعتاق. ربما يجعل هذا من حركتكم حركة "ديمقراطية راديكالية" بالمعنى الذي يستخدمه إرنستو لاكلاو وشانتال موف، وهذا استمرار للتقليد الأوروبي القائم على إضافة حريات جديدة، مما يفرض أشكالاً جديدةً من المساواة ويقود إلى مزيد من الانعتاق المستقبلي. أهكذا ترى الأمر؛ أي كاستمرارٍ للتقليد الأوروبي؟

دياب أبو جهجاه: اقرأي نص الالتماس: لا شيء جديد هنا. إن المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان تضمن حق العبادةِ الدينية والالتزام بمقتضيات الدين في الأماكن العامة والخاصة. إننا نطالبهم فقط بتطبيق القانون على الجميع: إنهم لا يفعلون ذلك. لا يكاد التماسنا يشكل تحدياً لأوروبا.

قد يكون الأمر جديداً في الممارسة لأن أوروبا قد أصدرت كميةً فائضة من الإعلانات ذات النزعة الإنسانية وذات الوقع اللطيف على السمع؛ وهي ميّالةٌ لقصرها على من هم أوروبيون من الناحية الإثنية. لا يصحّ أبداً أن تقام حقوق الإنسان على هذا الأساس المحدود.

ثمة تناقضات أيضاً في طريقة التناول هذه. لقد قاد الجدال بشأن الحجاب في بلجيكا إلى دعوات لترجمة دينية سلطوية. احضري /300000/ خبير في الإسلام ليقولوا لك أن الحجاب ليس فريضةً؛ فإذا رأت فتاةٌ واحدة موجودةٌ في قريةٍ من قرى الفلاندر أن الحجاب فرضٌ عليها فإن اعتقادها هذا جزءٌ من حريتها. هل نحن بسبيلنا إلى أن نجعل "كنيسةً" ما تتدخل بالأمر وتقرر لنا ما الذي يجب أن نؤمن به؟

إن على الأفراد، في التحليل النهائي، أن يقوموا بترجمة تعاليم الدين على أساس إيمانهم الشخصي. هذا ما نقوم به.

أوبن ديموكراسي: لقد رحّب كثيرٌ من المسلمين الفرنسيين، بمن فيهم كثيرٌ من النساء، بالحظر الذي فُرِضَ من قبل الدولة العلمانية افتراضاً منهم بأن هذا يشكل أساساً للسعي من أجل حريةٍ أكبر ضمن مجتمعهم.

دياب أبو جهجاه: هل يمكن النضال من أجل حرية الممارسة الدينية باستخدام الحظر؟ إذا ما وجد ضغطٌ اجتماعي داخل مجتمعٍ ما فلا يمكن محاربته بالقوانين. تستطيعين محاربته بتغيير عقلية الناس. لكن، ما من شيء غير قانوني في الضغط الاجتماعي، ومن غير الممكن تغييره بالقانون.

هل يؤدي ذلك لإرخاء هذا الضغط؟ قبل كل شيء، ستكونين قد خرقت حقوق الناس الذين اختاروا بحريةٍ أن يضعوا الحجاب؛ فهؤلاء الناس موجودون أيضاً، والمرجح أنهم أغلبية. الشيء الثاني هو أنك ستكونين قد أعطيت هؤلاء الناس كل أسباب التحول إلى الدفاع. إذن، فالأمر غير بنّاء من الناحية التكتيكية. وفوق هذا فهو ضد حقوق الإنسان.

ثمة قانون في أوروبا يورد ثلاث حالات تعتبر شرطاً لازماً حتى يمكنكِ تحديد، وليس حظر، الممارسة الدينية: إذا ما دعوتِ لحقوق طرف ثالث؛ ولغاياتٍ تتعلق بالنظام العام؛ ومن أجل الصحة العامة. لا تنطبقُ أيٌّ من هذه الحالات على الحجاب. الحظر غير قانوني في أوروبا، بكل بساطة.

ليست العلمانية حقاً من حقوق الإنسان، كما تلاحظين. إنها شيءٌ لابدَّ من التفاوض بشأنه سياسياً، ثم إعادة التفاوض في كل سياقٍ جديدٍ تالٍ. يظن بعض المتطرفين في مجتمعنا أن الرابطة العربية الأوروبية "علمانية". لماذا؟ لأن لدينا أعضاء من النساء المحجبات وغير المحجبات؛ ولأننا نعقدُ اجتماعات مختلطة وندافع عن أفكارٍ يجدونها شديدة الليبرالية. أما في نظر غيرهم فأنا "أصولي".

لا أدري كيف أعرِّف هذه الأشياء. لكنني ديمقراطيّ، وهذا ما أستطيع الدفاع عنه. هذا هو النظام الديمقراطي، وهذه هي قواعد اللعبة. وعلينا الالتزام بها. وإن لم نحبها فعلينا تغييرها باستخدام الوسائل الديمقراطية ذاتها. هكذا هو الأمر.

ثمة إطارٌ دوليّ لحقوق الإنسان، وهذا هو المعيار الوحيد الذي علينا احترامه. إنها معايير مُلْزمة: عليك التقيد بها دائماً. وهذا يمنحك الحماية، نوعٌ من حزام الأمان. كل ما عدا هذا هو عرضةٌ للتغير.

لا يمكنك إقناعي لأن تدخين لفافة من الحشيش أسوأ من شرب كأس من البيرة. لكن، إنْ صارت المخدرات شرعيةً فإن الأمر يكون مثلَ تشريع الكحول. أنت لا تعظين بحقوق الإنسان. إنها آلية العمل الإجرائي للمجتمع فحسب.

عندما تنتهكين حقوق الإنسان فأنت تقفين ضد الديمقراطية لأن الديمقراطية لا تعتمد على الآليات والقواعد فقط. إنها تعتمد على احترام هذه الحقوق. نحن، في الرابطة العربية الأوروبية، منسجمون بما يتعلق بحقوق الإنسان، إنْ هنا أو في العالم العربي.

أوبن ديموكراسي: من المؤكد أن حقوق الإنسان التي تستحضرها ليست نفس الحقوق الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

دياب أبو جهجاه: أحب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. يمكن للمرء أن يجادل بصدد بعض النقاط من الناحية الفلسفية، لكن لا تحفظات لدي على هذه الحقوق إطلاقاً.

أوبن ديموكراسي: فلننظر في مصدرٍ آخر من مصادر الاضطراب التي أنت على علاقة بها: إنها مسألة طلب اللجوء. في بريطانيا، يروّج ديفيد بلانكت لأطروحة مفادها أن إساءة استخدام اللجوء هي ما يمنعه من إقناع الشعب البريطاني بوجوب اتخاذ موقف إيجابي من المهاجرين الاقتصاديين الذين نحن بحاجةٍ إليهم في اقتصادنا. يصف هذا المنطق تاريخك الشخصي على نحوٍ جيد. لقد تظاهرتَ بأنك طالب لجوء عندما أتيت إلى بلجيكا. ألست تخذلُ طالبي اللجوء الحقيقيين بهذا التصرف؟

دياب أبو جهجاه: إنها قضيةٌ دوليةٌ مرةً أخرى؛ إنها مسألةُ بنية هذا العالم الذي فيه نعيش. إن الثروة والفرص، والأمر ليس مقصوراً على الثراء المالي، متركّزان في مناطق بعينها. إن غالبية سكان العالم محرومةٌ منهما. وتحاولُ بعض المناطق التحول إلى قلاع لصدّ تدفق الكائنات البشرية التي ستحاول دائماً، بصفتها نوعاً من الأحياء، البحث عن آفاقٍ ومناحٍ جديدةٍ لحلِّ مشاكلها. وعندما تواجه الكائنات البشرية بعقباٍت من هذا النوع فإنها ستبحث عن أي حلٍّ يمكن أن يفي بالغرض.

قد لا يكون المهاجرون الاقتصاديون معرّضين للخطر بقدر طالبي اللجوء من السياسيين. لكن، ثمة ضروراتٌ مشروعة لا ترقى لدرجة خطر الموت أو السجن الواردين في اتفاقية جنيف. يسيء الناس استخدام حق اللجوء لأن هذا الأمر غيرُ معترفٍ به في هذا العالم غير المتوازن. أو على الأقل، فإنهم يعيدون تعريف اللجوء بما يناسبهم ويقولون: "إلى الجحيم باتفاق جنيف؛ إنه لا يغطي حالتنا".

في حالتي أنا، ربما لم يكن لدي مبررٌ فوريٌّ كافٍ للّجوء إلى ذلك الطريق. لكن معظم الناس في بلدان العالم الثالث يرغبون بالرحيل، وقد رغبتُ بالرحيل أنا أيضاً في واقع الأمر.

ليست الرغبة برؤية أمكنة غير العالم الثالث بالأمر البسيط. سيحصل أي أوروبيّ يقرر السفر إلى بلدي على تأشيرة دخول وسيكون هناك غداً. لدي عددٌ من الأصدقاء البلجيكيين الذين صاروا مهتمين بالثقافة العربية. إنهم يعيشون الآن في لبنان: إنهم يعيشون هناك وحسب. هذا ليس عدلاً؛ فحدودنا مفتوحةٌ. دعوا هذه الحدود تصير مفتوحةٌ أيضاً؛ اجعلوا كل الحدود مفتوحةً.

يقولون لكم: إن حدث هذا فسيخلق عدم استقرارٍ اقتصادي. إن العالم غير مستقرٍ اقتصادياً بالفعل. ربما يقوي ذلك من الدفع لحل مشكلة عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي. سيكون على الناس أن يتشاركوا أكثر من ذي قبل، وذلك لأنهم سيتشاركون قسطاً أكبر من المشكلة.

إذن، فلدي أخبار لذلك السيد الذي في بريطانيا: سيستمر اللاجئون بإيجاد طرق للقدوم. تشددوا مع طالبي اللجوء الآن؛ أو افعلوا ما تشاءون: لقد وُجِدت الهجرة على الدوام، وستظلُّ موجودةً.

لقد حاولوا، في بلجيكا، جعلي أخجل من القدوم إلى هنا؛ لكن، ليست لدي عقد بشأن هذا. أنا فخورٌ به. لقد أتيتُ إلى هنا لأن هذا الكوكب كوكبي؛ وأنا كائنٌ إنساني، وسأقرر العيش حيث أحب أن أعيش.

