الأربعاء، نيسان 27، 2005

رد من دياب أبو جهجه على خالد الناصر

الأخ الكريم الدكتور خالد الناصر تحية و بعد,
قرأت ردكم بتمعن و أوافقكم في جملة ما ورد فيها. و الصعوبات التي ذكرتموها موجودة فعلا و أمر واقع لا يجب التغاضي عنه.
و لكن المشاكل تتطلب حلا و الحل يتطلب رؤية و مشروعا و آلية.
طبعا يواجه تأسيس التنظيم القومي اشكالات عديدة و لكن تأسيس ذلك التنظيم ضرورة ملحة و ذلك لنفس الأسباب التي ذكرتها من تشرذم التيار و فولكلوريته و عجزه عن طرح مشروعه على الساحة القومية.
بكلام اخر المشاكل التي تواجه تأسيس التنظيم القومي نابعة من غيابه, تماما كما أن المشاكل التي تواجه تحقيق الوحدة العربية نابعة من واقع التجزئة. و هنا الدائرة الخبيثة التي يجب تحطيمها و الا بقينا ندور فيها و تطحننا في رحاها الى ما شاء الله.
لا بد من خطوة جريئة تتجاوز الوضع الحالي للتيار القومي الناصري و تحطم أطره و الياته التجزيئية التفتيتية بل اكاد اقول الانتحارية.
و لذلك انا لا زلت اؤيد الاعلان عن لجنة تأسيسية لحزب قومي ديمقراطي اشتراكي. و أقول لجنة تأسيسية و ليس الحزب نفسه. و هذه اللجنة التأسيسية تكون مهمتها تحديد الية عملية باتجاه مؤتمر تأسيسي و وضع جدول عملي.
دعونا نحاول ان نحول اللجنة الموجودة في القاهرة و مؤتمرها الى تلك اللجنة. لأنني على يقين بأن اتمام العمل الفكري و اقرار الوثيقة الفكرية لا بد من أن يتبعه تحرك تنظيمي مباشر و الا تحول الجهد الفكري الى سفسطة. فنحن لسنا مدرسة فلسفية بل تيارا نضاليا يحمل مشروعا ثوريا. و لذلك فان جهدنا الفكري لا بد له من أن يتحول دوما الى خطوات تنظيمية و عملية و نضالية.
ما ذا سيفعل مؤتمر الناصريين بعد اقرار الوثيقة الفكرية؟ يجتمع العام القادم لتقييمها؟ و العام الذي يليه لمراجعتها؟ و هكذا دواليك؟
كلا, الواقع لا ينتظر و الظروف لا تنتظر و المعركة حامية و الاسلاميون يقاتلون و يدافعون عن هذه الامة فكيف لا يحكمون غدا؟ و كيف لا يتحول مشروعهم الى المشروع المهيمن؟ ماذا نقول عندما نسال أين كنا كناصريين عندما احتل العراق و عندما اشتدت المعركة هل نقول اننا كنا نتباحث في منطلقاتنا الفكرية؟ و كأننا نناقش جنس الملائكة و العدو على اسوار القسطنطينية.
اخوتي الاعزاء اغفروا لي بعض الانفعال العاطفي و لكنه نابع من ادراك موضوعي لعمق المشكلة المطروحة حاليا و شدة التناقض الجدلي فيها و طبيعتها الطارئة الملحة.
بالنسبة لي, لا بد من أن تتحول لجنة القاهرة الى لجنة عمل تنظيمي و ان تضع الية تأسيسية مرتبطة بجدول زمني. و نحن سنشكل اطارا بادارة الأخ جمال الصباغ يلعب دورا محفزا و ضاغطا من الداخل و ليس من الخارج. و لكنني أقولها بصراحة, اذا ما لم يتمخض المؤتمر عن الية عملية و جدول زمني لتأسيس التنظيم القومي فسيكون فشل في نظري و نظر العديدين من الأخوة. و نحن لم نعتد البكاء على الأطلال و انتظار المبادرة القادمة بل مستعدون و قادرون على الانقضاض على هذا الواقع بكل ما أوتينا من قوة و حزم.
المرحلة القادمة هي مرحلة العمل او الاضمحلال و نحن نختار العمل.
تحياتي
دياب أبو جهجه

"حول مسألة قيام التنظيم القومي

"لا شك لدي في ضرورة وجود إطار قومي جامع لدعوة تحرير الوطن العربي ومواطنيه من كل أشكال الاحتلال والهيمنة والاستعباد الخارجي والمحلي , وانتشاله من وهاد التخلف والظلم بكافة أشكالهما الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية , وإعادة توحيده بعد تجزئته التي فرضتها القوى الاستعمارية ورسختها القوى المحلية المستفيدة منها ؛ إطار يجمع المؤمنين بهذه الدعوة في كل أنحاء الأرض العربية وفي مهاجرهم فيوحد فكرهم وجهودهم ويكون حاملاً لاستراتيجية الوصول إلى أهداف تلك الدعوة , وأداة ً تجسدها وتعمل على تحقيقها .
ولست بالطبع بصدد إيضاح البديهيات فهذه المسألة هي - من الناحية النظرية- موضع إجماع كامل أو يكاد بين الوحدويين العرب ؛ وإن كانوا - من الناحية العملية - قد انتكسوا أو تعثروا أو أخفقوا أو اختلفو في تجسيدها أو تاهوا عنها في زواريب الخلافات الشخصية والنرجسيات والمعارك الجانبية حول قضايا ثانوية رفعوها إلى مرتبة المبادئ أو ربما هامة ولكنها ليست راهنة , وهي ظواهر يجب التأمل فيها والتحري عن أسبابها لتقريب يوم هذا الهدف العزيز المنشود .
وليس قصدي أيضاً أن أظهر إيماني المطلق بهذه المسألة أو أدافع عنه ؛ فلقد سلخت جلّ عمري في سبيل هذه الدعوة منذ أن كنت تلميذاً صغيراً تطارده هراوات شرطة الإنفصال الأسود في شوارع قلعة العروبة العنيدة حلب قبل بضع ٍوأربعين سنة , وقضيت مايزيد على ثلاثة عقود ونصف في التجربة القومية الغنية التي انطلقت بتكليف من قائد الثورة العربية جمال عبد الناصر وامتدت من عربستان والعراق وإمارات الخليج العربي إلى موريتانيا ومن اليمن والسودان إلى المهاجر الأوربية والأمريكية مروراً بأقاليم الوسط العربي وكنانته بالطبع , وكنت في غالبية هذه الفترة ضمن نسقها القيادي الأعلى , وهذه التجربة قد خرّجت كثيراً من قيادات العمل الوحدوي في جل الساحات العربية وعديداً من الشخصيات العربية العامة , وكانت في يومٍ من الأيام تنظيما قومياً حقيقيا ً له قيادته القومية ولجنته المركزية القومية وفروعه المنضوية تحت لوائها , ولقد غدر بهذه التجربة الرائدة تعاقب المحن التي تتالت على الأمة بدءاً من هزيمة يونيو 1967 ثم وفاة جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970 وبعدها انقلاب السادات الذي أطاح بقاعدة الثورة العربية وكذلك تفريط أبنائها بها بعد أن بدأت رمال الشؤون القطرية المتحركة وإغراءات أنظمتها تجر بعضهم وتبطش ببعض وتدخل اليأس والإحباط إلى البعض الآخر إلى أن تحولت إلى ما يشبه الأب المهيب الغائب الذي يحن له الأبناء ولا يجرأون على إعلان وفاته أو تصديقها !.
لقد اضطررت إلى هذه المقدمة التي قد تبدو للبعض اعتذارية تحمل شحنة كبيرة من آثار التجربة الشخصية , لأنني أنوي أن ألقي قولا ً ثقيلا ً علي ّ وعلى الإخوة المتحمسين – ولهم , ولديهم , الحق في هذا – لإقامة تنظيم قومي يوحد الناصريين على وجه الإلحاح والسرعة وصلت بأخ كبير مثل الأستاذ سامي شرف الذي نكن له فائق الاحترام والتقدير أن يكلف الصديق العزيز د. جمال الصباغ بتشكيل لجنة تأسيسية لهذا الغرض وتجاوب مع هذه الدعوة إخوة – لا استثني نفسي منهم – يحملون هذا الحلم ويدعون له منذ أمد ٍ بعيد .
ومع أنني أضع نفسي تحت تصرف هذه المبادرة كما فعلت مع غيرها – وسأظل أفعل حتى نصل إلى الصيغة الملائمة والفعالة - , فإنني لا أخفي مخاوفي من تعثرها مثلما تعثر غيرها فالحماسة والأماني – مهما كانت عارمة وملحة – لاتبني عملا ً ولا تضمن استمراره ما لم ترتكز إلى أرض حقيقية صلبة وحسابات عملية صحيحة وقابلة للتنفيذ , وحتى لا أبدو كمن يضع العصي في الدواليب فإنني سأناقش المسألة وفق هذه المعطيات الواقعية ؛ داعيا الإخوة إلى تأملها بعمق وموضوعية والاجتهاد في وضع الحلول لمعضلاتها من خلال النقاش الجماعي لنصل إلى أفضل بداية تخرجنا من هذا الضياع الذي طال أمده .

