كتب دياب ابو جهجه:
نعم لقد نزلوا بمئات الألاف بالأمس.... بل فلنعترف لقد كان عددهم أكثر ممن نزل يوم الثلاثاء الماضي ليهتف للمقاومة و للعروبة. بالأمس كانو أكثر من مليون يهتف للبنان "أولا و أخيرا" و يهتف للاستقلال اللبناني عن العروبة و عن المقاومة.
لا, لا تلوموني و تدعوني الى التعقل و الاعتدال فانا لست معتدلا مع الخيانة و السقوط و الاقليمية. أنا لست معتدلا في مواجهة الاستسلام للمشاريع الأميركية و لست معتدلا أمام انفجار الموجات العنصرية, أنا بكل بساطة أخذ موقعي أطلق موقفي على أساس مسؤولية قومية ديمقراطية عربية.
ما شاهدناه بالأمس ثورة قومية لبنانية... قومية لبنانية تنفي العروبة الا تشدقا و مناورة ... تنفي المقاومة الا مراعاة لمعايير القوى ... ترى العدو في العربي السوري و لا تراه في الاسرائيلي و لذا لم تحرك ساكنا لمقاومة الاسرائيلي عندما اجتاح لبنان بالحديد و النار لا بل تعاملت معه معظم مكوناتها , و تنفجر الأن في وجه الشقيق العربي و تضع نفسها في خانة الولاء و الطاعة للأجنبي.
لا تطلبوا مني ألا أدين القومية اللبنانية, أنا أدينها بكل تجلياتها. بتجلياتها المتعقلة و تلك المتطرفة. بتجلياتها الديمقراطية و الفاشستية. بتجلياتها الانسانية و العنصرية, أنا أدين القومية اللبنانية كما أدين القومية المصرية و السورية و المغربية و كل فكرة قومية في قطر عربي تنفي العروبة و تتشبث بالارث الاستعماري لسايكس بيكو و غيرها من اتفاقيات التقسيم و التشتيت.
أدينها كما أدين القومية الفلسطينية التي لا تحسن الا التنازل و التنازل والهروب من المعركة. أدين كل هذه القوميات باسم القومية العربية و باسم الوحدة الموضوعية للواقع العربي الذي يتطلب ردا قوميا و حلا قوميا للمشاكل التي يطرحها.
أنا أدين هذه القوميات مبدئيا باعتبارها نزعات انفصالية انعزالية,و ادين هذه القوميات براغماتيا باعتبارها عاجزة عن تقديم الحلول المرجوة من أجل مستقبل عربي سيد حر و مستقل و ديمقراطي. و أدينها سياسيا من حيث كونها جزء من المشروع الأميركي الصهيوني لتفتيت الوطن العربي و قهره أكثر مما هو مقهور.
و قد يقول قائل بانني استعمل لغة من الماضي و اتكلم عن الامبريالية و الصهيونية الا أن الحاضر اكثر عرضة لمخاطر الامبريالية الوحيدة المهيمنة و الصهيونية الشارونية الجابوتنسكية. الحاضر يشهد وجود جحافل الامبرياليين العسكرية على ارضنا اكثر من اي و قت مضى و عصر الانحسار العربي الكلي و تحول الوطن الى هشيم في جحيم العولمة الشرسة و الرسالة الحضارية للرجل الابيض التي يحملها بوش اكثر مما حملها رواد الاستعمار الاوائل في القرون الغابرة.
و في هذا العصر بالذات عصر الايديولوجيا المهيمنة المطلقة اقنعونا بأن الايديولوجيات انتهت!
و في هذا العصر بالذات عصر الهيمنة العسكرية المباشرة و انعدام قيمة القانون الدولي و انتهاء دور الامم المتحدة و تحولها الى قطيع يقوده الأميركي اقنعونا بأن عصر الشعوب و ديمقراطيتها قد بدأ!
في هذا العصر بالذات عصر تسكع الشياطين على زوايا أمتنا و دخول ألسنة الجحيم الى ديارنا أقنعنا الشيطان بانه أسطورة, و هذه أفضل لعبة لعبها الشيطان عن العالم بأن اقنعه بأنه ليس موجودا.
لذلك اسمحوا لي ان اتكلم عن الامبريالية و الصهيونية.... اسمحوا لي أن اهزأ من شعارات الحرية و الديمقراطية و أسخر من نسبيتها و هرائيتها حين تحملها حناجر الطوائف المتشرذمة الخارجة كقطعان الضباع لتفترس لبنان أولا من بين احضان أمته العربية النائمة ثم تتناهشه من جديد كما كانت دائما تتناهشه فيما بينها. مزرعة للطوائف لا أكثر ولا أقل. فاسمحوا لي ان أقول لكم أن حبي للبنان بلدي ووطني لا ينبع الا من حبي لأمتي العربية ووطني الأكبر. و أن فساد دعاة القومية و طاغوتهم ليس مسؤوليتي و لن يدفعني للردة عن قوميتي العربية التي اراها انسانية في اعماقها, يسارية في مضامينها, ديمقراطية في منهجها . اسمحوا لي بأن أمزق أعلامكم المصطنعة القبيحة و ألوانها و معالمها التي خطها الاقطاعيون بأيديهم و هم يقتسمون عرق اجدادي و أجدادكم و دماءهم. اليوم أعلن انفصالي عن كل تيار ما لم يكن عروبيا و عن كل توجه عنصري يعتبر طعن العمال الفقراء العرب حتى الموت بالسكاكين عملا مشروعا باسم تحرردولة مسخ استعمارية. اعلن انفصالي عن حريتكم و استقلالكم و سيادتكم الفاشية.
أنا واثق بأنني لست الوحيد الذي يرفض لبنانكم هذا , أنا واثق من انني لست الوحيد الذي يمقت اقليميتكم و عنصريتكم و تكبركم بالأجنبي و تخاذلكم عن مقاومة المحتل الحقيقي و تكالبكم لطرد العربي ولو اخطأ. و تلفيقكم للتاريخ و للجغرافيا و حتى للعلوم التطبيقية.
و لكن حتى لو كنت وحيدا في لبنان مع هذا الموقف.... فهذا هو الموقف الوحيد, و الموقف سلاح!
الكاتب رئيس الرابطة العربية الأوروبية