أوبن ديموكراسي: عندما أعلنت أنك "ترغبُ بإحداث استقطاب في المجتمع لأنك تريد حدوث نقاش؛ وأنك تريد أن يرى الشعب أن ديمقراطيتهم ليست بذات جدوى بالنسبة لكم"، فمن السهل تخيل أن هذا الكلام يطيب لشبانكم الصغار وأن له جاذبيةً إعلامية.

لكن، ومع نيّتك بدء العمل في حزبٍ سياسي استعداداً لانتخابات 2006، هل سيقوم "إحداث الاستقطاب" بتحسين فهم الناس لبرنامجك ككل؟

دياب أبو جهجاه: عادةً ما يصوتُ حلفاؤنا "الموضوعيون"، الطبقة العاملة، لليمين المتطرف. وهم لم يصوتوا دائماً لليمين المتطرف بسببنا نحن. إذن، فلا يسعنا إلا الاعتماد على أنفسنا هنا. ثمةَ بعض المثقفين الذين يدعموننا كنتيجةٍ لفهمهم الثقافي، لكننا مدانون من قبل الجميع، إذا ما استثنينا هذه القلة من الناس.

ليس هدفنا هو الحديث بعذوبة مع الناس وجعلهم يشعرون شعوراً طيباً تجاهنا. لقد حاولنا فعل هذا، ولم نكن ساذجين. لقد تجاوزنا تلك التجربة كلها في الأحزاب السياسية وفي النقابات. ونحن نعرف كيف هو الأمر.

إن هدفنا الرئيسي هو تعبئة مجتمعنا، وإحداث ضغط على الأغلبية، ثم التفاوض معها. إنهم لن يقوموا بشيءٍ من أجلنا إذا ما رحنا نبتسم لهم بلطف. إذن، فأنا لا أعتمدُ على تصويت الأغلبية. إنني أعتمد على تحقيق موقع تفاوضي على المدى البعيد: ليس الآن بل لاحقاً. ونحن صبورون.

لدينا الآن، في مجتمعنا، بدايات "كادر" قيادي. لا يوجد في الفلاندر كلها إلا ثلاثةُ أشخاص من مجتمعنا يعملون في الجامعة: أحدهم عضوُ في الرابطة، والآخران متعاطفان معها. في هولندا لدينا أكثر من هذا. ليس أعضاء رابطتنا من الشباب المستبعدين فقط. لدينا بعض المثقفين، وعددُ من الفنانين. يتكون لنا شيءٌ من صورة "الصالون".

إن الدافع هو ما يهمنا. فلو كنا بدأنا النضال من أجل مظهر "الصالون"، لكنا تحولنا إلى منظمة من نفس النوع الذي خلفناه وراءنا. المنظمات التي لم تجدِ نفعاً. لذلك فقد ركزنا على تعبئة مجتمعنا؛ وأقمنا البنى اللازمة لتقوية أنفسنا وإدارة عملية التفاوض من جانبنا. لقد استثمرنا جهودنا في هذه الخطة.

أظن أن نوايانا كانت صادقةً خلال هذه العملية. إن سألنا الناس عنها فبمقدورنا شرحها لهم. وإن كانوا راغبين بالفهم فسيرون أننا لا نستهدف فصل المجتمعات المحلية أو اضطهاد أيٍّ كان. إنها لصيغةٌ مضللة أنْ نتكلم بمصطلحات لا تحمل تلاوين مباشرة. نحن نضعُ الأشياء بوضوح لكننا مستعدون تماماً لتقديم تحليل أكثر عمقاً. لقد كتبت كتاباً من /400/ صفحة موجهاً إلى الأغلبية من سكان بلجيكا من حيث الأساس ؛ وهو يشرحُ إيديولوجية الرابطة العربية الأوروبية وما نريد فعلهُ. إذن، فنحن نبذل جهدنا لنكون مفهومين.

لن أضمن أن الناس لن يقفوا ويقاتلوا هنا من أجل بورغرهاوت إذا ما وصل اليمين المتطرف للسلطة. لو رَأيتِ فيليب ديوينتر يختتم مؤتمر البارحة مثل آراغون على أسوار "مدينة الشر" بمقتطفٍ من فيلم "سيد الخواتم" : "يا رجال الغرب، قفوا وقاتلوا"، لكنت فهمتِ أنني لا أستطيع قطع وعودٍ من هذا القبيل.

بالمناسبة، لقد أحببت الفيلم. لقد حرصت على مشاهدة أجزاءه الثلاثة كلها. لكنني شعرتُ بالإهانة الشديدة جرّاء الطريقة التي تناولوا بها الأحداث: كانت هناك قوى الخير تقاتل ضد الوحوش و"الأورك" والعرب. ربما لم يدعونهم عرباً بالاسم لكن ما عليك إلا النظر إلى وجوههم السمراء. كان بوسع الأورك أن يتكلموا على الأقل، أما العرب فكانوا كتلةً غير مشخصة. كان الأمر محيراً. ها هم جميعاً، في نهاية الفيلم، (ما عدا الأقزام طبعاً) شُقرُ، طِوال، آريون يقاتلون ضد الشر المكون من أناسٍ من الجنوب في حقيقة الأمر؛ ثم يُقدّم لنا ذلك الحديث الذي يتوجه إلى "رجال الغرب".

كان ج. ر. تولكين ابن زمانه، وكانت المركزية الأوروبية جزءاً من ذاك الزمان. لستِ بحاجةٍ لأن تكوني من ملكات الدراما فيما يخص هذه الأشياء. لكن لدى الأمريكيين ثقافةٌ "مستقيمةً سياسياً" تماماً. ألم يكن بمقدورهم أن يضعوا عربياً "صالحاً" واحداً إلى جانب آراغون عندما كانوا يستعدون لتحويل الكتاب إلى فيلم؟ لم يفعلوا ذلك طبعاً. ثم يأتي شخصٌ مثل فيليب ديوينتر ليختتم اجتماعاته بذلك المقتطف من الفيلم. لقد ظهر ذلك في نشرات الأخبار. هذا ما أريد قوله جواباً على سؤالك بشأن "إحداث الاستقطاب".

لست أومن بمبدأ التمثيل النسبي، ولا أظن أن هذا سيتغير. نحن نؤمن بتوازن القوى ونعرف أنه من المبكر جداً بالنسبة لنا امتلاك هذا النوع من القوة. نستنتج من هذا أن الطريق الوحيد للوصول إلى موقعٍ تفاوضيّ هو استمرار العمل على تعبئة مجتمعنا على المستوى الأوروبي لأن هذا هو مصدر قوّتنا.

وفي الواقع، فلو أنشأنا منظمتنا في بلجيكا فقط لكانوا نجحوا في إنهائنا الآن؛ ولكانوا همّشونا لزمنٍ طويل لكننا نعمل في هولندا، ونحن نحقق تقدماً كبيراً في فرنسا الآن. وفوق هذا فقد صرنا ندعى، من قبل مراقبين خارجيين، إلى مؤتمراتٍ دولية لأنهم يدركون أن الرابطة العربية الأوروبية هي المنظمة الوحيدة في أوروبا التي تقاتل على نحوٍ منسجم باسم المهاجرين ذوي الأصول العربية والإسلامية، بالمعنى السياسي. أما بقية المنظمات فهي أقرب لما تسمونه منظمات غير حكومية. إن الرابطة العربية الأوروبية شيءٌ مختلفٌ كلياً. لقد أنشأت كحركةٍ سياسيةٍ أساسية وأظن أننا سنصبح عاملاً مهماً ذات يوم.

بالنسبة للسياسات الانتخابية: التصويت إلزامي في هذا البلد، ونحن لا نريد لشعبنا أن يصوّت لصالح الأحزاب القائمة, أيّاً تكن. لا نستطيع القول: "هذه أحزابٌ سيئة؛ هؤلاء الناس يستغلوننا، وهم لا يقدمون حلولاً حقيقية"، ثم نذهب إلى بيوتنا. علينا أن نقدم لهم بديلاً.

وهكذا، فقد شكلنا كتلة "قاوم" في الانتخابات الماضية؛ وقد كانت جبهةً تجمعنا مع أحزاب أقصى اليسار. لقد سجلنا نتائج طيبة جداً. فمن بين /7000/ صوت محتمل من جانب مجتمعنا المحلي في مدينة آنتويرب، حصلنا على /6500/. وربما جاء /1500/ صوت من بين صفوف الأغلبية من السكان الأصليين. فلننظر إلى الأصوات التي حصل عليها شركاؤنا إفرادياً: لقد حازوا بالكاد على /1000/ صوت؛ بينما حصلت، هنا في آنتويرب، على 4500 صوت. ليس بإمكان الجميع التصويت، فليس الجميع ممن تجازوا الثامنة عشر.

في 2006، وعندما تجرى الانتخابات القادمة، ستتمكن مجموعة كبيرة ممن هم في الخامسة عشر أو السادسة عشر الآن من التصويت. وسيكون كثير ممن لم يحصلوا على الجنسية حتى الآن قد حصلوا عليها بحلول ذلك الوقت، لأننا نشجعهم على ذلك. نحن لا نؤمن حقيقةً بالحملة الحالية من أجل حقوق المهاجرين وأصواتهم. يبدو ذلك جيداً من الناحية الإيديولوجية؛ لكن، هل تعدو هذه أن تكون مناورةً استدراجيةً؟ نعرف ما يعنيه هذا من الناحية السياسية؛ ونحن نطالب الناس أن يتقدموا بطلبات الحصول على الجنسية البلجيكية.

إذن، فسنحصل على أصوات أكثر في 2006 وربما نفوزُ بمقعدٍ أو مقعدين تمثيليين في المدينة. وباختصار، فإننا نشارك في السياسات الانتخابية منذ الآن لأننا نريد الحفاظ على وحدة قاعدتنا الانتخابية. أما الهدف الرئيسي عام 2006 فهو المقاعد، ليس في آنتويرب وحدها بل في نوتردام وأوترخت وفي أمستردام بكل تأكيد (ثمة انتخابات بلدية في هولندا في نفس العام). ستكون هذه هي المرة الأولى التي يحصل فيها حزبُ أوروبي عبر ـ قومي على مقاعد في بلدين معاً. وربما تكون النظرة إلى الرابطة العربية الأوروبية قد اختلفت بحلول ذلك الوقت.