أول هذه المعطيات أن مسألة التنظيم القومي – سواء كفكرة أو كتجسيد – ليست أمرا ً جديدا ً غير مسبوق ؛ ففي السياق الناصري ذاته جرت محاولتان جديتان وهامتان أشرت إلى إحداهما قبل قليل وأما الثانية فكانت تجربة " أنصار الطليعة العربية " التي أطلقها المفكر القومي الراحل د. عصمت سيف الدولة وتمحورت حول فكره وتصوراته , ولم يتم حتى الآن أي تقييم جدي لأي منهما ولم تدرس بعد أسبا ب تعثرهما ولا إمكانية إحياء إحداهما أو صهرهما في محاولة جديدة تشكل تجاوزاً جدلياً لكليهما أو على الأقل الاستفادة من دروس انتكاستهما ونحن نحاول من جديد . وفي خارج السياق الناصري وسابق له ثم متداخل معه ومفارق عنه ومتخاصم معه هناك تجربتان قوميتان هامتان لاتقلان أهمية – سلباً أو إيجاباً - عن التجربة الناصرية في التأثير على مجريات التاريخ العربي المعاصر , أعني حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب , فكلاهما كان تنظيماً قومياً ناضل لذات الأهداف وحكم أقطاراً عربية وتعرض للإنقسامات والانهيارات والإخفاق في تجسيد أهدافه أو تحقيقها وآل في النهاية إلى الزوال أو يكاد , ومهما كانت خلافات الماضي بينهما ومعهما تظلان جزءاً من إرث الحركة القومية وتاريخها ولابد من دراسة أسباب صعودهما وسقوطهما ففيها دروس غنية وهامة لطموح قومي جديد يود الإنطلاق . ولقد كنت قد قدمت في هذا المجال دراسة بعنوان " نظرة إلى أسباب انهيار نظم الحركة القومية العربية " - لم تحظ للأسف بالتفاعل المطلوب – أنصح بالرجوع إليها والإستفادة منها .
وثاني هذه المعطيات أن المادة التي سيبنى منها التنظيم القومي بشكل رئيسي هي الناصريون , ولكنهم في الغالبية موزعون على تنظيمات قطرية لها استراتيجياتها وحساباتها الخاصة النابعة من معطيات كل ساحة ولدى كل منها تحالفاتها مع القوى السياسية الأخرى وارتباطاتها التي قد تتعارض – وأحياناً تتناقض- مع ارتباطات وتحالفات قوة ناصرية أخرى في ساحة أخرى ( على سبيل المثال الناصريون في سورية معارضون للنظام السوري بينما الناصريون في لبنان متحالفون معه ! ) , وبالطبع لايغيب عني الحجة التي ستطرح لحل هذا الإشكال وهي أن وجود استراتيجية قومية ناظمة تجعل مثل هذا التباين يندرج ضمن مرونة التكتيك المحلي الخاص بكل ساحة ولكن للأسف لم يثبت التطبيق العملي بداهة الطرح النظري إذ نمت المصالح المحلية على ضفاف هذا التكتيك المزعوم فتآكل التماسك الاستراتيجي القومي وغدا الحليف الذي فرضه الواقع أهم وأقرب من الأخ الذي أنجبه المبدأ كما حدث في التجارب القومية السابقة !. ومع ذلك فإن هذه النقطة ليست بيت القصيد في هذه الفقرة وإنما الذي نريد أن ننبه إليه أن قيام التنظيم القومي سيواجه إشكالية وجود التنظيمات القطرية وكيفية التعامل معها ؛ فهل سيسعى إلى امتصاص أعضائها دون علم منها أو رضى فيدخل معها في معارك تجاذب وتناحر كما حدث في بعض الساحات في تجربة سابقة ؟ أم سيقفز عنها ليقصر نشاطه على الأفراد السائبين ويصبح بالتالي تنظيما ً مضافا ً إليها ومنافسا ً لها ونعود بالتالي إلى حالة التجاذب والتناحر مما يتعارض مع مبدأ التوحيد التي تقوم عليها أصلا ً الدعوة لقيام التنظيم القومي ؟ أم أن تشكيله منذ البدء سيكون من خلال التوافق مع هذه التنظيمات وفيما بينها للارتقاء من صيغة الجهود القطرية المنفصلة إلى صيغة العمل القومي المتكامل والمنسق ؟ وفي هذه الحالة الأخيرة ألن يحاول كل كيان من هذه الكيانات القطرية المنفصلة وضع شروطٍ للإنضواء ضمن الصيغة القومية وقد لا يدخل بعضهم فيها ؟ وحتى لو دخل الجميع ألا تظل اهتمامات الساحة لها الأولوية لدى هذه الكيانات على الاهتمامات العامة الأمر الذي يذكرنا بتحفظات الدكتور عصمت سيف الدولة ؟.
وثالث هذه المعطيات أن الحركة الناصرية والتيار القومي عموما ً – وهما الأساس التحتي الذي سيشاد فوقه بنيان التنظيم المنشود – في حالة ضعف وانحسار شديدين تتجلى في جملة من الظواهر الخطيرة المتبادلة التأثير أشار إلى بعضها كثير من الأخوة في معرض مداخلاتهم وتعقيباتهم في موقع الفكر القومي العربي على دعوة الأستاذ سامي شرف ومقال الأستاذ دياب أبو جهجه ومساهمة الأخ باحث وكنت قد حللتها بالتفصيل في دراسة بعنوان " الحركة الناصرية والدور المفقود .. دراسة في أسباب تراجعها وشروط نهوضها " منشورة في ذات الموقع , أكرر رجائي بالعودة إليها . وأجمل أهم هذه الظواهر المعيقة والتي لابد من إيجاد الحلول لها لانطلاقة أي عمل قومي فيما يلي :
- الهوة المتسعة مابين النخب السياسية - وبشكل أخص القومية واليسارية - والجماهير ؛ بحيث تحولت إلى قيادات بدون جنود مؤمنين بها وملتفين من حولها وانتكس مفهوم الطليعة الذي كانت الناصرية قد نقلته من المفهوم الماركسي الذي يحدد الطليعي بأنه ذاك المثقف الذي يمتلك الوعي الطبقي وبالتالي يقود الجماهير , ليكون الطليعي بالأساس قيادة شعبية تنبثق من صفوف الناس وتكتسب طليعيتها من ثقتهم بها وبجدارتها في تمثيل مصالحهم وبذلك قد يكون عامل أو فلاح يتفهم مشاكل زملائه ويتقدم صفوفهم من خلال تفويضهم للدفاع عن قضاياهم هو الطليعي الحقيقي بينما لا يملك مثقف متبحر - لا صلة له بالقطاعات الشعبية إلا من خلال الكتابة والندوات مثلا ً- من الطليعية سوى الادعاء . ومن هنا يصبح ملحا ً بل شرطا ً لنجاح أي عمل حزبي أو تنظيمي ينتويه التيار القومي استعادة ثقة الناس ليس فقط بسلامة المبادئ بل بقدرة حامليها على تحقيقها وعلى تمثيلهم قبل ذلك وبعده .
- الانقطاع الكبير بين جيل الصعود القومي – الجيل الذي تفتح وعيه السياسي والتحق بركب الحركة القومية إبان مدها العارم في الربع الثالث من القرن العشرين – وبين الأجيال اللاحقة وبالأخص الأجيال الشابة الراهنة التي تكاد تكون خارج إطار التسييس وإن فعلت ففي أحضان الحركات الإسلامية والجهادية , وهذا أمر بالغ الخطورة لأنه بدون رفد الحركة القومية بالدماء الجديدة اليانعة سيتحول أي إطار ندعو إليه إلى رابطة لقدامى المحاربين ومتقاعدي النضال الذين يذوون الواحد تلو الآخر . ويتصل بهذا أيضا ً غربة الخطاب المتبادلة بين الطرفين التي تحول الحوار بينهما إلى نوع من حوار الطرشان حيث يسبح كل منهما في عالم مختلف وإن جمعهما حيز زمني واحد .
- تقوقع القسم الأكبر من القوميين على التجربة الماضية وأطروحاتها ونفورهم من مراجعتها ونقدها وخشيتهم من المساس بما يعتبرونه ثوابت حتى بعد أن انقلبت الظروف العالمية والمحلية رأسا ً على عقب وبالتالي تجمد الفكر وتخشب الخطاب وتضاءلت القدرة على التأقلم وابتكار الحلول التي يتطلبها الواقع بإصرار لايرحم , ومن جهة أخرى نجد بعض دعاة التجديد والمراجعة يشتطون كل في اتجاه بحيث يصل البعض إلى تخوم الليبرالية الفضفاضة أو يكاد البعض الآخر أن يتحول إلى داعية اسلامي , والأخطر من ذلك عدم تحمل بعضهم بعضاً بشكل يتفارق غالباً مع تحملهم الاختلاف مع أفراد التيارات الأخرى ! فكيف نستطيع صهر هذا الخليط المتنافر ضمن بوتقة التنظيم وعلى أي أساس ؟ وهل يجوز استبعاد فئة لمجرد الاختلاف في هذه المسألة أوتلك ؟
- التفارق الصارخ مابين اشتعال معارك الجدل الفكري وحدة التنظير والحوارات التي لاتنتهي في المسائل الخاصة بالتيار القومي وتفريعها وخوض المعارك الوهمية حولها واتخاذها ذريعة لتقسيم المقسم والتذرر إلى شلل تكاد تصل إلى انقسام المرء على ذاته , وما بين الغياب شبه الكامل لهذا التيار عن ساحة الأحداث والمعارك الحقيقية التي تدور في بؤر الصراع الساخن من فلسطين إلى العراق إلى السودان وحتى لبنان أوأي مكان من الأرض العربية المستباحة في هذا الزمن الرديء حيث لانكاد نلاحظ أية فعالية لقوة ناصرية فيها بينما يحتل التيار الإسلامي ومنظماته صدارة المواجهة والفعل . وما دمنا نتحدث عن توحيد القوى فإن البحث الجدي عن وسائل الخروج من المعارك الوهمية والفرعية التي طالما مزقت هذا التيار إلى المشاركة الفعلية في الأحداث المستعرة على الساحة العربية يشكل إحدى الوسائل العملية الهامة لتحقيق هذا الهدف .
ورابع هذه المعطيات إن كون هذا التنظيم المنشود ذا طبيعة قومية يجلب معه صعوبات ومعضلات موضوعية لابد من التعامل معها بكل جدية وواقعية إذ لايمكن التغلب عليها بالأماني والنوايا الطيبة , ولقد لعبت هذه المعضلات دورا ً أساسيا ً في انهيار التجارب القومية السابقة وتفسخها . و بعض هذه المعضلات يمكن تجاوزها بحلول مؤقتة مثل معضلة مركز التنظيم أي مقر إدارته القومية الذي يصعب أن يكون في أي عاصمة عربية , ومشكلة وجود قيادة متفرغة لتستطيع متابعة مثل هذا العمل الضخم فالعناصر المؤهلة أو الجديرة بالقيادة غالبا ً ما تكون مكبلة بظروفها الشخصية ولا تستطيع التفرغ بينما العناصر القادرة على التفرغ لاتكون بالإمكانيات القيادية المطلوبة , وكذلك المشكلات القانونية التي تنشأ من كون القوانين في الدول العربية القطرية لاتجيز وجود أحزاب عابرة للحدود اللهم إلا إذا كان العمل المنوي إقامته سيعمل بشكل سري فعندها سنواجه معضلات من نوع آخر تتعلق بهذا النمط من العمل . ولكن أهم هذه المعضلات على الإطلاق هي معضلة النفقات والتمويل ؛ فعمل كهذا يستدعي اجتماعات متكررة لمؤسساته ومؤتمراته ولجانه وانتقال أعضائها من مكان إلى مكان وتغطية مالية لإقاماتهم ,هذا عدا عن بقية أوجه نشاطاته الأخرى النضالية والجماهيرية والسياسية والفكرية وتوفير كادر متفرغ في هذه المجالات ؛ وكل هذا يعني نفقات واجبة السداد وإلا تعطلت هذه النشاطات وبالتالي توقفت حركة التنظيم ومن ثم استمراريته . من هنا فإن قضية التمويل ترتقي إلى مستوى وجود التنظيم ذاته ؛ ولابد للتمويل أن يكون كافياً يستطيع تأمين كل متطلبات الحركة , ومستمراً يستطيع مواكبة حركة التنظيم ونموه , ويستند إلى مشاريع استثمارية مدروسة ومضمونة تؤمن نماءه المستمر وعدم تآكله بفعل المصاريف الدائمة , تحكمه معايير شفافة للمحاسبة والمراقبة , ويمتلك احتياطاً استراتيجياً يلجأ إليه في حالة الضرورة القصوى . ويبرز هنا سؤال هام وحاسم وهو كيف ومن أين يمكن الحصول على هذا التمويل ؟ .. آخذين في الاعتبار عدم ارتهان قرار وسياسة التنظيم بأي شكل من الأشكال لجهة التمويل أياً كانت , وأن تكون وسائل الحصول عليه شريفة تتكافأ مع غايات التنظيم النبيلة .

إن المشكلة إذن ليست في إعلان قيام التنظيم القومي ؛ فهذا أمر لا يحتاج سوى إلى لجنة تحضيرية كالتي اقترحت تمهد إلى مؤتمر عام يعلن هذا الأمر , أو أن يقوم المؤتمر الناصري - الذي اكتسب صفة الدورية وأصبح حقيقة واقعة – بتطوير نفسه إلى مؤتمر قومي ينتخب قيادة قومية ويبدأ الانطلاق , وإنما القضية في استمرار مثل هذا العمل وقدرته على إنهاء أو تجاوز شرذمة التيار القومي وارتقائه ليكون فعلا ً أداة ً حقيقية لتحقيق أهداف النضال العربي . لذلك فالأجدى قبل التسرع بالإقدام على خطوة من هذا النوع ثم التعثر في متابعتها وتحمل تبعات انتكاستها أن نهيّء الظروف لنجاحها من خلال التفكير الفردي والجماعي لإيجاد حلول جادة وعملية للمعضلات التي أشرت إليها وفي نفس الوقت تبني على حصيلة التجارب القومية السابقة – بشكل أساسي تلك التي أفرزتها التجربة الناصرية - استكمالا ً لمسيرتها واستيعابا ً لدروسها وتجاوزا ً لأخطائها وأعتقد أن منبر الفكر القومي العربي يمكن أن يلعب دورا ًحيويا ً في هذا الصدد .
وحتى لا يداخلنا اليأس أو الإحباط أشير إلى أننا لاننطلق من فراغ فنحن نملك الكوادر القومية المنتشرة المؤمنة بهذه القضية في كل أرجاء الوطن العربي وفي المهجر , وكذلك فإن كثيرا ً من التنظيمات الناصرية في الأقطار العربية كانت بالأصل جزءا ً من العمل القومي ولذلك فإن الأمر يتعلق بالبداية الصحيحة التي توصل إلى الصيغة السليمة المطلوبة . ويمكننا في هذا الشأن الاستفادة من المؤتمر الناصري كبداية عملية وواقعية رغم بعض السلبيات التي أحاطت بانعقاده الأول وكونه كان متجها ً أساسا ً لتوحيد الناصريين في مصر وأن المشاركة القومية شملت ساحات عربية قليلة ؛ فهو يمتلك فعلا ً – إضافة إلى أنه يشتغل على بلورة وثيقة فكرية ناصرية تشكل مرجعية موحدة للتيار القومي- بعض الخصائص المناسبة لمثل هذا التحرك والقابلة للتطوير باتجاه الأمل المنشود :
- باعتباره أصبح مؤسسة قائمة لها اجتماعاتها الدورية التي تؤمن استمرار التحرك .
- وباعتباره ذا صفة قومية مفتوح العضوية لكل المناضلين القوميين أيا ً كان قطرهم , وله أمانة تتمثل فيها كل الساحات العربية , ولا يخفي أن هدفه النهائي الوصول إلى توحيد الناصريين في تنظيم قومي شامل ؛ وبالتالي تتوفر فيه منذ البدء قومية الانطلاقة .
- وباعتباره في نفس الوقت لا يستثني التنظيمات الناصرية القائمة حاليا ً من المشاركة فيه , فإنه يمثل وسيلة مباشرة للحوار معها حول هذا الهدف ويشركها في التفكير في أنسب الطرق للوصول إليه دون حساسيات .
- وباعتباره يخصص لساحة مصر وللناصريين فيها مساحة كبيرة في تركيبته وفي قيادته تتناسب مع حجمها وأهميتها ودورها المركزي في العمل القومي , وهذه نقطة مهمة جدا ً في نجاح أي مشروع قومي سبق وأن أثرنا حولها نقاشا ً مطولا ً في منتدى الفكر القومي العربي كما أشار إليها باقتدار د. صفوت حاتم في دراسته القيمة " الحركة العربية الواحدة " المنشورة في منتدى الوثيقة الفكرية الناصرية وأنصح بالرجوع إليها .
إلا أنه من جهة أخرى لايمكن تجاهل المشاكل التي تعطل دور المؤتمر الناصري والتي تتمثل أساسا ً في الخلافات المزمنة في صفوف الناصريين من ساحة مصر وتفشي ظواهر النرجسية وعدم تقبل الرأي الآخر وربما أيضا ً حسابات الساحة والطموح إلى دور شخصي فيها , الأمر الذي يحول دون التحضير الجيد له ويعرقل مجرياته وينعكس سلبا ً على نتائجه . ولكن تمسك العناصر القومية بهذا المؤتمر واستمراريته وعدم تورطهم في الانحيازلأي طرف كان إلا بمقدار الالتزام بالمبادئ التي حكمت قيامه سيساعد هؤلاء الإخوة على تجاوز أوضاعهم السلبية وأخذ دورهم المطلوب بإلحاح .
إضافة إلى المؤتمر الناصري وتدعيما ً له وبديلا ً احتياطيا ً لو تعثرت تجربته – لا سمح الله - , وكخطوة تمهيدية توفر إطارا ً آخر للحوار في المعطيات التي أشرت إليها وتسهم في ولادة سليمة للتنظيم المنشود وتتحول إلى منظمة من منظماته بعد قيامه , أقترح قيام تجمع قومي عربي شعبي في المهجر أساسا ً تنصهر فيه كل التجمعات الملتزمة بالخط القومي العربي هناك ويلم كل العناصر القومية المبعثرة دون التزام في المهجر والوطن العربي , ويكون موقع الفكر القومي العربي صوته الناطق , وتقوم بالتحضير لمؤتمره التأسيسي اللجنة المقترحة بإشراف د. جمال الصباغ والتي يمكن من الآن أن تشارك في أعمال الدورة القادمة من المؤتمر الناصري .
إن هذا التجمع الذي أقترح له تسمية ً " رابطة الوحدويين العرب في المهجر والوطن " أو أية تسمية أخرى يرتأيها مؤتمره , يمكن أن يقوم بدور مماثل للدور القومي الذي لعبته " رابطة الطلبة العرب الوحدويين الناصريين " في السابق التي احتضنت العمل القومي الذي أنشأه عبد الناصر – وكانت بالأصل بنتا ً له – بعدما وجه له السادات بانقلابه المشؤوم ضربة في الصميم في قاعدة انطلاقه ومقر قيادته ؛ حيث استعاد هذا العمل في ظلال الرابطة تواصل أجزائه التي تبعثرت وعقد مؤتمراته الأولى على هامش معسكراتها ليستأنف مسيرته من جديد .
إن معيار الانتماء لهذا التجمع المقترح سيكون ذات المبادئ التي تتصدر موقع الفكر القومي العربي وبذلك سيتسع لكل العناصر المؤمنة بها حتى ولو لم تتخذ الناصرية تسمية لها , وبالتالي سيتسع هذا التجمع لتنوع الآراء بل واختلافها في إطار الالتزام بالمبادئ الأساسية المذكورة , وسيكون ساحة للحوار الخلاق ووسيلة للمراجعة النقدية وتجديد الفكر القومي بما يتلاءم مع معطيات المرحلة الراهنة ومهامها . كما سيكون ساحة تواصل مع الأجيال الجديدة واستيعاب لاهتماماتهم وبناء خطاب مشترك معهم , كذلك سيكون في مقدمة اهتماماته الانغراس مرة أخرى في تربة الجماهير الشعبية والتفاعل معها والتعبير عن مصالحها . وأيضا ً سيكون ساحة لبلورة المواقف المبدأية والعملية من القضايا العربية الساخنة وللتواصل مع حركات المقاومة العربية للاحتلال ولإعلاء كل أشكال التصدي لمخططات قوى العدوان على الأمة والوطن , وسيكون منبرا ً للدفاع عن حقوق الإنسان العربي المقهور والمظلوم ورأس حربة في مقاومة الاستبداد والفساد المعشش في الأنظمة العربية وطليعة للتغيير نحو مجتمع الديموقراطية والعدل .
بهذا نكون – في اعتقادي – قد خطونا خطوة كبيرة ومتزنة تفتح الطريق إلى ذلك الهدف الكبير المنشود , والأمر كله في النهاية يعود إلى انعقاد عزم الجماعة على هذا الأمر ومنوط بقناعتها الحرة المبنية على تقليب الأمر على كل وجوهه ومناقشته بكل جدية وتعمق ؛ لذلك أرجو من كل أخ قرأ هذه السطور أن يعيد قراءتها من جديد بروية وتدبر وأن يبدي رأيه في أفكارها بدون مجاملة لنصل معا ً إلى التصور الأسلم إن شاء الله .