سياسات هوية جديدة

أوبن ديموكراسي: هل تدعي بأنك، كما كانوا يصفونك، "من أنصار التعددية الثقافية المناضلين"؟

دياب أبو جهجاه: بالتأكيد! ثمة مستوى من القوانين والأنظمة التي تُلْزِم الجميع. هذا أمرٌ مقررٌ ثقافياً لذلك فلابد من إعادة التفاوض بشأنه على الدوام؛ لكن هذه القوانين والأنظمة محكومةٌ بنظامٍ تقريري ويمكن لها أن تكون مكتوبةً. إنها ليست خالدة؛ لكن، إذا ما وجدتُ القانون مَعيباً وجائراً من الناحية الثقافية، فإن عليّ الالتزام به حتى وأنا أحاول تغييره. إنه مستوى المواطنة، وهو يعملُ كآلية تنظيم.

أنا مؤمنٌ، في كل المجالات الأخرى، بحرية الناس بالتعبير عن أنفسهم في المدارس وفي الأحزاب السياسية في والحركات الشبابية ووسائل الإعلام, وليس في بيوتهم فقط. إذا ما استطعنا التوصل لانسجام بين هذين المستويين فسندركُ عدم وجود تناقض متبادل بين وجود التنوع في المجتمع على نطاقٍ واسع وبين الثقافة الديمقراطية. يمكن للناس أن يتعارض أحدهم مع الآخر بعمق، طالما أنهم واثقون بالمؤسسات, وطالما أنهم يعرفون أيضاً أن بإمكانهم الوصول إلى وسائل الإعلام للتعبير عن وجهة نظرهم.

إنني مؤيدٌ، في الواقع، لحرية تعبير تتجاوز ما هو موجودٌ لديكم في أوروبا. لا مانع لدي بأن يقول لي شخصُ عنصري رأيه بي. فليخبرني أنه يكرهني وأنه يرى نفسه متفوقاً علي. لا بأس بهذا بالنسبة لي طالما أنا واثقٌ بالمؤسسات وعارفُ بأنه يمكنني النفاذ إلى وسائل الإعلام لأخبر ذلك الشخص عن رأيي به، وطالما أستطيع أن أصوت في الانتخابات لصالح من يؤمن بما أؤمن به.

ما لا أستطيع قبوله هو الإقصاء. يمكن للمرء أن يظن بأن شخصاً ما هو إنسانٌ سيئ، لكن عليه أن يعامله على قدم المساواة. هذا هو معنى الحوار. إن الطريقة الوحيدة للوصول إلى الحوار الصادق، بل وربما إنجاز التغيير، وللوصول إلى التوافق والتسوية، أو إلى أيّ تطور إيجابي ممكن، هي الحديث المنفتح. فلنقل الحقيقة كائنةً ما كانت بدلاً من تلقين ثقافة الخوف من الكلمات ومن الآراء.

لست خائفاً من حجج ديوينتر. لقد خُضتُ نقاشين أو ثلاثة نقاشات معه. ما أخافه هو أن يحتفظ ديوينتر بحججه لنفسه، مزوراً آراءه أمام الآخرين، وقائلاً بأنه ليس عنصرياً في الوقت الذي هو عنصريّ، بحيث يجعلهم يصوتون له. ربما لو عرفوا بأنه عنصري لما صوتوا له.

إنني ضد ذلك القانون الذي يحظّر "التعبير العنصري"، لأنني أراه غير بنّاء. لا يجوز منع أي نوع من التعبير؛ يجوز منع الأفعال فقط: الأفعال العنصرية؛ عليكم حظر التمييز الحقيقي. لكن هذا القانون يحمي ديوينتر من نفسه. لو لم يكن عليه إيلاء كل ما يقوله أشد الانتباه حتى لا يقع في مخالفةٍ قانونية لكان ارتكب كثيراً من الأخطاء، ولكان قال في العلن كثيراً من الأشياء العنصرية التي من شأنها أن تفقده مصداقيته في أوساط قطاع لا يستهان به من الناس الذين يصوتون لصالحه الآن. إن ذلك القانون يمنحُ ديوينتر سمعةً بأنه "ذو أهلية" لا يستحقها.

يسألني الناس عن سبب نقاشي معه. أفعلُ هذا لأنني أعرف أنه سيكون نقاشاً سهلاً. يمكن للمرء أن يحصره في الزاوية. ليس على ديوينتر إلا أن يقول: "شعبنا أولاً"، فأقول: "أنا من شعبك. إنني بلجيكي، ألستُ كذلك؟"، فيقول: "لا، لا"، فأعود لأسأله: "حسنٌ، ما هو تعريفك للوضعية القانونية لشعبنا؟"، فلا يستطيعُ الإجابة. يمكنه أن يتحدث عن الثقافة. عظيم، بإمكاني أن أتحدث عنها أيضاً. بإمكانه أن يتحدث عن الهوية. هذا عظيمٌ أيضاً. لكن، وعندما يتحدث عن "الشعب"، بوصفه كياناً يبني الأمة، دون أن يعتبر الجنسية تصنيفاً محدداً يدعمُ ذلك، فإن عليه أن يتحدث عن العرق. عندها يخسر النقاش.

إذن، فأنا مؤمنٌ بحرية التعبير لكل إنسان، ليس لفظياً بل في المؤسسات أيضاً، وفي الحركات الكشفية والمدارس والفنون. لست أومن بهذا بما يخص الكيانات القائمة فقط بل بما يخص الكيانات الجديدة أيضاً. ثمةَ جزءٌ معطى في كل كيان، إما الجزء الآخر فهو محل إنشاءٍ وإعادةُ تفاوضٍ دائمين. لكنهما يبقيان حقيقيين، ويبقيان مختلفين عن بعضهما البعض.

أوبن ديموكراسي: ماذا عن القيم العائلية المحافظة في المجتمع الذي تمثله؟ أنت تدعو لحوارٍ حقيقي يمكن للناس فيه أن يغيروا بعضهم بعضاً؛ لكن، ربما يبدأ بعض غير المسلمين بالقلق من "سيطرة" قيمكم. ما الذي يمكنك قوله لهم؟ هل تعتقد أن لديكم ما تقدمونه لبقية بلجيكا؟

دياب أبو جهجاه: ببساطة، فإن امتلاك منظورات مختلفة يوسع من بصيرةِ جميع الأطراف. فإما أن تقنعوا بعضكم بعضاً وإما أن تخلقوا تفكيراً جديداً. قد أكون ثورياً، نوعاً ما، بخصوص بعض القضايا؛ لكن عندما يصل الأمر إلى ما تسمينه "قيماً محافظة" فأنا مؤمنٌ بالمحافظةِ على ما هو جيد وبالتخلص من الأشياء السيئة.

على سبيل المثال، فأنا مؤمنٌ بالعائلةِ كبُنيةٍ صالحةٍ لتنشئة الأطفال. إنها قيمٌ آخذةٌ بالتفكك في هذا المجتمع. يرى بعض الناس، ممن يفكرون وفق خطوط التطور المستقيمة، أن هذه القيم قيمٌ "قبل ـ رأسمالية". يمكن لكم أن تقوضوا كل شيء بهذه الطريقة. يقول آخرون أنه لا يجوز الحكم على الناس. لا بأس، لا يجوز لك أن تحكمي على الناس بأنهم "أخيار" أو "أشرار". لكن، يُمْكنكِ الحكم على البنى بأنها "خيّرة" أو "شريرة"، بل يجب عليك هذا.

أوبن ديموكراسي: إذن، وعلى سبيل المثال، فأنت ضد زواج المثليين جنسياً؟

دياب أبو جهجاه: لسنا ممن يؤيدون ذلك. نحن نرى الزواج مرتبطاً ببناء الأسرة، وبناءُ الأسرة يدور حول إنجاب الأطفال وتنشئتهم. لا يمكن لك الإقرار بزواج المثليين دون الإقرار بالتبني المثليّ، لأننا نرى أن للطفل حقاً بأن يكون له نموذج الأب والأم. لكن ما نقوله هو: "أزيلوا التمييز". إنني أعارض مضاهاة الغيرية الجنسية بالمثلية الجنسية. إنهما شيئان مختلفان. نعتبر أن الغيرية الجنسية هي القاعدة، وأظن أن الغالبية في أوروبا تشاطرنا هذا الرأي لكنها لا تجرؤ على المجاهرة به.

لكن لديكم مثليةً جنسيةً أيضاً؛ ويمارس التمييز ضد المثليين. عليكم محاربة ذلك التمييز. عليكم التأكد من عدم تعرض هؤلاء الناس للتمييز في العمل والسكن والسياسة، أو في أي مجال. إنني أؤيدُ فعلاً إيجابياً على هذه الجبهات. إذا كان زوجٌ من الناس يتعرض للخسارة على أساسٍ قضائي أو اقتصادي لأنهما لا يملكان صفةً زواجيّة فلابدّ من إيجاد نواظم لذلك؛ بحيث يُعامَل الأزواج المثليون الراغبون بالعيش مع بعضهم كما يُعامَل الأزواج الطبيعيون المتزوجون. إنها شكوى محقة. لكن لا يجوز لمن يدافعون عن حقوق الشاذين أن يقعوا في فخ المطالبة بثقافة "متجانسة" يختفي فيها كل تمييزٍ بين المثلية الجنسية والغيرية الجنسية، فهما ليسا أمراً واحداً.

أوبن ديموكراسي: هل أنت مؤيدٌ أم معارض للزواج المختلط بين أناسٍ من مجتمعات مختلفة؟

دياب أبو جهجاه: لستُ أعارض ذلك أبداً، وهذا لا يعني أنني مؤيدٌ له. لستُ أهتم بذلك. يتزوج الناس عندما يقعون في حب أحدٍ ما. إنه خيارهم الفردي. لكنني لن أروِّجَ لذلك لأن الترويج له سيكون عملاً عنصرياً مثله مثل الوقوف ضده؛ فأنت تتزوجين الشخص الذي تحبين أن تتزوجيه.

أوبن ديموكراسي: هل تؤمن بمساواة النساء؟ وهل أنا مساويةٌ لك؟

دياب أبو جهجاه: طبعاً. لكنني أومن بأننا مختلفان وأرفض الطرح النسويّ التقليدي.

يقول الناس أن النساء غير قادرات على فعل بعض الأشياء، أو أنهم يفرقون بين النساء والرجال من الناحية العقلية. هذا يغضبني. أتحدث هنا عن نقاشاتٍ داخلية في حركتنا. أُتَّهَمُ بأنني "نَسَوي" أحياناً. لست كذلك على الإطلاق.

ثمة فروقٌ بين الجنسين. وأنا غير مؤمنٍ بتماثل الأجناس، أو بممارسة الضغط على المرأة لتتصرف كرجل، والعكسُ بالعكس. اذهبي ونَمّي أي نوعٍ من الهويةِ ترتضيه لنفسك؛ وإذا ما اختارت النساء أن يكنّ ربات منزل (كما يخترنَ غالباً)، أو أن يكنّ من أصحاب السِّيَر المهنية، فلا يجوز أن يُخلقَ لديهنّ انطباع بأنهنّ يخنَّ المفهوم الإيديولوجي للأنوثة.

وعندما يتعلق الأمر بثنائيٍّ فلندعهما يضعان اتفاقاتهما الخاصة. يطلبُ رجلٌ من زوجته، عندما يتزوجان، بأن تُرضعَ الأطفال إرضاعاً طبيعياً. لا أرى أنه يضطهدها بهذا الطلب؛ لا، لستُ أعتقدُ ذلك. فطالما أن لديها الفرصة لأن تقول: "لا، إذا كان هذا ما تريده فأنا لا أريدُ الزواج منك". إنه تفاعلٌ بشري طبيعي.

من حُسن الحظ أن هذه القيم تعودُ للظهور ثانيةً في الغرب، وهي مرتبطةٌ بالتفكير البيئي. لقد تجاوزنا الستينات والسبعينات التي تميزت بالرغبة في المواجهة أحياناً. أعرفُ أن هناك مشاكل، وأن هناك إساءات، وأن بعض النساء مضطهداتٌ جسدياً واقتصادياً بفعل بنى السلطة. لكن طريق مقاومة هذا هي بإخضاعه للمعيار الديمقراطي والقانوني وليس باستخدام برنامج عمل الحركة النَّسَوية.

إذا ما رغبنا بأن يقاتل الناس ضد الضغوط الاجتماعية فإن علينا أن نعطيهم سلطةَ التمييز بين ما هو إساءة وما هو ليس كذلك. علينا أن نحرِّرهم بأن نجعلهم مدركين لحقوقهم. نعرفُ أن كثيراً من الرجال في مجتمعنا يطلبون من زوجاتهم الالتزام بما يدّعون أنها أحكام نابعة من ديننا. لكن هذه الأحكام أحكامٌ كاذبة. لسنا نطالب القانون بأن يمنعَ هذا السلوك فوراً؛ بل نقول للنساء: "عليكنَّ معرفة حقوقكنَّ كمؤمنات". لدينا قسمٌ نسائي في الرابطة العربية الأوروبية ونحن نعمل على رفع مستوى وعي النساء بحقوقهنّ في الإسلام، بوصفهنَّ مؤمنات. عندها، تستطيع النساء الذهاب إلى المنزل مزوداتٍ بالحججِ والقول: "لا، هذا غير صحيح بمقتضى الإسلام. إن لدي الحق بكذا وكذا وكذا...". يمكن لهذا الأمر أن يكون تحريرياً إلى حدٍّ لا يصدق، وخاصةً إذا كان الزوجانِ مؤمنين، لأنكِ تستطيعين إقناع الزوج تماماً بأنه ملزمٌ دينياً بتغيير سلوكه.

أوبن ديموكراسي: لقد وصفك رئيس الوزراء البلجيكي غاي فيرهوفشتادت بأنك، والرابطة العربية الأوروبية، "خطرٌ على المجتمع، وأنك لا تهتم إلا بالصدامات وتوجيه الاتهامات". بينما يقول من يدّعى بأنهم متحدثون إسلاميون معتدلون في سلطة مدينة آنتويرب بأنك لا تعمل إلا على "تعميق الكراهية" وخلق مزيد من العداء.

مهما يكن قولك في هذه التصريحات, فأنك إذا وضعتها في سياق "الحرب على الإرهاب" بعد 11/9, فإن الدعوة لتشديد الإجراءات الأمنية تجاه تدفق الهجرة تسري في العالم كله؛ ويحتلّ الاهتمام الأمني موقع الصدارة بشكل عام, إذا ما تركنا جانباً الميل المهيمن باتجاه مجانسة الثقافات العالمية ورد الفعل المعادي للتنوع الثقافي انطلاقاً من أنه تهديد خطير للتلاحم الاجتماعي.ألا تظن أنك, في ظل هذه الظروف, وباستعدادك الظاهر لتحدي المجتمع وخلق الاستقطاب فيه, تزيد من قوة التطورات السلبية في الساحتين القومية والدولية؟

ألست تغذّي الروح الانقسامية التي تحب بعض القوى غير البنّاءة في المجتمع مضاهاتك بها؟

دياب أبو جهجاه: ليس من شأن ما نقوم به أن يساهم في هذه العملية التي تصفين.

نحن نطوّر خطاباً مضاداً واستراتيجية مضادة لها في حقيقة الأمر. لكنّ ما نقوم به ديموقراطي من حيث الأساس. إن لديك أناساً آخرين ممن هم هامشيون ومتطرفون بالمقارنة معنا. أنت تستنجدين "بالإسلاميين المعتدلين", لكنّ هذا ما نحن عليه بالضبط.

خذي الغلاة من دعاة التمثل في المجتمع مثلاً والذين يكرهون ثقافتهم الخاصة؛ هذا من حقهم. إنهم ليسوا بحاجةٍ لأن يظلوا مسلمين. لكن، وعندما يبدؤون تقديم وصفة التمثل إلى بقية المجتمع ممن لا يرغبون بفعل ذلك، فهذا ليس مقبولاً. إنهم متطرفون.

ثم هناك مجموعةٌ أخرى. أنتِ تَدعينهم "أصوليين". لا نعرف ما الذي يعنيه ذلك. لكننا لا ندعوهم متطرفين. إنهم من دعاة الانسحاب من المجتمع جملةً، وهم يدينونه بمصطلحاتٍ لا عقلانية. لا حلولَ لديهم ليقترحونها اللهم ما عدا بعض السخافات الدينية. هؤلاء موجودون أيضاً.

نحن هم المعتدلون. إننا نقول: "نحن مؤمنون بالهوية"؛ ونحن نحاول تعريفها. نحاول الدفاع عنها من خلال حوارٍ ديمقراطي؛ لكن، لا بدّ له من أن يكون حواراً حقاً. نريد أن نتحدث لكننا لا نرغبُ أن يملى علينا ذلك. وطالما أن الحوار الحقيقي غير موجود، وهو يتطلبُ احتراماً متبادلاً، فلا يمكنكِ لَوْمُنا على ما لا نستطيع تقديمه.

مع هذا، يأتي كلا النوعين من المتطرفين ليلقي باللائمةِ جرّاءَ الفصل العنصري واستقطاب المجتمع على كاهلنا، هذا على سبيل المثال. المهم هنا هو أننا لا نطالبُ الآخرين بالتغير؛ فذلك يمكن أن يكون دعوةً للاستقطاب. إننا نقول ببساطةٍ: لا ترغمونا على التغير. نريدُ أن نتغير عندما نقرّرُ ذلك. لا تقولوا لي ما الذي يجب أن أكون عليه عندما أكون مواطناً ملتزماً بالقانون وقائماً بكل واجباتي، بل وأحاول المشاركةَ في النقاش. لست أنغلق على المجتمع أبداً. إذن، فأنتم تحاولون استثارتي فحسب!

من ناحيةٍ أخرى، فإننا متهمون بخيانة الإسلام عبر كوننا "متساهلين" ومن خلال مساعدة من يودون تدمير الإسلام والعروبة.

لا نرى الآن دوراً لنا "كصمام أمان" للغرب ولإبعاد الناس عن العنف. إن لدينا بؤرة اهتمامنا الخاصة: نحن نعرف ما الذي نرغبُ بفعله. لكنني أستطيع أن أقولَ لكِ كيف يجري الأمر. إذا لم تجد بعض المظالم طريقاً ديمقراطياً لها فمن الممكن أن تتراكم لصالح أهداف مختلفة كلياً. إنها حقيقةٌ واقعية.

تنشطُ بعض الجماعات المتطرفة شديدة الهامشية، وهي تحاول تجنيد الشباب. ليس للمضطهدين منظورهم الصحيح للأشياء دائماً، وهم صيدٌ سهل لهؤلاء الناس. ليست تلك الجماعات بمنافسٍ لنا في المدن حيث قوتنا. يبدو الوضع مستقراً في آنتويرب، بنظري. لكن حيث لا توجد الرابطة العربية الأوروبية، فمن يدري؟

في أثناء هذا، فإن لدينا أكثر من 60% من الأصوات الانتخابية في المجتمع في آنتويرب وميشيلين. لسنا جماعةً هامشية. وليس على الناس إلا أن يدركوا وجود تيار رئيسي آخر يملك إطاراً معرفياً مختلفاً عما لدى التيار الرئيسي الذي وراءه. هذا هو معنى التعددية.

إن النقاش مفتوحٌ على أوسع مدى. من المؤكد، بما فيه الكفاية، أن الميل للعودةِ عن التعددية والتخلي عن التعددية الثقافية والجنوح صوب "الواحدية الثقافية" موجودٌ أيضاً. لا يمكن إبعادُ هذا عما نقوله وهو "كونوا تعددين. إنها لحقيقةٌ واقعية. وهكذا هو الواقع". إنه صراعٌ ديمقراطي يمكن أن نخسر فيه، لكن علينا أن نخوضه حتى النهاية. لا نستطيع التخلي عن الأمر.

ما الذي أريده لأبناء مجتمعي؟ أريدهم أن يكونوا فاعلين في عملية التغيير التي نستهلُّها. إن لهذه العملية التي نحاول إطلاقها أبعاد مختلفة ومتعددة: حزبٌ سياسي، حركة شبابية، مشروع مدارس إسلامية، مشاريع إعلامية، مشاريع فنية. يمكن للناس أن يختاروا ما يناسبهم من هذه العلمية كلها. لكن، هذا هو ما هو عليه: التعبئة.