د. خالد الناصر 62 / 4 / 2005

الاثنين، نيسان 18، 2005

الناصرية وأسئلة القرن الحادي والعشرين ---- صفوت حاتم


جعلتني كل هذه المؤشرات افكر جيدا فيما كان يمكن أن يكون عليه سلوك " الزعيم الخالد عبد الناصر " في ظل واقع تغير كثير عن واقع الخمسينات والستينات الذي صعدت خلالهما تجربته السياسية وميزتهما تاريخيا عما سبقهما ولحقهما من تجارب سياسية ؟

ولكن سؤالا من هذا النوع ليس مقصودا به مجرد " التمرين الذهني " لكاتب يحاول تفسير الماضي بأثر رجعي كما يقولون , ولكن هدفه الحقيقي طرح عدد من الأسئلة التي أصبحت من فرط أهميتها شديدة الإلحاح على الذهن العربي المهتم اهتماما حقيقيا وجادا بالمستقبل .

بلغة أخرى .. نسارع بالقول أن هذا السؤال – وغيره - مقصود به ورثة فكر عبد الناصر والذين يجتهدون لاستعادة رؤيته السياسية وتحقيقها في الواقع العربي .

وليتصور معي القارئ سيناريو وصول الناصريين للسلطة السياسية في مصر أو أي قطر عربي آخر ويسأل معي : هل سيساعدهم الواقع على تطبيق البرنامج السياسي الذي كان يطبقه الرئيس " عبد الناصر " في الخمسينات والستينات ؟ كيف سيتعامل الناصريون الجدد مع الواقع الجديد المختلف تماما عن واقع الخمسينات والستينات ؟

مثلا ؟!!

ناصرية بدون اتحاد سوفييتي و توازن دولي ؟!



3 – لم يعد هناك توازن دولي واتحاد سوفييتي قوي كما كان في الماضي في أثناء حكم الرئيس " عبد الناصر " , بل أصبح هناك قوة واحدة مهيمنة وكانت ولازالت معادية للمشروع الناصري ( قبل أن تكون معادية لعبد الناصر نفسه ) الذي كان محوره الاستقلال القومي والبعد بالمنطقة عن سياسة الأحلاف والحماية ( أو الهيمنة ) الأجنبية .

لايمكن أن ننكر أن " توازن القوى " الذي ميز النظام الدولي خلال حقبتي حقبة الخمسينات والستينات أمد المشروع الناصري بحرية مناورة واسعة ( كسر احتكار السلاح .. معركة السد العالي .. معركة تأميم قناة السويس .. العدوان الثلاثي .. معركة التصنيع الثقيل .. الصمود عسكريا بعد هزيمة يونيو/ حزيران1967 وحرب الاستنزاف وحرب أكتوبر ) .

بلغة أخرى : هل يمكن تصور كل هذه المعارك بدون التوازن الدولي الذي كان يخلقه وجود الاتحاد السوفييتي والذي كان يستفيد منه الرئيس عبد الناصر في توسيع هامش مناوراته السياسية ؟

في رأيي أنه لا يمكن تجاهل هذه الحقيقة عند الحديث عن ناصرية جديدة أو ناصريين جدد .. لماذا ؟



4 – لأنه وعلى الرغم من هذا " التوازن الدولي " الذي استفاد منه عبد الناصر وحقق بفضله نجاحات سياسية أكيدة , ولكن لم يمنع هذا أن يرجع البعض السبب الرئيسي في انكسار المشروع الناصري إلى الدور الحاسم الذي لعبته العوامل الخارجية أو بالتحديد إلى دور أعداء الأمة العربية ( الصهيونية والإمبريالية ) في كسر المشروع الناصري .

لقد حشدت القوى المعادية لعبد الناصر والعرب كل طاقاتها ,وبشكل متفوق , لكسر المشروع العربي الناصري على الرغم من وجود الاتحاد السوفييتي وما كان يخلقه من توازن سياسي وعسكري واقتصادي .

يميل لهذا الرأي , مثلا , المفكر المصري " أنور عبد الملك " الذي يرى أن إدراك ديالكتيك الواقع العربي - المصري يجب فهمه في ضوء حقائق " الجيوبولتيك " أي عامل الجغرافية السياسية الذي يشكل الأساس الذي يمكن على أساسه فهم وإدراك دلالة المنطقة الحضارية العربية الإسلامية وما تشكله هذه المنطقة في ديالكتيك العالم المعاصر وفي تركيب ميزان القوى القائم ومنذ فترة ليست بالقصيرة في عصرنا الحديث.

إن وضع المشكلة العربية في عصرنا الحالي - كما يقول أنور عبد الملك - يجب أن ينظر إليه مثلما نظر إليه محمد علي في أوائل القرن التاسع عشر , أي كيفية إنهاء الانحطاط وتحقيق النهضة العربية .عبر هذه الأهداف كانت توجهات محمد علي الواضحة عبر توحيد أراضي العرب والإسلام حول دولة حديثة وقوية وتقدمية , أي حول مصر تحت حكمه , وبالتالي الإمساك بمفاتيح الشرعية التاريخية ( العربية والإسلامية ) .

بهذه الطريقة وحدها يمكن للمنطقة القومية الحضارية - العربية - الإسلامية أن تحقق النهضة وأن تواجه هجمات الغرب الأوروبي وأن تخترق مجال تأثيره الناجم عن الجهود المشتركة للثورة الصناعية والثورات الديمقراطية - البورجوازية والتحالف الوثيق بين الدول الأوربية الحديثة .

إن فهم المشكلة العربية - المصرية على هذا الأساس يفسر - كما يقول أنور عبد الملك - التحالف الإستراتيجي الذي دخلت فيه كل دول أوروبا بعد سقوط نابليون , ذلك التحالف الذي قام ليواجه مشروع محمد علي الذي أنطلق من مصر ولمحاصرة ذلك المركز الناشئ من مراكز القوة العالمية . ومن ثم كانت معاهدة لندن عام 1840 التي مكنت من التهام الأراضي العربية والإسلامية بسهولة , وهي الأراضي التي كانت مرتبطة في ذلك الوقت بالإمبراطورية العثمانية المنحلة . وبالتالي فإنه يمكن القول أن بداية ما يسمى " التاريخ الدولي " قد بدأ مع التحالف الأوروبي ضد القوة الصاعدة للأمة العربية بقيادة محمد علي , وذلك قبل ستين سنة من تدخلها للمرة الثانية لضرب ثورة " البوكسر " في الصين عام 1900 .

ولكن بعد مرور قرن أو أكثر بقليل , استطاعت مصر أن تحطم من جديد أغلال التبعية , أصبحت الثورة الوطنية بقيادة عبد الناصر من 23 يوليو 1952 إلى 28 سبتمبر 1970 مركزا لاقتلاع جذور الإمبريالية في مصر ومن معظم الأقطار العربية , وبداية لتوجيه المشروع الحضاري العربي نحو الوحدة العربية وإعادة توجيه الحركة الوطنية العربية نحو الاشتراكية , لكن هذا المشروع لم يلق أي تعاطف من جانب الأوساط الدولية , بل على العكس قوبل بهجوم عدواني ممتد وكان لحرب 1956 , ثم وبشكل خاص حرب 1967 , أن تلعب نفس الدور الذي لعبته العمليات العسكرية والسياسية ضد محمد علي بين عامي 1832 و 1840.

ومن ثم , وعلى أساس من هذا التحليل , يرى " أنور عبد الملك " أن قطاعات واسعة من المثقفين ومن الرأي العام على حد سواء , قد فهمت مشكلة الحركة الوطنية العربية على نحو باطل . فهي لم تستطع أن تدرك أن عصرنا هو عصر المواجهة الحضارية بين الشرق والغرب , بل أن هذه القطاعات اتجهت نحو معالجة المشكلة بشكل أيديولوجي . (د.أنور عبد الملك : ريح الشرق - دار المستقبل العربي ) .

5 - ولاشك أن حجم الوثائق التي كشف عنها في السنوات الأخيرة توضح بشكل حاسم حجم الهجمة التي تعرضت لها حركة التحرر العربي تحت قيادة الناصرية في الخمسينات والستينات والتي عبرت عن نفسها في مؤامرات محلية وعالمية وفي سياسات للأحلاف العسكرية والمواجهات المسلحة ( عدوان 1956 , عدوان 1967 , حرب اليمن , حرب الجزائر ..إلخ )

من ناحية ثانية ثبت بالدليل العملي خلال حقبة التسعينات ( أي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ) ان المنطقة العربية هي أول منطقة " جيوسياسية " تأثرت بهذا الاختلال في توازن القوى , والأمثلة على ذلك عديدة . فالرئيس " صدام حسين "- مثلا - ظن عندما أقتحم الكويت أنه من الممكن تحقيق مغامرة سياسية وعسكرية ناجحة بدون " اتحاد سوفييتي " وراءه . وكانت النتيجة كارثة عسكرية وسياسية واقتصادية بكل المقاييس .. كارثة لا زال يدفع ثمنها الشعب العراقي منذ تسع سنوات بسبب هذا الخطأ الفادح من قيادته السياسية في تقدير دور التوازنات الدولية .

أما نظام الرئيس " معمر القذافي " الذي استطاع مقاومة ضغوط دولية وإقليمية عديدة خلال حقبتي السبعينات والثمانينات وتمكن من تحقيق مغامرات " مأمونة نسبيا " في مناطق مختلفة من العالم تمتد من الفلبين الى أيرلندا الشمالية وصولا الى تشاد وإريتريا وأثيوبيا في أفريقيا , مالبث أن وجد نفسه محاصرا ومعزولا داخل حدوده ومن ثم بدأ عملية " السير الى الخلف " والتخلص تدريجيا من السياسات والأفكار التي كان أول المتحمسين لها والاقتراب تدريجيا من الأنظمة السياسية التي كانت لسنوات طويلة محط هجومه وانتقاداته !!

نفس الشيء يمكن قوله عن نظام الرئيس " حافظ الأسد " الذي غير كثيرا من لهجة خطابه السياسي لتتلاءم مع المتغيرات الدولية التي حدثت , بحيث أننا يمكن أن نقول أن نظام الرئيس " الأسد " في ظل وجود الاتحاد السوفييتي ليس هو تماما بعد غياب هذا الأخير وتغير توازنات القوى في المنطقة !!


نعيد تحديد السؤال مرة أخرى : كيف يمكن للناصريين تحقيق برنامجهم السياسي في ظل الهيمنة الأمريكية على العالم بشكل عام والمنطقة العربية بشكل خاص ؟ على أي قوى دولية يمكن ان يتحالف الناصريون الجدد لتحقيق نوعا من التوازن يمكنهم من تحقيق المشروع الناصري ؟



سؤال عن إسرائيل و كامب ديفيد والسلاح النووي


هناك سؤال آخر ويرتبط تماما بالأول وهو ما الذي يمكن أن يفعله الناصريون إذا وجد نفسه وريثا لمعاهدة مشئومة كمعاهدة " كامب ديفيد " هل يغامرون بالغائها في ظل مثل هذه الظروف العربية والدولية غير المتكافئة , مع ما يترتب على ذلك من مخاطرات عسكرية أم يتبع سياسة " السلام البارد " حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا ؟!!!

الواقع أن الناصريين لن يجدوا في تراث " عبد الناصر " جوابا على هذا السؤال , اللهم إلا إلا خبرة الأعوام للثورة المصرية في " التفاوض " والمقاومة السرية التي طبقها " عبد الناصر " على القوات الإنجليزية وهي الخبرة التي أفضت الى توقيع " معاهدة الجلاء " .

فعبد الناصر الذي كان يفاوض بشكل دؤوب إنجلترا كان يشجع من ناحية أخرى عمليات المقاومة المسلحة لقوات الإحتلال المتمركزة في منطقة القنال .

مالذي يمكن أن يفعله الناصريون في معاهدة " كامب ديفيد " فيما لو مكنتهم الظروف الوصول الى السلطة في مصر ؟ هل سيطرحون الغاءها فورا وتحمل تبعات هذا الإلغاء بما يعنيه من مخاطر عسكرية ؟ أم هل سيطرحون تعديلها بما يعنيه ذلك من الجلوس " و التفاوض مباشرة " مع إسرائيل ؟ !!

ثم كيف سيتعاملون الناصريون مع مسألة التسلح النووي الإسرائيلي وهل يمكنهم الحصول على هذه السلاح في ظل انفراد أمريكا بقيادة النظام العالمي وانهيار الاتحاد السوفييتي . بلغة أخرى هل ينجح الناصريون في امتلاك ما عجزوا عن امتلاكه عبد الناصر في ظل أوضاع إقليمية ودولية أفضل بكثير من الأوضاع التي يواجهها الناصريون ؟!!

ان امتلاك إسرائيل لترسانة نووية كانت لا تزال " جنينيه " عند وفاة الرئيس " عبد الناصر " منذ ثلاثين عاما تقريبا ولم يكن تأثيره في السياسات الواقعية لم يكن قد ظهر على نفس الدرجة من الأهمية الإستراتيجية.

و المشكلة جد صعبة فرغم وجود صداقة رفيعة بين الرئيس " عبد الناصر " والقوتين النوويتين الاشتراكيتين : الإتحاد السوفييتي والصين , إلا أنه فشل في الحصول على وعود منهما بالمساعدة في هذا المضمار الإستراتيجي.

ولقد تكرر نفس الفشل مع " القذافي " رغم صداقته مع هاتين القوتين في السبعينات والثمانينات ورغم إمكانياته المادية المريحة ؟!!

بلغة أخرى :




سؤال عن دور مصر القائد في عملية التوحيد العربي


استطاع الرئيس " عبد الناصر " ان يضع مصر في موقع الصدارة والقيادة للنظام العربي منذ بدايات حركات الاستقلال الوطني التي بدأت مع النصف الثاني لهذا القرن . ولكن هناك أراء كثيرة ترى استحالة العودة لهذا الدور " القائد " مرة ثانية … لماذا ؟

يرى البعض أن مصر لم تعد مرشحة لأداء دور الأقليم القاعدة في عملية التوحيد العربي في المستقبل القريب والمتوسط وربما في الأمد الطويل نسبيا ( المداح الإدريسي , هل تفشل الوحدة المغاربية بغياب الأقليم القاعدة والقيادة المشخصنة ؟ مجلة الوحدة , عدد58/ 59 , اغسطس 1989) . وأسباب هؤلاء كثيرة .. نذكر منها: أولا : أن هناك تحولات جذرية داخل النظام العربي جعلته يتسم بحالة من حالات " تعدد القطبية " بحيث أصبح دور مصر مجرد دور قيادي ضمن أدوار أخرى .

ثانيا : ان صعوبات مصر الاقتصادية تحتاج الى وقت طويل لإمكان تجاوزها وتحسين أوضاعها .

ثالثا : ان دور مصر في حماية الأمن القومي العربي ( وحدها ) كما كان يتصور البعض في فترات زمنية سابقة اصبح أمرا غير وارد بدون القدرات العسكرية والمالية للأقطار العربية الأخرى .

رابعا : ان تحولات السياسة الخارجية المصرية منذ منتصف السبعينات والتي تجسدت في زيارة القدس ومعاهدة " كامب ديفيد " قد نالت من الدور القيادي التقليدي لمصر .

خامسا : أن النظم السياسية لن تقبل بزعامة إحداها خصوصا وهي تتذكر مشاكلها مع " عبد الناصر " وتدخله في شؤونها . ( المداح الأدريسي , مصدر سبق ذكره . راجع ردنا على هذا المقال في مجلة الوحدة )

نعيد تحديد السؤال : : ماذا كان يمكن أن يفعل " عبد الناصر " أو " الناصريون الجدد " في هذا الوضع العربي الذي بدأ في الانهيار منذ سياسة الصدمات التي أنتهجها الرئيس السادات " الله يرحمه " ؟ !! .. هل كان سيسعى " عبد الناصر " لتحقيق الوحدة العربية مع مثل هذه الأنظمة التي لا تبدي حماسة لفكرة الوحدة العربية أم كان سينهج سياسة " التوازن العربي " أو ما يمكن تسميته بسياسة " العروبة الحذرة " خصوصا أنه لم يعد هناك تأثير للأنظمة العربية التي تدعي " الاشتراكية والقومية " ( هذا إذا صدقنا أنها كانت اشتراكية وقومية أصلا ؟ !!


سؤال عن التنمية الاشتراكية


لاشك ان الرئيس " عبد الناصر " نجح في بناء تجربة تنمية مستقلة ذات طابع اشتراكي كان هدفها الأساسي " تذويب الفوارق بين الطبقات " و" تكافؤ الفرص بين المواطنين " و كان سلاحه في هذا التحول الاشتراكي إمكانيات الدولة الوطنية وهيمنة القطاع العام . ولكن خلال الربع قرن الأخير جرت تحولات كثير على " الناصريين الجدد " أن يجيبوا عليها . أولها أن قطاع الدولة قد جرى تفكيكه وبيعه . ثانيها أن الحملة الدعائية ضد الاشتراكية ( في كل أنحاء العالم , خصوصا بعد فشل الكتلة الاشتراكية ) جعلت منها معان مخالفة تماما لمضمونها وأهدافها فهي صارت تعني لدى المواطن المعتقلات والسجون وطوابير الخبز والمواد التموينية وسرقة " المال الميري " والتضييق على المشاريع الخاصة والمبادرة الفردية … الخ .

ماذا يمكن أن يفعل " عبد الناصر " أو " الناصريون الجدد " في ظل هذه المتغيرات ؟


هل لازال هناك مكان " للدولة الشمولية " التي تحتكر كل مجالات النشاط السياسي والاقتصادي ؟ هل يمكن الإعتماد على قطاع الدولة ( وحده ) في تأمين حاجات المواطن في كل نواحي حياته من المهد الى اللحد ؟ هل كان سيشجع " عبد الناصر " أو " الناصريون الجدد " سياسة جديدة تعطي للدولة دورها في حماية المحتاجين وتشجع في الوقت ذاته الاستثمار الوطني الخاص ؟!!!

وهل يمكن للناصريين أن ينجحوا في تطبيق تنمية مستقلة ( ولا أقول اشتراكية ) في غياب الوحدة العربية ؟

إن" الناصريين " سيفشلون " حتما " فيما لو تصوروا مستقبلا للتنمية الوطنية بدون " وحدة عربية " لأنهم يتغافلون بذلك عن التشويه الهيكلي " الحتمي " في أنماط التنمية الإقليمية التي حدثت في الوطن العربي وستحدث دوما بفعل ظاهرة الهدر العام في توزيع الموارد والثروات والإمكانيات الفنية وتأثير العوامل الديموغرافية وضغوط السوق العالمية , وهي العوامل التي عكست نفسها في أنماط التنمية القطرية على اختلاف أساليبها حتى ولو صدقت النوايا في تحقيق تنمية مستقلة على المستوى القطري .

فلا يمكن والحال هكذا الحديث عن أي تجربة تنمية قطرية إلا على نحو " سلبي " .

أن الاقتصادي العربي " نادر الفرجاني " يؤكد انه في ظل غياب النموذج العربي للتنمية ( وكلمة العربي التي تتبع كلمة نموذج التنمية ليست ضربا على طبل أجوف أو مجرد تشدق لفظي فارغ ) لا يمكن الحديث عن إمكانية للتنمية في البقعة التي يشغلها العرب من العالم إلا في الإطار القومي .. فالوطن العربي هو كيان اجتماعي - اقتصادي له مقومات خاصة لا تتوفر في أي بقعة في أي بقعة أخرى مماثلة في العالم . ولعل وحدة الهوية الحضارية , وقيام المشروع الصهيوني في وسطه, والثروة النفطية واستخداماتها ودورها الدولي , وموقعه الإستراتيجي , والتدخل المستمر من القوى العظمى في شؤونه , كل ذلك لابد أن يعطي خصوصية واضحة للفكر والمفهوم التنموي في الوطن العربي ". ( د. نادر الفرجاني , عن غياب التنمية في الوطن العربي , مجلة المستقبل العربي , العدد 60 , 1984 )


سؤال أخير عن وحدة الناصريين التنظيمية


بقيت أسئلة كثير لا مجال هنا لطرحها حتى لا تطول الدراسة فيما لا يطيقه القارئ الصبور . لقد استطاع الرئيس " عبد الناصر " بشخصيته الاستثنائية تحقيق حالة تأييد شعبي ونضاله – بل وتنظيمي - حول تجربته , ولكن هذه الحالة انهارت تماما في السنوات الأخيرة وتفتت الحركة الناصرية الى " حركات ناصرية " في العالم العربي وفي داخل كل قطر على حدة . والسؤال الذي يطرح نفسه : على أي كوادر سياسية وعلي أي رجال دولة يمكن أن يعتمد " عبد الناصر " أو " الناصريون الجدد " في ظل التهافت الثقافي والسياسي الذي تشهده ساحتا العمل السياسي المصري والعربي الآن ؟!!!

كيف يمكن لتيار ينادي " بالوحدة " أن يعجز عن " توحيد " صفوفه ومواجهة أعداءه وخصومه ؟

أكتفي بهذا القدر من التساؤل طالبا الرحمة لعبد الناصر الذي لو كان موجودا لكفانا عار السؤال ومنحنا راحة الإجابة على تساؤلاتنا ‍‍‍‍‍‍.

الأحد، نيسان 17، 2005

تساؤلات حول أزمة العمل التنظيمي الناصري


الدكتور صفوت حاتم


يعترف كاتب هذه الشهادة أنه لا يملك إجابة واضحة عن أسباب أزمة العمل الناصري .
فلم يكن كاتب هذه السطور معايشا لنشأة وتأسيس الحزب الناصري . كما أنه لم يكن مشاركا في تجاربه التنظيمية ما يسمح له بتشخيص الأزمة وطرق الخروج منها . كما أن صاحب هذه الورقة لايملك في الوقت ذاته الحكم على أداء التجربة الممتدة للعمل الناصري . فذلك فوق طاقة الفرد وأكبر من حجم كاتب هذه الورقة ودوره في العمل السياسي الناصري .
لذلك إسمحوا لي أن أبدأ بداية مجردة وبعيدة عن جوهر السؤال وهو : ماهي أزمة العمل الناصري وما هي طرق الخروج من الأزمة ؟
الأجابة عن هذا السؤال - في رأيي - ليست منقطعة الصلة بأزمة ا لعمل السياسي العام وتراثه الفكري و التنظيمي .
ويكاد يكون من المتفق عليه في المفاهيم الحزبية , أن النشأة التي ينشأ بها حزب ما تظل تدمغ حياته وموافقه وتؤثر على مساره .
فطبيعة النشأة التنظميمة ( نشأة سرية .. نشأة علنية مفتوحة وواسعة .. نشأة نخبوية .. ظروف نضال وطني مسلح .. ظروف نضال إجتماعي .. ألى آخره ) . ثم تركيبة القيادة الأولى التي يعهد اليها بتكوين الحزب ( التحلق حول زعيم فكري .. التحلق حول زعيم أو مناضل سياسي .. التحلق حول شلة قيادية .. الى آخره ) . وفي النهاية التركيبة الإجتماعية للقيادة ( قيادة نخبوية التكوين .. تواجد مؤثر للعناصر النوعية : عمال.. فلاحين .. طلاب .. الى آخره )

العفوية التجريبية

2 - من هنا يمكن القول دون مبالغة , أن تكوين كثير من الأحزاب السياسية العربية قد جاء تكوينا " عفويا " , إن جاز التعبير . إذ كانت الأحزاب والمنظمات السياسية تولد - وأحيانا تموت - دون أن يخطر لها أن الشكل التنظيمي لولادتها سيلعب دورا حاسما في طبيعة إتجاهها السياسي وتركيبها الطبقي . بغض النظر عن نواياها الذاتية .
ان المناقشات الواسعة التي دارت في داخل بعض التيارات السياسية حول مفهوم الحزب والنظرية التنظيمية والعلاقة بين الحزب والجماهير والطبقات المرشحة للتغيير ونظرية العمل التنظيمي ( هل هي المركزية الديمقرطية أو الديمقراطية الموسعة لمنظمات القاعدة ودور العمل النقابي بالعمل الحزبي وأولية النقابي على السياسي ) . كل هذه المناقشات والأدبيات تكاد تكون مجهولة في الحركة القومية وبشكل خاص الحركة الناصرية . فلم يتح - للتيار الناصري - على حد علمي - الفرصة المناسبة لإدارة نقاشات موسعة حول هذه الأمور أو بعضها بغرض الوصول الى تأسيس فكر تنظيمي خاص بالناصرية على ضوء خبرتها التاريخية في السلطة وخارجها .
3 - من جهة أخرى لم يتح للقائمين أو المشاركين في هذه التجارب المختلفة أن يضعوا تجاربهم وخبراتهم مكتوبة وموثقة عن المراحل المختلفة للممارسة التنظيمية الناصرية .
من هنا يبرز الجانب الأول من أزمة العمل الحزبي الناصري وهو ما يمكن أن نطلق عليه أسم " العفوية التجريبية " . أي إفتقاد وغياب نظرية في التنظيم . ان معظم الأحزاب العربية لم تطرح مسألة شكلها التنظيمي إلا بعد ان تكون قد تطورت وتقدمت في السن . وهكذا تأتي الممارسة التنظيمية مجرد عملية تكريس وتأطير لممارسة تنظيمية " عفوية " منذ البداية .
وحتى عندما تتوصل هذه الأحزاب - بعد طول ممارسة - الى ضرورة نبذ " العفوية التجريبية " والإلتزام بنظرية تنظيمية مقننة , فإن هذا لايعني دوما أنها تحولت الى أحزاب منظمة فعليا و فمثل هذا الشكل التنظيمي يصبح ثوبا خارجيا يتلبس الحزب الذي تبقى ممارساته صدى للعفوية التي دمغت نشأته وبدايته الأولى .
4 - وهكذا يمكن أن نجد أن الشكل الجديد لهذه الأحزاب يصبح شكلا متحجرا وجامدا غير قادر على تحسس التطورات والأحداث المتجددة . إذ يظل الشكل التنظيمي ثابتا سواء كانت المرحلة مرحلة نضال برلماني أو حكم عسكري وسواء كانت مرحلة تطور سلمي بطيئ أو صراع حاد ومكشوف وسواء كان الحزب في السلطة أو خارجها .
ولابد من الإعتراف الآن أن التجربة التنظيمية الناصرية عانت - ولازالت - من تأثير هذه السمة " العفوية التجريبية " منذ بداية الثورة وحتى وفاة الزعيم الراحل " جمال عبد الناصر " .
ان محاضر إجتماعات مجلس الوزراء بعد نكسة يونيو 1967 , تكشف بوضوح عن إحساس الرئيس الراحل بهذا العيب الخطير . ولم يتحرج لحظة واحدة في الإعتراف به والمطالبة بالخروج من أسره .
هل يمكن إعتبار تجربة الحزب العربي الناصري إمتدادا لهذه النزعة " العفوية " ؟
سؤالا لا أملك الإجابة عايه !!