ما الذي نقدمه لأوروبا؟ حسنٌ، نحن جزءٌ من أوروبا. نريد أن نعيش مثل غيرنا، أي ككائنات بشرية. لستِ تأكلين وتشربين وتنامين فقط؛ فأنت تريدين الكلام أيضاً، وتريدين التعبير عن نفسك. ليس علينا أن نقدم أي شيءٍ إضافي كمواطنين. لا نريد إلا أن نكون قادرين على العيش.

لكنكِ إذا سألتني ليس عمّا يجب علينا تقديمه بل عن ما يمكن لنا أن نعطيه لأوروبا فإنني أقول، كما قلت لك: من المحفِّزِ دائماً امتلاك رؤى مختلفة. إن كثيراً من الأفكار في أوروبا، مثل الكثير من الأفكار في مجتمعنا أيضاً، هي أفكارُ متمركزةٌ إثنياً ويعتبرها أصحابها كونيةً في الوقت الذي هي ليست كذلك.

أعتقد أنه من الطيّب بالنسبة للإنسان أن يرى نفسه وفق منظورٍ نسبيّ. يساعدنا الأوروبيون في هذا، وربما يبالغون في مساعدتنا هنا في آنتويرب. ربما نستطيع أن نقوم بنفس الأمر تجاهكم على المدى البعيد.

أوبن ديموكراسي: لا بد أنك شاهدت تلك اللَّقطة السينمائية لمالكوم إكس، ذلك المشهد المهم حيث يسير صاعداً الدرج ترافقه صبيةٌ بيضاء تقول: "أريدُ أن أساعد حركتكم. ما الذي أستطيع فعله؟". فيقول لها: "اذهبي إلى البيت". ماذا كنت لتقول؟

دياب أبو جهجاه: علي أن أقول لك أنني صرت اختصاصياً بمالكوم إكس. إنه يسحرني. كانت ذلك اللقاء في فترة "أمة الإسلام". لقد غيّر موقفه فيما بعد. وعندما أنشأ منظمته من أجل الوحدة الأفريقية الأمريكية بدأ يقول: "تستطيعون مساعدتنا، لكنكم لا تستطيعون الانضمام إلينا".

لقد اجتزنا خطوةً إضافية؛ فإن لدينا في الرابطة العربية الأوروبية من هم غير مسلمين وغير عرب أيضاً. إنهم ناشطون كاملو العضوية في المنظمة وهم يملكون حق التصويت في المؤتمر ولديهم فرصة قيادة مجموعات عمل في الرابطة. لكنهم لا يستطيعون قيادة المنظمة. إنه الحد الوحيد أمامهم: يجب أن يكون الرئيس إما عربياً أو مسلماً لأننا حركةُ انعتاق، ولأننا نؤمنُ بأن النضال من أجل الانعتاق يجب أن يقاد من قبل أناس يريدون تحرير أنفسهم.

إذن، يمكنكِ الانضمام إلينا، ويمكنكِ مساعدتنا، لكن لا يمكنكِ قيادتنا.

3- ما الذي تريده الرابطة العربية الأوروبية ؟ مطالب أبو جهجاه.

أوبن ديموكراسي: ما هي مطالبكم الأساسية الآن؟

دياب أبو جهجاه: فلأبدأ بالمطلب العام. إن أكبر مطالبنا هو الحقوق المتساوية مع الحفاظ على الهوية. إننا نربط الأمرين معاً.

لدينا أربعة مطالب ملموسة. فأولاً، نطالبُ بأن يقبل المجتمع المتعدد ثقافياً تعدديته هذه كواقعٍ وكحق وكقاعدة. ثانياً، لابدّ لكم من بنى من أجل الحفاظ على هوية الأقلية. تدعو الرابطة العربية الأوروبية لحرية الاختيار التعليمي بحيث تتناسب مع الحرية التعليمية في المجتمع كله. فمثلاُ، هنا في بلجيكا، لدينا كل أنواع المدارس: الكاثوليكية والبروتستانتية واليهودية ومدارس رودلف شتاينر؛ لكن، ليس المدارس الإسلامية. قولوا أنكم راغبون بافتتاح مدرسة إسلامية وسيأتيكم الرد فوراً: "ليست هذه بالفكرة الحسنة لأنها ضارةٌ بالتكامل". نحن متهمون بأننا "دعاة فصل عنصري". نقول أن ردود الفعل هذه تعكس سياسة تذويب اجتماعي غير مقبولة.

في الحقيقة فإن نفس المبدأ مطبقٌ على الحركات الكشفية. لقد بدأنا بحركةٍ كشفية إسلامية في بلجيكا، لكن الناس أصيبوا بالجنون وراحوا يسألون: "لماذا لا تنضمون إلى الحركة الكشفية العادية؟"، فأجبنا: "وما هي؟"، فقالوا: "حركة ". ترمز الأحرف للكشافة الفلامنكية الكاثوليكية. كيف تفترضون أن ننضم لهذه الحركة؟. وعندما تذمرنا من ذلك بدأوا بالقول: "حسنٌ، لقد كنا هنا أولاً"؛ إنه مستوى وضيع للنقاش. إن النقاش معهم غير ممكنٍ أحياناً.

المطلب الثالث لدينا مطلبٌ اجتماعي ـ اقتصادي مع أنه مرتبطٌ بقضية الهوية أيضاً.إن لدينا مشكلة بطالة كبيرة في مجتمعنا وهي ناتجةٌ عن التمييز البنيوي ضد المسلمين. نطالبُ بإجراءات لمحاربة التمييز: أفعالٌ إيجابية من جميع الأنواع بما في ذلك أوضح الأشكال وأكثرها هجوميةً: حصص تشغيل للأقليات غير الأوروبية.

نحن ندعو لإعادة توزيع العمل لمواجهة الطبيعة العالمية لمشكلة البطالة. نطالبُ بمرحلةٍ من الإجراءات الإيجابية في بلجيكا لردم الهوة الموجودة الآن بين الأغلبية والأقلية بفعل سوق العمل. ونقترحُ أسبوع عمل من /32/ ساعة مما سيخلق فرص عمل جديدة. يجب أن توزع فرص العمل هذه على نحوٍ متساوٍ دون أي تمييز.

نأتي الآن إلى الإسكان. ثمة قدرٌ كبير من التمييز، في سوق الإسكان، ضد من يحملون أسماء عربية. إنهم يُرفَضون بشكلٍ منهجي ويُدفَعون إلى المناطق التي تتركز فيها الأقليات الإثنية. ليست هذه مشكلةً بالنسبة لنا في واقع الأمر؛ لكنها، يمكن أن تتحول إلى مشكلة عندما تجتمع مع الحرمان الاقتصادي ـ الاجتماعي. نطالبُ بقوانين تحكم تأجير البيوت على أساس المبدأ القائل: من يأتي أولاً يُخدَم أولاً. هذا إضافةً إلى مطالبتنا بقدرٍ أكبر من التمويل الحكومي المقدم للإسكان الاجتماعي.

المطلب الرابع متصلٌ بالتعليم. في بلجيكا، لا يُنهي 60% من الطلاب تعليمهم المدرسي. ثمة مشكلة بنيوية واضحة. النظام غير ناجع. ولا بدّ من جعله ناجعاً. لابدّ من تغييره. وهذا يعني الإصغاء لمطالب المجتمع الإسلامي. لماذا لا يمكنكِ اختيار اللغة العربية كلغة ثانية في المدرسة؟ لماذا البولونية وليس العربية؟ أطالبُ بأن تقدم المدارس الحكومية العادية للطلاب فرصة دراسة اللغة العربية. بهذه الطريقة لن يكون أهلهم مضطرين لإرسالهم إلى الجوامع بعد المدرسة، أو في عطلة نهاية الأسبوع، ليتعلموا العربية هناك. وبهذه الطريقة سيكون لدى الأطفال وقتٌ من أجل اللعب.

أوبن ديموكراسي: إنكم الرابطة العربية الأوروبية؛ لكن، هل من الممكن حقاً أن تكون لديكم استراتيجية أوروبية عليا واحدة؟

دياب أبو جهجاه: تقدم كل أمةٍ أوروبية مجرىً مختلفاً، لكن للمجتمع المحلي العربي ـ الإسلامي سمات عامة إضافةً إلى نقاط تميّزه القومي. قارني بلجيكا بهولندا. لا توجد لدينا مدرسة إسلامية واحدة في بلجيكا، بينما يملكون سبعاً وثلاثين مدرسة في هولندا. إن في هولندا محطة تلفزيون إسلامية على الشبكة الحكومية. ليس للمجتمع الإسلامي في بلجيكا تعبير إعلامي.

إن الرابطة العربية الأوروبية منظمة فيدرالية ذات ثلاثة فروع قومية: يُبنى أحدها في فرنسا الآن وهذا ما سيستغرق قرابةَ سنة، وفرعان عاملان بشكلٍ كامل في بلجيكا وهولندا. وبعد ذلك ستأتي إيطاليا وأسبانيا. نحن نؤجل بريطانيا لمرحلةٍ لاحقة (بعد فرنسا)، ففيها مجتمع محلي إسلامي من ستة ملايين شخص، وهو ضعفي عدد سكان لبنان.

تُتيحُ هذه البنية الفيدرالية لنا مرونة التعامل مع الحالات المختلفة. لدينا لجنة مركزية منتخبة من قبل المندوبين من جميع الفروع، وهي تقررُ الإيديولوجية والاستراتيجية والبُنية. ولدينا مكتبٌ سياسي منتخب من اللجنة المركزية يتولى القرارات الإيديولوجية بما يتعلق باستراتيجيتنا العامة. لكن كل الصلاحيات الأخرى صلاحياتٌ محلية. أَنريدُ المشاركة في الانتخابات القومية أم لا؟ من يقرر ذلك هو الفرع "المحلي"، فهو من يختار التحالفات السياسية، وهكذا دواليك.

أوبن ديموكراسي: ما علاقتكم بالمجتمع المحلي التركي في أوروبا؛ في ألمانيا مثلاً؟

دياب أبو جهجاه: لا صلات لدينا بالمجتمع التركي في ألمانيا. لدينا بعض الصلات بالمجتمع العربي (الأصغر) هناك وهو منتشرٌ في كل أنحاء ألمانيا. إن صلتنا هي مع الفلسطينيين في برلين بشكلٍ أساسي.

سينضم بعض المرشحين الأتراك للقائمة الانتخابية للحزب الديمقراطي الإسلامي، وهو الحزب الذي نُؤَسسه ليشارك في الانتخابات العامة عام 2006.