الإنتقائية

5 - في مقابل ظاهرة " العفوية التجريبية " و سادت هناك أيضا ظاهرة " الإنتقائية " في العمل التنظيمي . وهي تعني تبني الحركة السياسية مفاهيم في التنظيم تنتمي الى نظريات تنظيمية مختلفة دون تمحيص لصلاحيتها الأيديولوجية . لذلك لم يكن مستغربا أن تتبني بعض الأحزاب العربية " غير الماركسية " مفاهيم تنظيمية تنتمي " للفكر الماركسي " !!!
ان نظرية المركزية الديمقراطية - مثلا - هي نظرية تنتمي تاريخيا للماركسية وللممارسة الماركسية بتلاوينها المختلفة .
وحتى هذه اللحظة لم يدر نقاش جدي حول هذه النظرية وعيوبها وإمكانياتها , وبالأحرى بدائلها . إذا كان هناك بدائل لها بالفعل .
لذلك يبدو لي ان الممارسة التنظيمية جاءت إمتدادا لنزعة إنتقائية " عفوية " لتجارب الإتحاد الإشتراكي العربي ومنظمة الشباب وطليعة الإشتراكيين . ثم الحلقات والمنتديات الفكرية الجامعية .
واسارع بالقول , ان هذا التراث " الإنتقائي " ليس مذموما في ذاته فيما لو كان قد خضع لدراسة إرادية موثقة وليس مجرد إمتداد " عفوي " وتلقائي لخبرات الأفراد ومواهبهم وكفاءاتهم غير المختبرة بطريقة موضوعية مقننة .
فهل خضعت نشأة الحزب الناصري لهذه الظاهرة ؟
سؤال لا أملك الإجابة عليه !!!!


النزعة التكنيكية

6 - ان الصفة التي تجمع بين " العفوية التجريبية " وبين " الإنتقائية " في مسائل التنظيم هي تغلب ما يسمى " النزعة التكنيكية " .
والمقصود بهذا تغلب مفهوم عن التنظيم ينظر للمشكلة التنظيمية بإعتبارها مسألة " تكنيكية " محضة . اي القدرة على حصر العضوية وتنظيمها وتصنيفها ومتابعة المستويات التنظيمية والإجتماعات والإيرادات وتنظيم الإنتخابات وتوثسق محاضر إجتماعات .. الى آخره .
ان هذه النزعة " التكنيكية " تقترب في فهمها للتنظيم من مفاهيم عالم الإدارة في المؤسسات والشركات الإقتصادية والصناعية .
ان التنظيم مسألة سياسية وفكرية بالدرجة الأولى وليست مسألة إدارية محضة مهما بلغ من إتقانها الإداري وإنضباطيتها . فالبنية التظيمية لحزب ليبرالي تختلف عن البنية التنظيمية لحزب سري .
إذا ما تغلب هذا المفهوم " التكنيكي " في العمل السياسي تحول الحزب الى مؤسسة بيروقراطية بليدة غير قابلة للتطور وإستيعاب المتغيرات وسادت العناصر الإدارية والبيروقراطية في مستويات القيادة وصارت عائقا أمام تطور الحزب ونفرت العناصر المبادرة وإنزوت تحت ضغط وثقل العناصر البيروقراطية .
فهل عانى الحزب الناصري من ظاهرة " النزعة التكنيكية " ؟
سؤال لا أملك الأجابة عليه !!!!

الديمقراطية الحزبية

7 - يمكن الإستنتاج مما تقدم أن هذه الظواهر الثلاث ستلقي بظلها على الممارسة الديمقراطية داخل الحزب السياسي وآفاق تطورها .
ويهمنا هنا أن نشير الى أن مشكلة الديمقراطية الحزبية هي رد فعل مباشر لمجموعة من الأمور التكنيكية أو الفنية التي تصاحب عملية مولد الحزب السياسي . فمن الأهداف التي لم تستطع الأحزاب العربية أن تحققها حتى هذه اللحظة , هدف إقامة علاقات ديمقراطية بين القيادات والقواعد . فقد كان الغالب أن تحتكر القيادات كل شيئ في التنظيم و فهي تضع له أفكاره وتصوغ له فلسفته وتفرض عليه إجتهاداتها السياسية الشخصية وتلزمه - في أحيان غير قليلة - بالمواقف المتعارضة وتزج به في معارك غير مفهومة . وكل هذا بسبب غياب الديمقراطية .
والديمقراطية ليست مفهوما نظريا أو شعارا عاما . بل هي قبل كل شيئ وبعده مسألة محكومة بالنشأة التي ينشأ بها الحزب السياسي .
ومن هذه الأمور التي لم ينتبه لها بشكل كاف مسألة النشأة الأولى وتأثيرها على حياة الحزب الديمقراطية . ويمكن تلخيص هذه النشأة في ظواهر ثلاث :1 - النشأة حول قيادة سياسية أو فكرية " كاريزمية " .2 - ثنائية الزعامة في التنظيم . 3 - النشأة حول " شلة قيادية " أو مجموعة من " الشلل التنظيمية " .
وما يهمنا في هذه الظاهر الثلاث , الظاهرة الأخيرة , أي نشأة التنظيم حول الشلة القيادية أو تجمع " الشلل القيادية " .
ان الخبرة التاريخية أكدت , في كل مرة , أن انشاء التنظيمات الجماهيرية عن طريق دعوة شلة قيادية لهذا التنظيم يسلب التنظيمات الجماهيرية منذ البداية أحد الشروط الأساسية للديمقراطية .
فعندما تتولى القيادة إنشاء التنظيم يحدث الآتي :
أ - تكتسب القيادة صفتها كقيادة قبل نشأة التنظيم .
ب - تدعو الى التجمع حولها في التنظيم .
ج - تختار الكوادر القيادية التي تليها في هذا التنظيم .
ان تولي القيادة إختيار الكوادر التالية لها بعيدا عن الديمقراطية التنظيمية ( لأن التنظيم لم يكن موجودا أصلا قبل إختيار الكوادر ) يحصر التنظيم منذ البداية في مضايق التقدير الشخصي والتجارب المحدودة والولاءات الشخصية .
فعندما تستند الرابطة الحقوقية في التنظيم الى العلاقات الشخصية المجردة من اي روابط موضوعية أيديولوجية او نضالية , يتحول التنظيم الى مؤسسة مكونة من أشخاص تربطهم روابط خاصة لا علاقة لها بالتميز الفكري أو التنظيمي او النضالي .
ولا يلبث هؤلاء في أستغلال التنظيم لتحقيق مصالح شخصية وعزل القيادة عن القواعد ومطاردة من يتوقعون منهم أن يكونوا منافسين لهم في مراكزهم القيادية . وينتج عن هذا الجو صراعات سلبية مدمرة تدمر التنظيم .
وينتج عن هذا وغيره أن ترفض عناصر كثيرة ووممتازة الزج بنفسها في هذا الجو التنظيمي وما تلبث أن تنأى بنفسها عن العمل الحزبي وتهجره .
والسؤال الآن : هل عانى الحزب الناصري من ظاهرة " الشلة القيادية "
سؤال لا أملك الأجابة عليه !!!





تعدد التكتلات التنظيمية

8 - لا يكاد يخلو حزب - أي كانت أيديولوجيته - من وجود التيارات الفكرية و التي ا تلبث أن تعبر عن نفسها في ميول تنظيمية متابينة .
وظاهرة الشلل أو الإتجاهات التنظيمية , ليست ظاهرة خطيرة فيما لو تم التعامل معها بإعتبارها طبيعية وليست خروجا على الطبيعة الحزبية .
ان عدم الإعتراف بها لا يعني عدم وجودها ولكن يعني إمتدادها في الواقع الحزبي بشكل سلبي ومخرب .
قطعا أن المرحلة التاريخية التي يمر بها حزب ما تفرض قيودا - تضيق أو تتسع بحسب ضرورات النضال السياسي - على التعددية الفكرية والتنظيمية .
ولقد أثبتت الخبرة التاريخية للأحزاب العربية أن إنكار التعددية وإستنكارها لم يولد - في المقابل - سوى التمرد التنظيمي و التشرزم والإنشقاقات والهروب من المنظمة الأم وهجر العمل الحزبي .. الى آخره .
ان تجربة الأحزاب اليسارية الجديدة في اوروبا تقوم على اسس القبول بالتعددية الداخلية , فكريا وتنظيميا , وعلى اساس التمثيل النسبي للإتجاهات الفكرية والتنظمية مع القبول بوحدة الحزب .
ان أوضح مثال على هذه الخبرة , تجربة الحزب الإشتراكي الفرنسي الجديد الذي أعاد تأسيسه " فرانسوا ميتران " عام 1971 من تجمع كتل وإتجاهات إشتراكية مختلفة ومتابينة في أفكارها وإتجاهاتها .
ولقد ظلت سياسة الحزب الإشتراكي الفرنسي تراوح من اليمين الى اليسار بحسب الوزن النسبي الذي تلعبه التيارات المختلفة داخل الحزب وتغير المزاج الشعبي وإختلاف مراحل العمل السياسي خارج السلطة وداخلها .
ان تجربة التأميمات التي حدثت مع استلام الحزب الحكم في 1981 كانت تعبيرا عن صعود التيار الأكثر يسارية في داخل الحزب . ولكن إخفاق هذا التيار وفشل برنامجه السياسي وتغير المزاج الشعبي بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي , أفسح المجال للتيار الإصلاحي الأقل يسارية داخل الحزب الإشتراكي الفرنسي .
وكان السر في هذا هو القبول بمبدأ التعددية والتكتل الداخلي مع الحفاظ على وحدة الحزب .

9 - أن الناصريين لم يقبلوا - بحسن نية - الإعتراف بوجود الإتجاهات والتكتلات الفكرية والتنظيمية في التعامل الحزبي . ربما كان هذا بدافع الحماسة للتجربة الناشئة . ولكن هذا الإنكار لم يمنع واقعيا من أن هذه التكتلات لم تجد لها مكانا في الداخل , فكان من الطبيعي أن تبحث لنفسها عن مكان في الخارج .
لا يمكن هنا ان نلقي باللوم على أي طرف , بقدر ما أن ننبه أن اللوم كله يقع على الذين لم ينتبهوا - منذ البداية - لوجود هذه الظاهرة عند المولد ولم يقدروا - آنذاك - أن منع خطرها لا يتحقق بالأماني والنيات الحسنة , بقدر ما هو فكر تنظيمي يفتش ويحلل ويقارن ويستبق الظاهرة .
ان كاتب هذه الورقة يعتقد أن مصلحة التيار الناصري في مصر الآن ربما تكون في التعدد الحزبي أكثر مما تكون في الوحدة الحزبية ؟!!
والسؤال الآن : هل تنبه الناصريون لهذه الظاهرة منذ البداية ؟
سؤال لا أملك الإجابة عليه !!

غياب النقد الذاتي

10 - لقد أوجدت الحركات الثورية تقاليد داخلية لممارسة النقد والنقد الذاتي . ولكن ممارسة هذه الفاعلية تتطلب أن يكون الحزب قد بلغ نضجا معينا من الناحية الفكرية والتربية الصحيحة لدى أفراده و وموضوعية صادقة في علاقاته الداخلية بحيث يمكن للحزب استخدام النقد والنقد الذاتي في تصحيح مساره وعزل المقصرين وإبراز قيادات جديدة .
هذا يكاد يكون أمرا متفق عليه في الأدبيات الحزبية .
ولكن ممارسة هذا " النقد الذاتي " دليل قوي على إخلاص القيادات وقدرتها على التغيير بضرب نموذج في النقد والنقد الذاتي دون تعالي وغرور .
من ناحية أخرى فإن ممارسة هذا " النقد الذاتي ط لا يجب أن تتخذ كآداة للتشهير بهذه القيادات أو تصفية الحسابات الشخصية الناتجة عن صراع الأحقاد والمناورات والتنافر والصراع على المراكز القيادية .
إنها مهمة فوق طاقة البشر أن تتم بموضوعية وتجرد . ولكن حتى هذه اللحظة لم ينكر أحد ضرورتها في العمل الحزبي أو التقليل من شأنها.
ان وجود أدبيات موثقة داخل العمل الحزبي تمارس هذا النوع من النقد والنقد الذاتي لا يقلل أبدا من صورة القيادة أو يبخسها حقها .
ويكفي أن نتذكر ان أعظم مواهب الرئيس الراحل " جمال عبد الناصر " هي تلك القدرة المذهلة على نقد الذات وتحمل المسئولية عن الخطأ وضرب القدوة دوما على الإعتراف بالخطأ وتحمل العواقب .
والسؤال الآن : هل مارس التيار الناصري عملية النقد و" النقد الذاتي " ؟
سؤال لا أملك الإجابة عليه !!

غياب مدرسة الكادر

11 - لقد تنبهت الأحزاب " الشمولية " الة أهمية التربية الحزبية وتخريج الكوادر . ولقد ظل هذا التقليد معمولا به في الأحزاب الشيوعية الرسمية وغير الرسمية . فالبنية الفكرية والنفسية التي يتم على اساسها إختيار الكوادر وتنمية مهاراتهم هي مجالات خصبة مازال الفكر السياسي يتجاهلها ويعرض عنها عن غير دراية بأهمية دورها الخطير في العمل الحزبي .
ان غياب برامج علمية لإختيار الأفراد وفرزهم فرزا موضوعيا زفق شروط نضالية ونفسية مدروسة ومقننة و كان له أعمق الأثر في أن تفرز الحركات السياسية نماذج شاذة ومنحرفة وإنتهازية تدمر العمل السياسي .
ولكن مدرسة الكادر هي الفرن الذ يصهر الكوادر ويشكلهم من جديد ويعدهم للمهام الحزبية والسياسية وفق المراحل النضالية المختلفة ( خارج السلطة السياسية أو داخلها ) .
لهذا لم يكن غريبا أن تبرز ظواهر سلبية من الدسيسة والوقيعة والتنابز ومواقف التشكيك وتبادل التهم وسيادة منهجة المناورة كأفضل علاقة ذكاء بين الشباب العاملين في الحقل السياسي الحزبي .
12 - لنأخذ على سبيل المثال ظاهرة الشلل التنظيمية . إنها ظاهرة تنبع من وجود طبقة من القياديين الذين يملكون قدرا من المعرفة النظرية والحركية أكبر من القواعد التي تنمتمي لهم . وبالقدر الذي يحافظ هؤلاء القادة على هذا التفوق و, يحافظون في الوقت ذاته على مراكزهم القيادية ويأمنوا تبعية أفرادهم لهم و الذين يشعرون بلذة سلبية كلما تفننوا في إظهار الإخلاص للقيادة .
ان مهمة مدرسة الكادر هي إذابة هذه التفاوتات المختلقة وتمكين الأفراد من الحكم الصحيح على المواقف وتأهيله للقيادة .
لقد أدركت الأحزاب السياسية في البلدان الأوروبية ضرورة الإهتمام بخلق أجيال شابة لقيادة الحزب والدولة عبر برامج خاصة للتدريب على فنون العمل السياسي وإدارة السلطة السياسية وصنع القرار السياسي وتوجيه الجماهير والتفاوض .. الى آخره .
والسؤال الآن : هل نجح التيار الناصري في خلق مدرسة كادر دائمة وكفؤة لمواجهة مثل هذه التحديات ؟
سؤال لا أملك الإجابة عليه !!