إن صلتنا بهم هي على ذلك المستوى وهي ليست صلةٌ عضوية بين الحركتين. إن للمجتمع التركي منظماته الخاصة. إنه مجتمعٌ قوميٌّ مختلف. كلانا مسلمٌ؛ صحيح، لكن لدينا فروقنا القومية أيضاً.

في المشرق العربي (كمقابلٍ للمغرب العربي، وهو المنطقة العربية الوحيدة التي لم يحتلها العثمانيون)، ثمة بعض المشاعر الباقية حتى اليوم والمتعلقة بوحشية الاحتلال العثماني؛ وخاصةً إبَّان الحرب العالمية الأولى التي شهدت ترحيلاً واسعاً للناس لجعلهم يعملون في معسكرات الإمبراطورية العثمانية. فَقَدَ جدّي، على سبيل المثال، عشرةَ أخوةٍ. لقد ذهبوا إلى الأناضول ولم يعودوا قط. يتذكر الناس هذا في سورية ولبنان ومصر لأن تركيا، وحتى التغيير الأخير في حكومتها، قد تبنّت سياسةً مواليةً لإسرائيل. قد يتغير ذلك الآن مع إعادة اكتشاف الأتراك لجذورهم الإسلامية وحسّهم بالانتماء؛ لكن للتاريخ دوراً.

أوبن ديموكراسي: ما رأيكَ بفكرة طارق رمضان من أن المسلمين في أوروبا قادرون على أن يكونوا منبعاً خاصاً لتجديد الفكر الإسلامي؟

دياب أبو جهجاه: هذا غير صحيح. عندما يتعلق الأمر بالتجديد فإن الفكر الإسلامي في العالم العربي أكثر ديمقراطيةً من الفكر الإسلامي في أوروبا. خذي طارق رمضان نفسه كمثال. قارنيه بكتابٍ مثل فهمي هويدي أو طارق البشري، أو بكل مجموعة مفكري التيار الرئيسي الذين يُدْعَون أحياناً "الإسلاميين الجدد"، والذين هم أكثر تجديداً وأبعد مدىً في طروحاتهم. إنهم يقدمون أنفسهم بصفتهم "أهل الوسط". إنهم معروفون جيداً وحائزون على احترامٍ كبير. المشكلة الوحيدة هي أنهم غير مترجمين كثيراً. وحدها الغرائب هي ما يُترجم عن العربية.

مازال طارق رمضان يُبدي سمات إيديولوجية الإخوان المسلمين القديمة. هذا من حقّه، لكن الناس الذين يقومون بالتجديد موجودون في العالم العربي، في مصر. المشكلة مع الإسلام الأوربي كامنةٌ في أنه يهملُ الهوية الإثنية ـ الثقافية. هذا طريقٌ للذوبان في المجتمع. الإسلام دين، أما الهويةُ فهي ليست إسلاميةً فقط. لست مسلماً فحسب؛ فأنا عربيٌّ أيضاً، ولي لغتي، وثقافتي، ولدي موسيقا، ولدي فنون ومسرح وأشياءٍ كثيرة ذات أهميةٍ بالنسبة لي؛ لأن تفكيري ليس محصوراً في الله وفي كيفية الصلاة.

من الأسهل للمرء أن يعبئ الناس إن كان يتحدث عن الإسلام فقط. لكننا اخترنا طريقاً أكثر صعوبةً وتعقيداً. وباختيارنا مواجهة هذا التحدي فإننا نحقق النجاح رغم العقبات. وسببُ هذا هو أنك عندما تتحدثين مع الناس لفترةٍ من الزمن فإنهم يدركون أن هويتهم أكثر تعقيداً من أن تقتصر على الدين. إنهم يلمسون هذا في نفوسهم.


ترجمة الحارث النبهان


الجمعة، آذار 18، 2005

اصلاح جامعة الدول العربيةهل هو أمر ممكن؟

استوقفني اليوم من جملة الأخبار التي باتت تقليدية عن لبنان و فلسطين و العراق خبر عن القمة العربية المزمعة في الجزائر. لا ليس الطرح الاردني للتطبيع فذلك ايضا تقليدي و مستهلك و هو في كثير من الدول العربية تحصيل حاصل على أية حال و تلك قصة أخرى. انما ما استوقفني فعلا فهو مشروع انشاء برلمان عربي و محكمة عدل عربية. و السؤال هو الى أي مدى نستطيع أخذ الدعوات هذه على محمل الجد؟
أذكر في لقاء لي مع عمرو موسى مرة في بروكسل كيف كان يرتعش خوفا من ذكر الحكومات العربية و كيف كان يخشى ان تأخذ عليه مأخذ التعامل مع جالياتها في الخارج معتبرة ذلك تجاوزا لهامش الحرية التي تتمتع بها الجامعة. و عندما قلت له بأننا لسنا جالية تابعة لأي دولة عربية لأننا " جالية عربية" و ليس لبنانية أو مغربية أو مصرية نظر عندها الى سفير جامعة الدول العربية في بروكسل و قال له " شفت, هم اللي بيطلبو مش لازم نخاف" و لكن الشيء الذي بقي في ذاكرتي هو الخوف الذي رايته.
عمرو موسى جاء الى جامعة الدول العربية مبعدا سياسيا من مصر التي كان قد بدأ يشكل فيها ثقلا معينا قد يستخدمه البعض لتهديد موقع مبارك و تعيينه أمينا عاما للجامعة كان بمثابة ترقية للاقصاء. و لكنه جاء أيضا حاملا أملا باصلاح الجامعة و جعلها أدات فعلية للعمل العربي المشترك و ليس أداة لتغطية العجز العربي و الانقسام العربي . الأفكار التي حاول ادخالها الى الجامعة و أهمها فكرة خلق مفوضيات على غرار المفوضيات الاوروبية يرأس كل منها مفوض يكون بمثابة الوزير بحقيبة. و قد بدا محاولته جذب شخصيات عربية ذات ثقل مهني و اعلامي و شعبي لتشغل هذه المناصب كان أبرزها حنان عشراوي. الهدف كان اجبار الحكومات على الاعتراف بدور أكبر لأطر الجامعة و خلق مساحة معينة للتحرك المستقل و الفعال. و لكن محاولة الالتفاف على الدول باءت بالفشل و سرعان ما تبخرت فكرة المفوضيات هذه. السبب هو أن الدول العربية تنظر الى الجامعة كعذر و غطاء لعدم رغبتها بالعمل المشترك و كالية أو بالأحرى سكرتاريا للقاءات القمة. و نحن نعرف من تجارب التكامل و الوحدة الأوروبية أن أي مشروع و حدوي لا بد أن يحتوي قدرا معينا من التنازل عن السيادة للدول المنضوية فيه لصالح جسم "ما فوق وطني" . و السيادة المنتقلة الى ذلك الجسم أو المؤسسة تتراكم لتكون مساحة سيادية أوروبية تتحرك في اطارها المفوضية الاوروبية ممارسة تلك السيادة ملزمة الحكومات الاوروبية بالتقيد بتوجيهاتها في اطار المساحة تلك. أما في الميادين التي لا تدخل ضمن اطار تلك المساحة السيادية المشتركة فانها تبقى سيادة وطنية لكل من الدول المشاركة في الاتحاد الأوروبي و اذا ما نوقشت في اطار الاتحاد الأوروبي فتكون مناقشتها في اطار القمم الاوروبية و لا يتم البت بها الا من منطلق الاجماع الأوروبي.
الجامع العربية هي اذا شبيهة بالاتحاد الأوروبي اذا ما اسقطنا منه تلك المساحة السيادية المشتركة. و لكن تلك المساحة هي في نفس الوقت صميم الاتحاد الاوروبي و جملة انجازاته. فاذا ما درسنا مدى نجاح الأوروبيين في بناء عمل مشترك في المواضيع لتي تخرج من اطار المساحة السيادية المشتركة نجد أن السجل الأوروبي ضعيف جدا. فالسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي غير منتظمة و التباين بين الدول الأوروبية واضح و كذلك الأمر في الميادين الأمنية و العسكرية. و تلك أنظمة ديمقراطية الشكل و المضمون الى جزء كبير و لكنها تعجز عن التنسيق و التعاون الفعلي في المجالات التي لا يتم فيها نقل السيادة. أما البرلمان الأوروبي فلا يتعدى كونه مجلس وصاية على المفوضية من ناحية الميزانية و بعض التوصيات العامة. و هو لا سلطة له في اي مجال اخر و حتى أن تأثيره في الجالات السيادية الاوروبية المشتركة جزئي.
فكيف ننشئ برلمانا عربيا حرا و معظم الدول العربية لا برلمانات حرة فيها؟ و كيف نضمن انتخاب النواب لهذا البرلمان و الشعب العربي لا يستطيع اختيار ممثليه الحقيقيين في معظم الأقطار؟ هل يريد عمرو موسى برلمانيين عرب معينين يكونون سفراء لانظمتهم؟ و اذا كانت الديمقراطيات نفسها عاجزة عن العمل المشترك الفعال في اطار تكاملي من دون نقل فعلي للسيادة فكيف تنجح الديكتاتوريات في نقل جزء من سيادتها الى برلمان عربي و مفوضية و هي ترفض مشاركة هذه السيادة مع مواطنيها انفسهم؟

و لكن رغم قناعتي بان مشروع البرلمان هذا سيبقى حبرا على ورق الا أنني اشجعه و أعتقد أنه في حال حصوله سيكون خطوة جبارة فعلا على طريق اصلاح الية العمل العربي المشترك, لماذا؟

أولا من حيث الناحية الرمزية الادراكية. فمن يقول برلمانا عربيا يقول جنوح نحو وحدة سياسية عربية و هو موقف لا يمكنني كقومي عربي الا أن أعتبره ايجابيا في اطار الصراع الفكري القائم في الوطن العربي بين التقوقع القطري و الطرح القومي الواسع.
ثانيا: من يقول برلمان لا بد من ان يقول انتخابات و ان لم يكن البرلمان منتخبا فذلك يفتح مجالا للنقاش و المطالبة بان يكون منتخبا و اذا كان منتخبا فذلك بحد ذاته خطوة جبارة سواء تمتع بصلاحيات أم لم يتمتع.

ثالثا: من يقول برلمان يقول قوانين و توصيات و مذكرات و اقتراحات و نقاشات بين مواطنين عرب من مختلف الأقطار حول مواضيع مشتركة و ذلك يخلق مساحة اضافية للتبادل الفكري و للجدل الاجتماعي المشترك و ان كان رمزيا.

و لكن لذات الأسباب أنا أعتقد أن الأنظمة لن تسمح بخلق هكذا الية و ستقعل كل ما في وسعها لجعلها ملفا جديدا يضاف الى مئات ملفات العمل العربي الرسمي المشترك المنسية.
لذلك برايي لا بد من أن يركز السيد عمرو موسى على خلق مساحة سيادية عربية مشتركة أولا قبل خلق الاطارات التي يفترض أن تديرها. و المجال الأكثر ملاءمة لذلك هو المجال الاقتصادي فأين مشاريع السوق العربية المشتركة و الوحدة الجمركية؟ عندما نرى شيئا على الأرض في ذلك المجال سنقول بأن جامعة الدول العربية لم تعد تلك الالية العاجزة المترهلة بلأ أصبحت تحمل مشروعا تكامليا حقيقيا


اقتراح لحل الأزمة في لبنان


ليس من باب التشبه بالقذافي و حلوله الباهرة لكل مشاكل العالم و لكن دياب أبو جهجه يقترح حلا أراه مناسبا للخروج من الأزمة في لبنان.
من أجل قراءة المقالة أنقر هنا

المقالة باللغة الانكليزية و هي تقترح تنصيب بهية الحريري مكان عمر كرامي لرئاسة الحكومة. و لكنني أعتقد أن الوضع في لبنان تعقد بشكل يجعل قبولها بهذه المهمة محل شك.
و لكن هل من مخرج اخر؟ هذا اذا ما كنا نبحث عن تسوية أصلا

الثلاثاء، آذار 15، 2005

فلتسقط القومية اللبنانية العنصرية

كتب دياب ابو جهجه:
نعم لقد نزلوا بمئات الألاف بالأمس.... بل فلنعترف لقد كان عددهم أكثر ممن نزل يوم الثلاثاء الماضي ليهتف للمقاومة و للعروبة. بالأمس كانو أكثر من مليون يهتف للبنان "أولا و أخيرا" و يهتف للاستقلال اللبناني عن العروبة و عن المقاومة.
لا, لا تلوموني و تدعوني الى التعقل و الاعتدال فانا لست معتدلا مع الخيانة و السقوط و الاقليمية. أنا لست معتدلا في مواجهة الاستسلام للمشاريع الأميركية و لست معتدلا أمام انفجار الموجات العنصرية, أنا بكل بساطة أخذ موقعي أطلق موقفي على أساس مسؤولية قومية ديمقراطية عربية.
ما شاهدناه بالأمس ثورة قومية لبنانية... قومية لبنانية تنفي العروبة الا تشدقا و مناورة ... تنفي المقاومة الا مراعاة لمعايير القوى ... ترى العدو في العربي السوري و لا تراه في الاسرائيلي و لذا لم تحرك ساكنا لمقاومة الاسرائيلي عندما اجتاح لبنان بالحديد و النار لا بل تعاملت معه معظم مكوناتها , و تنفجر الأن في وجه الشقيق العربي و تضع نفسها في خانة الولاء و الطاعة للأجنبي.

لا تطلبوا مني ألا أدين القومية اللبنانية, أنا أدينها بكل تجلياتها. بتجلياتها المتعقلة و تلك المتطرفة. بتجلياتها الديمقراطية و الفاشستية. بتجلياتها الانسانية و العنصرية, أنا أدين القومية اللبنانية كما أدين القومية المصرية و السورية و المغربية و كل فكرة قومية في قطر عربي تنفي العروبة و تتشبث بالارث الاستعماري لسايكس بيكو و غيرها من اتفاقيات التقسيم و التشتيت.
أدينها كما أدين القومية الفلسطينية التي لا تحسن الا التنازل و التنازل والهروب من المعركة. أدين كل هذه القوميات باسم القومية العربية و باسم الوحدة الموضوعية للواقع العربي الذي يتطلب ردا قوميا و حلا قوميا للمشاكل التي يطرحها.
أنا أدين هذه القوميات مبدئيا باعتبارها نزعات انفصالية انعزالية,و ادين هذه القوميات براغماتيا باعتبارها عاجزة عن تقديم الحلول المرجوة من أجل مستقبل عربي سيد حر و مستقل و ديمقراطي. و أدينها سياسيا من حيث كونها جزء من المشروع الأميركي الصهيوني لتفتيت الوطن العربي و قهره أكثر مما هو مقهور.
و قد يقول قائل بانني استعمل لغة من الماضي و اتكلم عن الامبريالية و الصهيونية الا أن الحاضر اكثر عرضة لمخاطر الامبريالية الوحيدة المهيمنة و الصهيونية الشارونية الجابوتنسكية. الحاضر يشهد وجود جحافل الامبرياليين العسكرية على ارضنا اكثر من اي و قت مضى و عصر الانحسار العربي الكلي و تحول الوطن الى هشيم في جحيم العولمة الشرسة و الرسالة الحضارية للرجل الابيض التي يحملها بوش اكثر مما حملها رواد الاستعمار الاوائل في القرون الغابرة.
و في هذا العصر بالذات عصر الايديولوجيا المهيمنة المطلقة اقنعونا بأن الايديولوجيات انتهت!
و في هذا العصر بالذات عصر الهيمنة العسكرية المباشرة و انعدام قيمة القانون الدولي و انتهاء دور الامم المتحدة و تحولها الى قطيع يقوده الأميركي اقنعونا بأن عصر الشعوب و ديمقراطيتها قد بدأ!
في هذا العصر بالذات عصر تسكع الشياطين على زوايا أمتنا و دخول ألسنة الجحيم الى ديارنا أقنعنا الشيطان بانه أسطورة, و هذه أفضل لعبة لعبها الشيطان عن العالم بأن اقنعه بأنه ليس موجودا.
لذلك اسمحوا لي ان اتكلم عن الامبريالية و الصهيونية.... اسمحوا لي أن اهزأ من شعارات الحرية و الديمقراطية و أسخر من نسبيتها و هرائيتها حين تحملها حناجر الطوائف المتشرذمة الخارجة كقطعان الضباع لتفترس لبنان أولا من بين احضان أمته العربية النائمة ثم تتناهشه من جديد كما كانت دائما تتناهشه فيما بينها. مزرعة للطوائف لا أكثر ولا أقل. فاسمحوا لي ان أقول لكم أن حبي للبنان بلدي ووطني لا ينبع الا من حبي لأمتي العربية ووطني الأكبر. و أن فساد دعاة القومية و طاغوتهم ليس مسؤوليتي و لن يدفعني للردة عن قوميتي العربية التي اراها انسانية في اعماقها, يسارية في مضامينها, ديمقراطية في منهجها . اسمحوا لي بأن أمزق أعلامكم المصطنعة القبيحة و ألوانها و معالمها التي خطها الاقطاعيون بأيديهم و هم يقتسمون عرق اجدادي و أجدادكم و دماءهم. اليوم أعلن انفصالي عن كل تيار ما لم يكن عروبيا و عن كل توجه عنصري يعتبر طعن العمال الفقراء العرب حتى الموت بالسكاكين عملا مشروعا باسم تحرر
دولة مسخ استعمارية. اعلن انفصالي عن حريتكم و استقلالكم و سيادتكم الفاشية.
أنا واثق بأنني لست الوحيد الذي يرفض لبنانكم هذا , أنا واثق من انني لست الوحيد الذي يمقت اقليميتكم و عنصريتكم و تكبركم بالأجنبي و تخاذلكم عن مقاومة المحتل الحقيقي و تكالبكم لطرد العربي ولو اخطأ. و تلفيقكم للتاريخ و للجغرافيا و حتى للعلوم التطبيقية.
و لكن حتى لو كنت وحيدا في لبنان مع هذا الموقف.... فهذا هو الموقف الوحيد, و الموقف سلاح!

الكاتب رئيس الرابطة العربية الأوروبية

الاثنين، آذار 14، 2005

من العراق للبنان: عصر التناهش الطائفي

نزل الشيعة الغاضبون اليوم في بغداد الى الشارع و أحرقوا علم الأردن بعد أن نزعوه عن السفارة و ذلك بعد أن اعتبر مواطنون أردنيون على شاشات الفضائيات العربية أن الانتحاري الذي قام بعملية "الحلة" حيث فجر مسجدا شيعيا شهيد.
و هذا الغضب مفهوم و في محله فكيف يكون قاتل الأبرياء المصلين في مسجدهم شهيدا الا اذا فهمنا العقل السلفي التكفيري المريض الذي يقود هؤلاء الحلفاء الموضوعيين للموساد و السي اي ايه من زمر الزرقاوي.
فهذا الشرخ الطائفي الذي يتعمق و يظهر أكثر و أكثر الى السطح و الذي غذته و تغذيه الماكينة الوهابية الأميركية المتأمركة و ان انقلب على أسياده بعض الأحيان الا أنه يخدمهم على المدى الأبعد لا محالة.
فكل ما يبق على الوطن العربي في تشرذمه و تخلفه و انقسامه مفيد . فلننظر الى لبنان اليوم حيث تحتشد الطوائف ردا على تظاهرة الشيعة المليونية. و مع أن التظاهرة السابقة لم تكن شيعية صرفة و شاركت بها فئات متنوعة الا أن المنطق الطائفي اللبناني يرفض النظر اليها من خارج سمومه المنفوثة فها هي مظاهرة الموارنة و الدروز و النصف الميسور من السنة في مواجهة النصف الأخر.
الى متى يغيب المشروع العروبي الديمقراطي العلماني ؟

الأحد، آذار 13، 2005

التقرير الثوري العربي

انتظروا قريبا على هذا الموقع تقريرا دوريا يصدر كل شهر عن الوضع في الوطن العربي من منطلق الرؤية الثورية العربية. التقرير سيكتبه عدد من الباحثين القوميين الاشتراكيين العرب و سيحاول الجمع بين تحليل موضوعي ثاقب للأحداث من جهة و بين وضع الأحداث في اطارها القومي سعيا وراء قراءة انعكاساتها على الحالة الثورية العربية. المنهجية المتبعة ستعتمد على مقولة مؤسسة و هي أن الوطن العربي نسق مترابط على جميع المستويات. كم أنه ستتم مقاربة الواقع مقاربة جدلية تقرؤه في اطار التناقضات التي يحتويها.