وأخيرا : الإقليمية

ان الإقليميةليست فقط مجرد توجهات عقائدية ونظرية , بل هي قبل كل شيئ أسلوب في التفكير ومنهج في العمل السياسي .
وعلى الرغم من إدراك الوحدويين الناصريين لأهمية اقامة التنظيم القومي كأداة لتجاوز التجزئة وإقامة الوحدة . إلا أن هؤلاء الوحدويين لا زالوا بعيدين جدا عن إقامة هذا الحزب الوحدوي الذي هو مشروع الدولة الواحدة التي يناضلوا من أجلها .
ولسنا هنا في مجال إقناع أحد بضرورة هذا الحزب الوحدوي او أولويته . فليست هذه الورقة مجال هذا الحديث .
ولكن ما نحاول قوله أن غياب هذا الحزب الوحدوي يفسر - الى حد كبير - شيوع كل السلبيات التي تحدثنا عنها وإخفاق التيار الناصري عن تحقيق المهام التي ذكرناها سابقا والتي تتخطى قدرات الأحزاب الناصرية القطرية .
ليس هذا مهما الآن .
المهم الآن أنه في غياب مرجعية قومية عليا ( أو بالأحرى شرعية قومية ) سوف يصبح من المحتم أن تسير الحياة الحزبية في الأقطار وفق آلية قطرية ضيقة لاتجد من يردعها ويقلل من تأثيراتها السلبية .
ان خلق " شرعية قومية " مؤسساتية يمكن أن تحد من نوازع الصراع والتنافر وتحكم في المسائل القطرية بتجرد يتجاوز المصالح الشخصية والقطرية مثار النزاع والصراع بين الأفراد والكتل والإتجاهات الفكرية والتنظيمية .
ان أي مهمة لحل النزاعات والصراعات بشكل قطري ستظل محكومة بالميول والأهواء الشخصية والمصالح الذاتية .
هل يمكن النجاح في ضبط العمل الناصري قطريا ومحاصرة الإنحرافات داخله في ظل غياب هذه الشرعية القومية العليا ؟
هذا سؤال لا أملك الإجابة عليه !!
.

الخميس، نيسان 14، 2005

نحو تاسيس حزب قومي ديموقراطي اشتراكي --- دياب أبو جهجه



دياب ابو جهجه

عقود عديدة مرت و الأمة العربية تتخبط في واقعها السياسي المجزء و هي تواجه تحديات الاستعمار المباشر و غير المباشر و الديكتاتورية و التناغم بين هذين النسقين في قمع الانسان العربي و المجتمع العربي و دفعه الى التبعية و التخلف و الانحطاط.

وقد انطلقت الحركة القومية العربية منذ ايامها الأولى رافضة هذا الواقع و طارحة مشاريعا وحدوية مشروعة من حيث تعبيرها عن الطموح الى التوفيق بين الشكل السياسي للامة العربية و وحدتها الموضوعية. و كانت تلك المشاريع متنوعة من حيث الشكل و المضمون فمنها الشعبوي الرومانسي و منها التقدمي الاشتراكي و منها الليبرالي و منها الفولكلوري الخالي من اي بعد نضالي. و لكنها كانت تلتقي دوما في اصرارها على وحدة الشعب العربي و تاسيس الدولة العربية الواحدة على تراب الوطن العربي.

فمن ارهاصات النضال الفدرالي العربي في اطار الدولة العثمانية الى الثورة العربية الكبرى ضد الاتراك , و من بداية تاسيس الجمعيات السرية مثل العربية الفتاة و الجمعية القحطانية الى تاسيس حزب البعث العربي الاشتراكي و حركة القوميين العرب و المد الجماهيري الناصري, مر النضال القومي العربي بعملية بلورة ايديولوجية نقلته من مجرد رد فعل على الاستبداد الطوراني التركي الى مشروع سياسي اجتماعي ثوري بكل ما في الكلمة من معنى.

و لكن لنكن صريحين, لم تتحول القومية العربية الى حركة جماهيرية عارمة تتخطى مقولاتها السياسية حدود النخب المثقفة و الواعية و تصبح اطارا عقائديا لشرائح واسعة من المواطنين العرب الا مع التجربة الناصرية و المد الناصري بين 1952 و 1970.

ربما باستطاعتنا استثناء الثورة العربية الكبرى التي طرحت القومية العربية اطارا و استطاعت حشد زخم جماهيري لها و لكنها اولا لم تطرح مفهوما سياسيا واضحا للمشروع القومي و لم تحمل اي مشروع مجتمعي معين و انحصر افقها العربي على الاقطار العربية في اسيا. و لذلك من الصعب اعتبار الثورة العربية الكبرى ثورة عربية كبرى فعلا و ان كان هذا اسمها المتداول. لكن كانت تلك الثورة ثورة وطنية عروبية ذات افق محدود جدا و من دون اي مشروع سياسي واضح تقودها اقطاعية عربية رجعية انتهى الامر بها الى مساومة المستعمر و الصهيوني.

اما الأحزاب و الجمعيات القومية فقد انحصر دورها في اطار نخبوي و في اوساط الطبقة الوسطى العربية و العسكر و لم تشكل قط امتدادا جماهيريا واسعا.

مع صعود نجم جمال عبد الناصر انبلجت ظاهرة المد الجماهيري العارم المؤيد له في الوطن العربي ككل. عوامل عدة ساهمة في خلق هذه الظاهرة اهمها رؤية عبد الناصر الايديولوجية و الثورية و مواقفه المبدئية و نجاحه في مواجهة عدوان 1956 و شخصيته الفذة و سيطرته على اكبر الدول العربية و اكثرها تاثيرا, ذلك في مواجهة هشاشة الانظمة العربية الاخرى و ارتباطها المفضوح بالدوائر الاستعمارية. بالنسبة للجماهير العربية المفجوعة بنكبة فلسطين و الناقمة على فشل حكامها في التصدي للكيان الصهيوني, تلك الجماهير عينها التي كانت لا تزال تعي خطر الاستعمار و وطاته المباشرة, فقد كانت تتطلع الى قيادة ثورية في مواجهة العدو الخارجي و عندها قابلية راديكالية للانتفاض في وجه واقعها المتردي على اكثر من صعيد.

لا نريد ان نخوض في تحليل للتناغم السيكولوجي الذي جعل من عبد الناصر قائدا جماهيريا عربيا و لكننا نريد ان نقول ان هذا الواقع و تلك المسؤولية هي التي علمت عبد الناصر القومية العربية و مبادئ الحرية و الاشتراكية و الوحدة التي لخصت مشروعه المجتمعي الثوري. عبد الناصر لم يجئ بنظرية خالصة جاهزة لتغيير الواقع و انما تعامل مع الواقع الموضوعي من منطلق التجربة و الخطا و انتج مع طليعة من رفاقه نظرية هي بنت واقعها.

و عندما انحسر المد الناصري انحسر معه المد القومي و عادت الأمة العربية للتخبط في دوامة انهزامية رغم محاولات المقاومين هنا و هناك الوقوف في وجه الانهيار. و انحصرت الطروحات القومية العربية في اطار الأنظمة السلطوية القمعية التي و ان كانت تحتفظ احيانا ببعض من وفاء لمسلمات قومية الا انها شوهت صورة الفكر القومي و ربطته بمرض الحكم الديكتاتوري الفاسد المستند على طائفة او عشيرة.

اما الحركة القومية العربية فتشتت قواها و تراجعت من موقعها الملتحم مع الجماهير الى خنادقها النخبوية من جديد. فها هي اليوم حركة للمثقفين و المتعلمين و الأدباء و المفكرين و بعض اطياف الطبقة الوسطى. اما الساحات الشعبية فخالية أو تكاد من أي وجود فعلي للحركة القومية العربية.

و لكن المد الناصري الهائل اصبح جزء من الذاكرة العربية و من الوجدان الحي للجماهير العربية ما عدا تلك الشرائح المأدلجة اساسا ضد القومية في كل تجلياتها من غلاة الاسلامجيين و الشيوعيين.
فأصبح عندنا من جهة جماهير عربية واسعة تركت في وجدانها التجربة الناصرية وفاء للمبادئ الثلاثة الحرية و الاشتراكية و الوحدة في مضامينها العملية و ان تغيرت التسميات. و من ناحية أخرى نخبة قومية عربية مخلصة لنفس المبادئ حاملة لنفس المشروع الذي تحمله الجماهير و لكن عاجزة عن ان تتواصل معها أو حتى ان تصل اليها. و بينهما هوة تنفذ من خلالها تيارات و حركات اكثر تنظيما و أكثر تصميما تستقطب جزء من الجماهير مستفيدة من تراث الحركة القومية العربية و لكن محولة مضامينه الى خطاب شعبوي عاطفي ديني.

و يبقى الجزء الأكبر من الجماهير العربية بعيدا عن التأطير السياسي و مناضلا ضد واقعه من اجل الاستمرار و البقاء و لقمة العيش مع شيء من الكرامة دون الانتماء الى تنظيم او فكر سياسي معين .
و لا يكتفي القوميون النخبويون بالابتعاد عن العمل الجماهيري بل يدينون الجماهير و يتهمونها بالبلادة و الجبن و الانسحاب من المعركة. و هم لا ينزلون الى الشارع الا في اعتصام او مظاهرة أو ذكرى وهي كلها مناسبات يلتقي فيها الناشط مع الناشط و المناضل مع المناضل. لكنهم لا ينزلون الى الشارع لكي ينشطوا بين الناس و يبنوا اطرا اجتماعية اقتصادية و مستوصفات و مدارس و اندية تكون اضافة الى طابعها الخدماتي نقاط ارتكاز شعبية و نقاط تجييش و نقاط انطلاق. لقد تركت الحركة القومية العربية مجال العمل الجماهيري المباشر للاسلاميين و الشيوعيين و انكفأت الى السطح الاجتماعي. و ان كان ظهورها لا يزال مميزا بل الابرز في الاوساط النخبوية الا ان هذا الظهور هو سطحي بكل ما في الكلمة من معنى ما لم يترافق مع زرع جذور متينة للحركة في الاوساط الشعبية.

ان الخطاب القومي العربي لا يزال هو الخطاب الأساسي و هو في تفاعله مع الخطاب الاخر الموجود بقوة على الساحة العربية اي الخطاب الاسلامي ينتج خطابا قوميا منفتحا على الأبعاد المتعددة للانتماء الحضاري العربي و مقبول من كافة القوى الجدية على الساحة من اسلامية و قومية. و اذا استثنينا التيارات السلفية و التكفيرية فان التيار الاسلامي المعتدل يتكلم اليوم بالمنطق القومي و ان كان مهجنا بابعاد اسلامية و الفضائيات العربية تساهم في اعادة تمكين الخطاب القومي العربي و ادخاله الى بيوت الجماهير العربية من الطبقة المتوسطة و الطبقة المتوسطة الفقر التي تملك تلفازا. بعض هذه الفضائيات تقودها نخب عروبية سواء قومية او اسلامية و بعضها الاخر فرض عليها السوق الاعلاني اخذ البعد العربي بعين الاعتبار في عملها و اتخاذ الخطاب القومي لكي تبيع اكثر و هذا دليل اضافي على البعد الموضوعي للامة العربية. فهل يستفيد التيار القومي العربي من هذه العوامل المساعدة؟

لقد حان الوقت لكي نطرح كقوميين مشروعا متكاملا لمجتمعنا يرتكز على ثوابتنا التي عبرت عنها التجربة الناصرية ولكنه يبتعد عن الترديد الرومانسي الفولكلوري لمقولات معينة و تعظيم الماضي و الحنين اليه.
اذا كنا نريد الحرية و التقدم و الوحدة لأمتنا فلا بد لهذا المشروع ان يحتوي على النقاط التالية:

أولا: وعي كامل متكامل لواقعنا الموضوعي و للعوامل المؤثرة به و للأطراف الناشطة داخله و حوله و لحركته في المكان و الزمان. هذا الوعي لا بد من ان يتمخض عن دراسة علمية منهجية كاملة تخوض بالاقتصاد و السياسة و الديموغرافيا و علم الاجتماع و الجغرافيا-السياسية والبيئة و تربط بين كل من هذه المجالات و تضعها في اطارها الديناميكي المتكامل من حيث تأثيرها على الواقع العربي و تطوره المستقبلي. ان هذا التقرير الموضوعي الكامل لا بد له من ان يصدر دوريا لكي نعرف عن أي واقع نتكلم و اي واقع نريد ان نغير. ومن المهم الملاحظة ان دراسة الواقع هذه لا يجب ان تكون منحصرة بالواقع العربي بل بالواقع العالمي المحيط ايضا من زاوية تأثيره على واقعنا و تاثره به.

ثانيا: اعادة طرح المشروع الوحدوي مبنيا على ثوابته الثلاثة الحرية و الاشتراكية و الوحدة. و الادراك لحقيقة مفادها ان ترتيب الاهداف الثلاثة بهذا الشكل ليس فارغا من مضمون تفاضلي. فالأولوية لحرية الفرد و تحرره و لحرية المجتمع و تحرره من الاستعمار و الاستغلال. لا يمكن ان تنتظر حرية الأخرى و لا يمكن أن يحرر العبيد ارضهم من المحتل بأن يظلوا عبيدا و لا ان يتحرر الانسان من العبودية تحت نير الاحتلال. المعركة ضد القهر و الاستعباد سواء كان داخليا و خارجيا هي معركة واحدة من اجل التحرر و يجب ان تتم في نفس اللحظة التاريخية لا ان تؤجل الواحدة من أجل الأخرى. فلذلك لا قبول بالديكتاتورية من اجل مقاومة الأجنبي الغاصب و لا قبول باغتصاب الأجنبي لارضنا و مجتمعنا و مواردنا من أجل اسقاط الديكتاتورية بل قتال للغاصب و للديكتاتور في نفس الوقت. و التحرر من الاستبداد و القهر يعني ايضا التحرر من ثقافة الاستعباد و القهر و من القيود على التعبير و الرأي مهما كان و مهما ناقض المسلمات و المقدسات. فالرأي ليس خطرا و طالما النظام ديمقراطي فالاغلبية تحكم و لذلك لا بد من حماية الاقلية و الأراء التي لا تحظى بقبول عام قبل حماية الاراء المهيمنة. ان اي حد او قيد على حرية الرأي هو بداية تحطيم السلام الاجتماعي و الديمقراطية. اما الشكل الديمقراطي فلا بد من ان يكون مبنيا على تداول السلطة في فترات زمنية محددة و محدودة و تعدد الأحزاب و المرشحين للمنصب و الاقتراع الكلي و المباشر و النسبي و الفصل بين السلطات فصلا مطلقا و احترام القوانين و المبادئ الدستورية احتراما مطلقا.
هذا فيما يتعلق بالحرية بشكل موجز, اما الاشتراكية فهي المضمون الاقتصادي و الاجتماعي للحرية. الاشتراكية العربية التي طرحها عبدالناصر ليست شيوعية طوباوية بل نابعة من واقعها العربي و بذلك أشد علمية من الاشتراكية الوهمية الدوغمائية التي سقطت الى غير رجعة. الاشتراكية العربية تعني ان الشعب العربي يسيطر على موارده و ثرواته و يجيرها لبناء مستقبله و نهضته. و الاشتراكية العربية تعني أن لا تستحوذ فئة صغيرة على المقومات الاقتصادية لبناء الامة و ان تبعثر مليارات الدولارات بينما المواطن العربي يجوع و يذل و يهاجر قسرا بحثا عن لقمة العيش. الاشتراكية العربية تعني قطع دابر الفساد بأن يسيطر الشعب العربي عبر هيئاته المنتخبة ديمقراطيا على قناته و مياهه و نفطه و غازه و فوسفاته و منغنيزه. و ان يتم توزيع الربح الناتج عن تجارته بها على الشعب العربي في اطار مشاريع دراسية و صحية و تنموية و ثقافية و رياضية و طبعا عن طريق فرص عمل و استثمارات صناعية و زراعية و نظام ضمان اجتماعي فعال يحفظ للمواطن كرامته دوما. الاشتراكية العربية تعني ان يحصل الفلاح على ارض يزرعها و ان لا تتشكل ملكيات احتكارية للارض تستعبد الناس و تبني اقطاعية جديدة. الاشتراكية العربية تعني ان يحصل العامل العربي على عقد عمل محمي من قبل الدولة و يضمن حقوقه و واجباته و ان يكون هنالك حد ادنى للأجور و حد أقصى لساعات العمل و حق في وقت عطلة و فراغ يخصص للراحة و لنشاطات اخرى.
الاشتراكية العربية لا تعني كف يد المبادرة الفردية و بناء بيروقراطية اقتصادية كريهة تجمد الحركة الاقتصادية و تقتل السوق. كلا الاشتراكية العربية ليست ضد الملكية الفردية ولا ضد ان يكون هنالك أغنياء, انها ضد ان يكون هنالك فقراء و تعتبر ان التكافل الاجتماعي شرط واجب لبناء مجتمع صحي.
فليقاول المواطن العربي و يتاجر كما شاء و ليكدس الاموال كما يريد و يستثمرها فيما يريد طالما ان الاطار المشار اليه اعلاه مضمون و محقق عبر السيطرة المباشرة للشعب العربي على موارده و على المرافق ذات الطابع الاستراتيجي و طالما ان الاحتكار ممنوع و محارب. و نحن لا نريد ان نسهب هنا أكثر من هذا و لكن الطرح الاشتراكي هوالذي يربط بين القومية العربية و بين بعدها الاجتماعي و يجعل من الحركة القومية صاحبة مشروع متكامل لبناء مستقبل افضل. الاشتراكية هي التي تجعل من القومية العربية مشروع الجماهير و هي التي تجعل من المناضلين القوميين طليعة اشتراكية و ليس نخبة تميل للفاشية.
و تبقى الوحدة التي نعني بها الوحدة السياسية لان الوحدة الموضوعية للأمة العربية امر اخر. هذه الوحدة السياسية لا تتم الا عبر انشاء دولة عربية واحدة تجعل من العروبة مواطنة الى جانب كونها انتماء و هوية. الطريق الى هذه الدولة العربية الواحدة قد يسهله برنامج تكامل تقوم به الدول العربية الحالية خاصة اذا ما التزمت بقيم الحرية. ان اسقاط الديكتاتوريات العربية شرط اساسي من اجل بناء الوحدة العربية. فالديكتاتوريات عاجزة عن التنازل عن سيادتها للشعب او لأي اطار اخر حتى لو بنته بنفسها. و اضافة الى ذلك فان الدولة الاقليمية العربية ستبقى عائقا في وجه الوحدة العربية و التضامن العربي و ان كان ضروريا لا يمكن ان يكون بديلا عن الوحدة و لا يمكن ان يكون طريقا الى الوحدة. الطريق الى الوحدة هو طريق تحرير المجتمع العربي من قيود الاستبداد السياسي و الاستغلال الاقتصادي و الاحتلال الاجنبي و من الدولة القطرية ذاتها.

ان اعادة طرح المشروع المثلث الأهداف مع الوعي بأسبقية الحرية على الاشتراكية و أسبقيتهما معا على الوحدة يعني الايمان بمسيرة نضالية ستكون صعبة و عاتية من أجل تحقيق مضامينه و تعني مواجهة الانهزامية و التخاذل بمزيد من القناعة بصحة المشروع القومي الديموقراطي الاشتراكي و بضرورته. ان التنظير الليبرالي الذي يريد ايهامنا بأن الليبرالية هي الحل لمشكلة التنمية و الفقر و الفساد و بأن الديموقراطية مجرد ماكياج سطحي لا مضمون اجتماعي اقتصادي له و بأن الاستعمار وهم غير موجود و الاحتلال واقع يجب الرضوخ له و الاستلام له من اجل التخلص منه, هذا الطرح واهن و لا بد من اظهار ضعفه و تناقضه.

ثالثا: بناء حزب ديموقراطي اشتراكي عربي يتشكل على المستوى القومي و يعمل في اطار استراتيجية قومية شاملة و يكون له وجوده في الدول العربية كلها و في الشتات. هذا الحزب لا بد من ان يكون ديموقراطيا في ذاته وليس فقط في عقيدته. و لا بد من ان يفرز قياداته ديمقراطيا و يدير شؤونه عبر مؤسسات حزبية تحكمها قوانين واضحة يتم الالتزام بها دونما مساومة. هذا الحزب لا بد من ان يكون تنظيما صلبا حديديا و ان يتحلى بالروح الطليعية التي تدفعه الى التجذر في اعماق الشعب العربي في الحواري و الأزقة و القرى النائية و كذلك في الجامعات و الصحف و الفضائيات. و تدفعه ايضا الى الوقوف في الصفوف الامامية للصدام مع أعداءالأمة الداخليين و الخارجيين. لا بد من ان ياخذ مناضلو الحزب الصف الامامي في المظاهرة و في المناظرة و في العصيان المدني و في الندوة العلمية و في المعركة المسلحة. الظروف تملي اسلوب المواجهة و لكن دور الحزب دوما هو الوقوف في الصف الاول و اخذ المخاطرة الاكبر و تقديم التضحية الاعظم. ان التنظير للجماهير سهل جدا و لكن التحلي بالدور الطليعي يكون فقط عبرالانقضاض على العدوامام الجماهير و ليس الاختباء خلفها و عبر تلقي الصدمات الاولى ذودا عنها و توجيه الضربات الاولى باسمها. الحزب الطليعي الذي يطرح مشروعا قوميا اشتراكيا ديمقراطيا شاملا و الذي يتصرف بهذه الاخلاقية الثورية العالية و الذي يريد ان يكون اداة بيد الشعب لا ان يجعل الشعب اداة له لا بد له من ان يبن اطر خدماتية ليعمق التواصل بينه و بين الجماهير و لينشط التفاعل اليومي معها. لا بد من ان يبن المدارس و النوادي و الحركات الكشفية و المستوصفات و المسارح. هذا الحزب لا بد من ان يؤسس الان, لا بد من ان توضع لبناته الاولى الان, لاننا في خضم المعركة و التاريخ لا ينتظر المتخاذلين.












الثلاثاء، نيسان 12، 2005

تحليل لطبيعة النظام الاقليمي العربي للدكتور عصمت سيف الدولة

وفي هذه الدراسة المقتضبة سنحاول التطرق إلى النظام الإقليمي العربي: نشأته و مراحل تطوره. لقد نشأت الدول العربية القطرية بعد الحربين الأروبية الأولى و الثانية، و في ظل التواجد الاستعماري المباشر. إن هذه الظروف التي صاحبت تركيز الدول العربية مازالت غامضة تستحق الدراسة و البحث. و لربما الفشل الذي تعانيه هذه الدول و عجزها عن الإقلاع في اتجاه التقدم يعود إلى طبيعة هذه الولادة. وتحاول هده الدول أن تصبغ لنفسها مشروعية مفقودة لكنها لم تنجح فالصراع اشتد بين جهاز الدولة والشعب وتزداد الغربة كل يوم بين هذا الجهاز و بين أغلبية الشعب ما عدا المنتفعين من هذا الجهاز. و هناك من يذهب حتى إلى اعتبار إعلان قيام الجامعة الـعـربية سنة 1945 والـتـحاق ما تبقى من الدول العربية بهذه المؤسسة بعد حصولها على استقلالها السياسي كان محاولة من قبل الدوائر الغربية لتأبيد وضع التجزئة و التفتيت.

فالدول العـربية و إن اختلفت تـوجهاتها جمهورية أو ملكية ثـورية أو رجعية فإنها تحتكم في سياساتها الخارجية و الداخلية لميثاق الجامعة العربية كإطار دعم للعلاقات العربية-العربية والذي ينص في كذا نص على ضرورة احترام حسن الجوار و رعاية الحدود و عدم التدخل في الشؤون الداخلية . فبهذا الشكل فان وجود الجامعة العربية يعني اعتراف صـريح بمعاهدات سايكس- بيكو و كل مشاريع التقسيم التي تعرض لها الوطن العربي. ذلك أن وجود مؤسسة بهذا الشكل هو في نهاية الأمر عملية تقنين لحالة التفتيت.

النظام الإقليمي العربي نشأ مع التغيرات التي شهدها النظام الاستعماري، تنازل عن الحضور المباشر واستعداده إعلان استقلال بعض الدول العربية مع الحفاظ على واقع التبعية. فتأسست جامعة الدول العربية، بمباركة غربية، و هكذا تم تأجيل مشروع الدولة القومية في الوطن العربي .

و بتسلم بعض القيادات السياسية ذات التوجه الوحدوي دفة السلطة فإن مشروع الدولة القومية سيطرح بحدة و داخل أروقة الجامعة العربية. لكن المفارقة الكبرى أن هذه القيادات الرافعة يفطة الوحدة القومية كانت هي ذاتها على رأس الدولة القطرية. ملتزمة بميثاق الجامعة العربية الذي ينص صراحة على احترام الحدود بين الدول العربية معلنة في نفس الوقت أنها تسعى لتحقيق الوحدة القومية العربية. إن احتداد الصراع بين القيادات الاقليمية و القيادات الوحدوية, لم يغير كثيرا في أرض الواقع. فالحدود كما سطرت و ازدادت أجهزة الدولة الاقليمية في ميدان القمع الداخلي، سواء تحت الشعارات الوحدوية أو تحت الشعارات الرافضة للوحدة العربية. لقد تمكنت الدولة الاقليمية من احتواء "الرجعيين" و "التقدميين" و تحولوا شيئا فشيئا خندقا واحدا كلا يدافع على دولته و إن اختلفت الشعارات .

والآن كلها تعاني الانهيار. فكلها عاجزة على إعلان سيادتها فهي مضطرة إلى القوات الأجنبية للحفاظ على وجودها أمام جماهيرها. إن الدولة الاقليمية سواء حكمت باسم الشعارات الاقليمية أو الوحدوية أصبحت عنوانا للفشل و الهزيمة. و هنا يطرح تساؤل كبير هل يمكن الحديث عن دول و هي تفتقد إلى أبسط المقومات ألا و هو عنصر السيادة.

فما هي الظروف التي صاحبت نشأة هذا النظام الذي يعرف الآن باسم الجامعة العربية؟ و ما هي أهم المراحل التي قطعها؟ و هل يمكن التطلع إلى تقدم عربي داخل هدا النظام الإقليمي العربي؟

حول نشاة النظام الإقليمي العربي:

لئن بدت عملية التوسع الاستعماري في نهاية القرن الثامن عشر تدفعها رغبته في السيطرة الاقتصادية على كل الثروات فانه ما كان لها أن تحقق هذا التوسع دون محاولة تدمير المقومات الحضارية والثقافية للعديد من الأمم منها الأمة العربية حتى تسهل له عملية السيطرة. فالغرب يعلم أن استفاقة الأمة العربية من غفوتها و نهوضها بعد كبوتها و استعادتها لقوتها ووحدتها يعني نهاية هده الحملة الظالمة. فالخطة الاستعمارية سعت :

أولا: خلق واقع تجزئة في الوطن العربي و تدعيم هذا الواقع من خلال البحث عن أبعاد جديدة ثقافية و حضارية و إعطاء مشروعية لكل مظاهر التخلف في النمو القومي العربي. لتكريس هذا المبدأ. فلقد اعتبرت هذه الدول أن تجزئة الوطن العربي و خلق حاجز/ دولة تفصل مشرق الوطن عن مغربه يسهل عملية السيطرة عليه. أخذت عملية د ق اسفين في الجسد العربي أبعادا ثقافية و نفسية و تاريخية حتى تفشل أية محاولة وحدوية مستقبلية. لذلك فان الدوائر الاستعمارية سعت إلى:

أ ـ بناء دولة تفصل مشرق الوطن عن مغربه. على أن تكون الدولة الحاجز متناقضة مع التكوين الحضاري للمنطقة و جزءا لا يتجزأ من المنظومة الفكرية و الحضارية للدول الغربية.

ب ـ أن تكون قاعدة ا لدولة الجديدة دينية بحيث يفتح المجال واسعا لادعاء ضرورة قيام" دولة مسيحية" وفي كل الحالات يعطي تبريرا أخلاقيا للتدخلات الغربية بدعـوى حماية الأقلية المسيحية.