المقاربة المنهجية للتقرير ستظهر أولا على موقع الثورة العربية يليها أول تقرير خلال أقل من أسبوع

السبت، آذار 12، 2005

الثورة قادمة لا محالة

تناقلت وكالات الأنباء اليوم تفاصيل دراسة أجرتها هيئة الاحصاءات الرسمية في الولايات المتحدة الأميركية و فحواها أن الأميركيين من أصل عربي هم الجالية الأكثر تقدما في الولايات المتحدة حيث يبلغ معدل دخلهم السنوي 52000 دولار للفرد بينما المعدل الأميركي الوسطي للدخل هو 50000 دولار للفرد.
و العرب لا يتميزون فقط ماديا بل أيضا في مستواهم التعليمي حيث تبلغ نسبة الحائزين على شهادة جامعية منهم ما يزيد عن 45 بالمئة بينما المعدل الأميركي هو حوالى 20 بالمئة .
و من دون الدخول في تحليلات حول أسباب هذا النجاح الظاهر لا شك بأن تحرر الانسان العربي من قيود الديكتاتورية و الفساد سيقوده نحو تفجير طاقاته و المحزن هو أن تتاح له هذه الفرصة خارج وطنه و ليس داخله.
الوضع العربي قد يقود الواحد منا الى اليأس أو الجنون و لكن الحري بنا أن يقودنا هذا الوضع الى الثورة أي الى الرغبة بتغييره .
الثورة تبدأ بنمو الوعي الانساني بضرورتها بحتميتها كطريق وحيد للخروج من أزمة الطريق المسدود و دوامة التجاذب بين الاصلاح المظهري و الانحلال الواقعي.
الثورة ليست خيارا لأنها تفرض نفسها طريقا أوحدا, حلا أوحدا, انفجارا لا مفر منه و لا مهرب من وجهه.
الثورة في الوطن العربي قادمة لأنها تتعاطى بمنطق الديموغرافيا و بمنطق تفاوت النمو الاقتصادي نسبة للنمو البشري و بمنطق انعدام منافذ الهجرة القادرة على تنفيس الضغط الاقتصادي الاجتماعي و انعدام فرص العمل الجديدة القادرة على استيعاب الشباب المتدفق على سوق محلية تحكمها أطر اقتصادية صيغت في القرون الوسطى.
الثورة في الوطن العربي ستكون اشتراكية لأنها ثورة لقمة العيش و ستكون قومية لأنها تتحرك في اطار ادراكي مشترك نابع من واقع موضوعي مشترك هو الواقع المجتمعي العربي.
قد تستطيع الديكتاتوريات تأخير الانفجار و لكنها لن تستطع منعه فالاحتقان مستمر و التنفيس محدود و قدرة الاستيعاب قاربت على الاستهلاك الكلي.
لن يطعم بعض الماكياج الديموقراطي فقراء القاهرة و لن يسكت جوع ابناء الدار البيضاء الفقراء لأن معارضة جلالة الملك تتكلم و لن يجد العاطلون عن العمل في الجزائر عملا في فرنسا و لن يهاجر كل الذين وصلوا في بلادهم الى الطريق المسدود..... هل تسمعون قرع الطبول؟ انه نذير العاصفة



الأربعاء، آذار 09، 2005

ثورة العروبة في لبنان

من كان يظن أن الثورة في لبنان هي ثورة على العروبة و ثوابتها خرج خائبا مهزوما بالأمس عندما أدرك بأن الثورة المليونية الحقيقية في لبنان هي ثورة العروبة على الاختراق الذي شكله الطابور الخامس لمشاريع بوش الشرق أوسطية خلال الأسابيع الأخيرة.
أكثر من مليون و نصف متظاهر غصت بهم بيروت و تعددت انتماءاتهم الطائفية و الحزبية التقوا على جملة شعارات بالأمكان اختزالها بشعار واحد: لبنان بلد عربي مقاوم ملتزم بقضايا أمته متضامن مع أشقائه.
أما المتاجرون بأسهم الديموقراطية الأميركية المزيفة مثل وليد جنبلاط و غيرهم فهم الأن أقزام أمام هذا الاستفتاء الشعبي الصادق و الذي يعبر عن الصلب الأساسي للديموقراطية.
انتهت اللعبة و بدأ وقت المواقف الثورية العربية الحرة.
تحية من القلب الى ثوار لبنان الحقيقيين

الاثنين، آذار 07، 2005

فلتفرز القوى على اساس موقفها من المشروع الأميركي


كما توقعنا بالأمس اعلنت القوى و الأحزاب القومية و الاسلامية في لبنان نيتها التحرك جماهيريا في مواجهة الحملة الأمريكية-الصهيونية ضد سوريا و المقاومة.
و الاعلان الذي جاء حاملا دلالة رمزية كبيرة من لسان السيد حسن نصرالله يشكل مدخل مرحلة جديدة تفرز فيها القوى داخليا على أساس موقعها من السياسة الأميركية-الصهيونية في المنطقة و بذلك واضعة ما يجري في لبنان في اطاره القومي الصحيح.
لم يعد أحد يصدق بأن المعارضة في لبنان تحمل برنامجا لبنانيا و تسيرها رغبة محقة في تحقيق سيادة البلد و رفع الوصاية السورية عنه, حتى اقطاب المعارضة انفسهم لم يعودو قادرين على اقناع انفسهم بهذه القراءة التبسيطية لما يجري.
ان المخطط المرسوم للبنان و لسوريا يتعدى بأبعاده السياسة المحلية و يصب مباشرة في صلب مشروع الشرق الأوسط الجديد المبني على انقاض الهوية العربية و القضية الفلسطينية .
ان الكشف عن امتداد الاصابع الاسرائيلية من جديد في الساحة اللبنانية و التحذير المباشر من ان الفرز قد بات واضحا على أساس الموقف من هذا الامتداد جعل المعارضة في حالة ارباك وأعاد المبادرة الى يد قوى الموالاة.
عام 1990 سلمت الولايات المتحدة مفاتيح لبنان الى سوريا مسقطة كل الخطوط الحمر و متيحة المجال أمام حسم الحرب الاهلية اللبنانية و بناء السلم الاهلي على اساس تسوية الطائف و كل ذلك مقابل دور سوري في التحالف الذي شكلته من أجل طرد العراق من الكويت.
اليوم سحبت الولايات المتحدة التفويض من سوريا لأن دمشق ما زالت ترفض الانصياع اما م المشروع الأميركي للمنطقة و لذلك فليس من المستبعد أن يؤدي هذا الى عودة أجواء الحرب الأهلية مع انتهاء دور سوريا في لبنان.
هذا أمر غير حتمي و لكنه الأكثر رجوحا


الأحد، آذار 06، 2005

الخط العروبي يتحرك

بعد أن كاد التيار اليميني المرتبط بالغرب تاريخيا و استراتيجيا و المتحالف مع بعض القوى الطائفية أن يحتكر صورة لبنان و يقدم نفسه على أنه محل اجماع لبناني من حيث المطالب بل و حتى التمثيل السياسي. و بعد أن بدأ حتى العارفين بشؤون و شجون لبنان يصدقون مقولات الوحدة الوطنية الرنانة الطنانة تلك الوحدة التي يريدونها مبنية على نكران انتماء لبنان للعروبة هوية و عمقا استراتيجيا . يبدو أن المد قد بدأ بالانحسار و أن القوى الجماهيرية الحقيقية في لبنان مصممة على القيام بتحرك مضاد.
ان تحييد المعارضة لحزب الله و حركة أمل من الانتقادات اللاذعة التي و جهتها لسوريا و حلفائها في لبنان لا يدل الى على خشية من الثقل الجماهيري الذي يتمع به كلا الطرفان في لبنان. و هو ادراك من المعارضة بأن الممثلين المذكورين للطائفة الشيعية في لبنان يستطيعون سويا حشد أضعاف ما تحشده تياراتها مجتمعة.
و لكن حزب الله يدرك أنه مستهدف في اطار القرار 1559 و أن سلاحه الذي يشكل عاملا أساسيا في التوازن القائم بين لبنان و سوريا من جهة و العدو الصهيوني من جهة أخرى مستهدف كذلك ومن هنا اعلانه المشترك مع حركة أمل بأن تبويس اللحى قد انتهى و بأن المعارضة ستخسر اذا ما استمرت في لعب ورقة الشارع في اشارة واضحة الى ان الشارع سينقلب حجة على المعارضة و ليس لها.
و بعد خطاب الأسد اليوم, بدأت بوادر تحركات تظاهرية في المناطق اقواها في الشمال و الجنوب و لكن الانظار كلها تنصب نحو التحرك الجماهيري في بيروت لحلفاء سوريا و هو تحرك يقترب


الأربعاء، آذار 02، 2005

وزير خارجية اسرائيل يشيد بالمعارضة اللبنانية

أعرب وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم أمس عن أمله بأن لبنان المحرر من الاحتلال السوري سيوقع اتفاق سلام مع إسرائيل معتبرا أن وجود سوريا في لبنان أعاق إبرام معاهدة سلام بين بيروت وتل أبيب.
وقال شالوم للإذاعة الإسرائيلية، بشأن التظاهرات في بيروت، من بودابست انه أهم تطور يحدث، انه أمر كنا نأمله. وأضاف أظن أن هناك أمنية حقيقية لدى المواطنين اللبنانيين بتحرير أنفسهم من الاحتلال السوري، آمل أن التحرر من الاحتلال السوري سوف يعطيهم الحرية والاستقلال وإمكان عقد حوار مع الدولة الإسرائيلية.
وشدد على انه ليس لدينا نزاع مع لبنان، لا نزاع حول أراض أو نزاع اقتصادي. إن السبب الوحيد أنه ليس لديهم سلام معنا هو أنهم كانوا محتلين من قبل سوريا.
وقال شالوم، بعد اجتماع مع مسؤولين في البرلمان المجري في بودابست، لا نعتقد أن سوريا يجب ان تبقى في لبنان، يجب ان ينتهي الاحتلال السوري للبنان. واضاف يجب عزل المتطرفين.. وهذا يعني سوريا وإيران وحزب الله وحماس والجهاد الاسلامي، ويجب في الوقت نفسه محاولة العمل مع مصر والاردن و(رئيس السلطة الفلسطينية) محمود عباس ودول شمال أفريقيا والدول الخليجية.
أ ف ب