ج ـ تحويل ما تبقى من الوطـن العربــي إلى دول قزمية متصارعة فـيمـا بينها ضعيفة تابعة للقوى الغربية الكبرى و هـكـذا يـعـيش الوطن العربي دوامة الـحروب الـدينية و الـعـرقية والـطائفية حتى تسهـل عملية السيطرة على ثرواته الباطنية بعد ضـرب مكـونـاته الفكـرية و الحـضـارية و الثقافية الواحدة.

د ـ أن تكون هذه التجزئة بطريقة تضعف أمل التوحيد ذلك أن عملية التفتيت تقوم على قاعدة أخرى و هو إضعاف الكيانات القطرية ذاتها أيضا من خلال سلبها لأي مقومات أو قوى تسمح لها بأن تلعب دورا توحيديا في المنطقة العربية. فهناك كيانات تعاني مشكلة الغنى بسبب صغر حجمها ووفرة مواردها. و هناك كيانات تجابه مشكلة الفقر بسبب حجمها و قلة دخلها بحيث تصبح الحل الوحيد لمشكلة الغنى و الفقر بيد القوى الأجنبية التي تستخدم موارد الغنى لتطوير اقتصادها و متطلبات معيشتها. و توزع فتات غناها على الكيانات الفقيرة كي تبقيها أسيرة هيمنتها و سيطرتها المباشرة و هكذا تتحكم بالغني و الفقير على حد سواء. [1]

فالغرب بزرعه كيانا غريبا على الوطن العربي، تفصل المغرب عن المشرق و تحويل ما تبقى من الإدارة العثمانية والاستعمارية إلى شبه دول أي إلى دول تتناقض مع المجتمع القومي و الدولة القومية يحقق الهدف المركزي لحملته وهو إحكام سيطرته على الوطـن العربي و ضمان استمراريتها بأقل الخسائر.

ثانيا : تشكيل نخبة مرتبطة بالغرب حارسة لمصالحه تدافع على مبدأ التفتيت تولت تسلم مقاليد الإدارة بعد خروج الاستعمار المباشر. و قد تكفلت هذه النخبة بالعمل على إعادة إنتاج كل مظاهر التخلف في النمو القومي العربي لتكريس الواقع المجزأ التابع باتجاه المزيد من الاقليمية و التفكك و المزيد من التبعية و الاندماج بالنظام الغربي العالمي المهيمن. و قد تولت هذه النخبة بمساعدة الغرب المادية

أ ـ إعطاء مضامين سياسية و اجتماعية لهذه الدول بما يساعد على إضفاء مشروعية مفقودة. وسعت إلى تخريب التاريخ القومي و نبش التاريخ القبلي الغابر و جعلت منه تاريخا قوميا جديدا و هكذا تتم عملية إعادة كتابة التاريخ العربي. و تتواجد هذه النخبة المرتزقة على رأس مراكز بحث و دراسات متسترة بالحياد العلمي و "الموضوعية" لفرض أيديولوجية التفتيت.

.ب ـ ربط عملية الحداثة بقوى الهيمنة، فتصبح الحداثة و المعاصرة هما النقل الأعمى للحضارة الغربية و كل ما يخالف المركزية الحضارية الغربية يوصم بالتخلف و الرّجعية و السّلفية.

ج ـ عملية الانسلاخ استهدفت اللغة القومية كحامل للحضارة فاللغة القومية تصبح لغة عاجزة على استيعاب العلم و التقدم ويصبح تبني لغة المستعمر هي الحل الأمثل. فهي اللغة الوحيدة التي تتماشى مع العصر على حد قولهم. أما اللغة العربية فهي لغة الإقطاع و التخلف. .و تحت شعار الأبحاث العلمية يتم التنظير للهجات المحلية كنقيض للغة العربية ، الأمازيغية و الكردية و البربرية.... وفي إطار "بحثها العلمي" و العلماني و كعلامة على تحضرها تكتشف هذه النخبة العلمانية جدا دينا جديدا و تكتشف أن الدين الإسلامي لا يتماشى مع العصر و أنه دين يعادي الديمقراطية و الحرية و حقوق الإنسان و أن دين المستعمر هو دين الحداثة و التسامح.

د ـ الدعوة إلى أسلوب تنمية يتناسب مع أساليب المستعمر لتدمير البنى الاجتماعية و الثقافية و يسمح للتبعية بالتغلغل في النسيج الثقافي و الاقتصادي لهذه اللامة.

عن الجامعة العربية :

بإعلان قيام الجامعة العربية تم الاعـتراف بتحويل ما تبقى من الإدارة العثمانية الدولة/ الإمبراطورية متعددة القوميات و الإدارة الاستعمارية صاحبة الشركات المتجاوزة للقوميات إلى دول، نجحت مخططات القوى الكبرى في أن تشكل هذا الواقع الجديد في منظومة قانونية شديدة التعقيد. وهكذا شكلت الجامعة العربية الغطاء الرسمي الذي تم به تقنـــين الدول العربية و تقسيم الأمة. و شرط الاستقلال السياسي التي رفعته الجامعة كان غير ذي مضمون بحيث أنه يشترط التفريط في الوحـدة و قبول الشروط الاستعمارية. فالاستقلال كان صوريا فعلى حد تعبير معن بشور فان الاستقلالات القطرية في العديد من الأقطار لا سيما في المشرق العربي لم تكن في حقيقتها أكثر من تسوية نصفية قبل فيها المستعمر بمنح الأقطار العربية استقلالها السياسي مقابل أن تتنازل القيادات الوطنية عن مطلبها بالوحدة مع أقطار أخرى و إذا كانت تجربة سوريا و لبنان في مطلع الأربعينات هي التعبير الصريح عن هذه التسوية حيث تنازل الوحدويون في البلدين عن الوحدة مقابل أن ينال البلدان استقلالهما فان تنازلات مماثلة أقل صراحة قد جرت في العديد من الأقطار العربية الأخرى ناهيك عن الكيانات الصغيرة في منطقة الخليج. و قد كان الاستعمار يدرك جيدا أن الاستقلال السياسي في ظل كيانات صغيرة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الاستقلال الاقتصادي و الأمن القومي، و لن يكون أكثر من عملية شكلية يخرج بها الاستعمار من الباب ليعود بمصالحه و شركاته و امتيازاته من النافذة.[2] لقد كان تأسيس جامعة الدول العربية مرتبطا ارتباطا وثيقا بالتواجد الاستعمارى و خاصة بريطانيا. قد أسست بعد عملية التقسيم وحتى تضفي مشروعية لعملية تفتيت الأرض العربية بين القبائل و الشيوخ و الحركة الصهيونية. فلقد تم فرض 21 دولة - قطر - على الأمة العربية من قبل القوى المنتصرة في الحروب الأروبية الأولى و الثانية و تم تقنينه بقيام الجامعة العربية في سنة 1945.و لا يوجد حاكم عربي يستطيع أن يدعي أنه خط حدود دولته فلم يكن نشاة الدول العربية إلا تلبية لرغبة استعمارية و ردة على الد ولة القومية المفترض قيامها و مناقضة للحقيقة القومية الموضوعية. فاصطنعت الحدود و جعلت منها دولا ممثلة في الأمم المتحدة و تحاول القوى الاقليمية تقديم "أمم" بديلة في مواجهة وحدة الوجود القومي العربي فيتحدثون على وجود أمة تونسية و أخرى مصرية أو جزائرية لترسيخ النزعة الاقليمية في ذهنية الشباب العربي و تسعى ذات القوى بالتعاون مع الدوائر الاستعمارية من مراكز بحث و معاهد دراسات لم تعد خافية على أحد. باسم البحث العلمي، و الحياد الأكاديمي يتم تبرير الجريمة. الهدف النهائي هو إضفاء مضمون اجتماعي و سياسي و ثقافي و نفسي للإقليمية حتى تكتسب مشروعية. و قد كان مصيرها الفشل. فقد دأبت الفئات الحاكمة في الوطن العربي على تغطية و جود الدولة أيديولوجيا لتكريس شرعيتها بتأسيس تاريخ خاص بها من خلال نبش الحضارات القديمة و نسبتها لها كالآشورية و البابلية و الفينيقية و الكنعانية و الفرعونية ألخ ...و لكن حتى هذا النبش لم يساعد الدولة القطرية في الوطن العربي في اكتساب مشروعية. بل أكد مأزق الدول ذاتها لأن البحث في التاريخ يؤكد أن الوطن شهد حضارات مختلفة متعاقبة قامت كل منها على هذه الرقعة التي تسمى اليوم الوطن العربي و كان العرب نتاجا لها. إن التوغل في التاريخ يدعم مسألة الأمة العربية لأنها كانت نتاج هذا التاريخ حيث تبلورت سماتها في ثناياه لتسقط كل النظريات المستحدثة لتدعيم دول شرعيتها الوحيدة هي أنها تأسست بقرار استعماري [3].

فنجاح خطة التفتيت بإعلان قيام جامعة الدول العربية لم يستطع أن يستبعد قضية بناء الدولة القومية في الوطن العربي. فالدولة تستمد مشروعيتها من مدى انسجامها مع التكوين القومي. أما الدول العربية مجتمعة و منفردة تفتقد إلى المشروعية فهي المولود الشرعي للإرادة الاستعمارية. ففي أوج عصر الدولة القومية في العالم يتم تقسيم الأمة العربية إلى العديد من دويلات هدفها إعاقة الأمة في حل مشاكلها المادية و المعنوية. "عندما يكتمل التكوين القومي للأمة فان الدولة المشروعة التي تتطابق حدودها جغرافيا و بشريا مع حدود الأمة التاريخية و تكون الأمة هي مستند شرعية الدولة. يترتب على تلك القاعدة أن الدول التي أسسها الاستعمار أو أوكل تأسيسها للغير أو تعاقد و ابرم المعاهدات لإقامة دول عدة على أرض أمة واحدة و شعبها هو عدوان بالدول اكثر خطرا و ابعد أثرا من العدوان بالجيوش و بالحروب و الاحتلال و أن تلك الدول المركبة عدوانا لا يمكن أن تكتسب شرعيتها بالتقادم و أن الأمة المعتدى عليها بالدول لن تجد سبيلا للتحرر و التطور و الاستقلال إلا بامتلاك المقدرة المناسبة و الأسلحة المناسبة و الوسائل المناسبة لتفكيك تلك الدول العدوانية و إزالتها تماما و تتبع الآثار المدمرة التي ترتب على تأسيسه" [4] بهذا المعنى فان الدول التي تم تأسيسها تفتقد إلى قاعدة أساسية إلا و هو الشرعية التاريخية هذا يعني أن الدول العربية دول غير مشروعة طبقا لحق الأمم في بناء دولتها القومية و إذ أسست هذه الدول فان الهدف هو إعاقة هذه الأمة في بناء دولتها القومية.إن الدول القطرية المنشورة داخل الوطن العربي هي ارتداد عن الدولة القومية و كل عملية ارتداد على مرحلة اكثر تطورا هي حركة فاشلة.

و تطرح اليوم بحدة مشكلة الانتماء في كل الأقاليم العربية بأكثر حدة عكس ما تصوره أجهزة الدعاية. و كلما فتحت هوامش حريات في أي إقليم إلا و عبر الشعب العربي عن انتماءه القومي العربي و طالب بالوحدة العربية. لذا لا نستغرب أن الدول القطرية كلها بدون استثناء معادية للديمقراطية. فهناك ارتباط عضوي بين الاقليمية و الدكتاتورية . فالإقليمي يخشى الديمقراطية بأبسط تعريفاتها و ممارساتها و هو الإصداع بالرأي لأنه يعرف أن الشعب عندما يطلب منه الاختيار بكل حرية سيختار الوحدة العربية سيدافع عن هويته. عن انتماءه إلى الأمة العربية.[5]

هذا الواقع الجديد خلق شرخا في البنية الفكرية و البنية الاجتماعية.بنمو ظواهر الانفصال و التفتت فقد نمت على الجسد العربي العديد من مظاهر القبلية و العشائرية و الطائفية وتغيرت أيديولوجية التفتيت بتغير القوى الخارجية. أما على المستوى الفكري فان الصراع بدأ على أشده بين التيار الوحدوي و التيار الانفصالي. فالتيار التوحيدي رفض الأمر الواقع دعا إلى حق هذه الأمة في بناء دولتها الواحدة. و تشكلت العديد من التنظيمات و الجمعيات السياسية هدفها التحرير و مقاومة عملية التفتيت. أما رافعي أيديولوجية التفتيت فحاولوا تبرير الواقع و الانتصار بوعي أو دون وعي لأطروحاته الاستعمارية . وجدت سندها المادي و السياسي في السياسات العربية الرسمية مند تأسيس الجامعة العربية التي ضلت حبيسة المفاهيم و التقسيمات التي خضعت لها الأمة العربية مع بداية الحملة العسكرية.

و لقد رفعت بعض الأنظمة العربية شعار الوحدة و التحرير و شعار التقدم الاجتماعي و لكنها لم تتمكن من التخلص فعلا من المشروع الاستعماري. لأنها كانت خاضعة في حركتها و مفاهيم مستنداتها الفكرية على أساس إقليمي، فبالتالي كانت عاجزة على تحقيق وحدة الأمة العربية.

أربعة قواعد رئيسية ارتكز عليها النظام الإقليمي العربي و حكمت مسيرته حتى حرب الخليج. وحاول المشرفون على هذه الدويلات تطوير و تطويع البشر و المفاهيم من خلال الفعل الاستعماري حتى تصبح الدويلة الجديدة منسجمة مع فكرة الدولة القومية في الغرب والمفارقة أن المدافعين عن هده الفكرة نخبة درست في الغرب و تشبعت بأفكاره و نهلت من المفاهيم الفلسفية التي بنى عليها الغرب تقدمه و تطوره.

أولا: وهي قبول التقسيم الاستعماري و اعتباره حقيقة اجتماعية موضوعية. فكل دولة عربية مهما كانت توجهاتها تعترف بواقع التقسيم و تعهدت أن تحترم الحدود التي رسمها المستعمر ملتزمة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية الأخرى معتبرة مواطني الدول الأخرى رعايا أجانب. بل هنا تتفنن الدولة الاقليمية في اختراع كل الأساليب لبناء حواجز الغربة بين أبناء الأمة الواحدة. فالدولة القطرية في الوطن العربي التي تحلقت حولها مصالح عديدة داخلية و خارجية تمارس سياسة تنسجم مع النظام الدولي المهيمن و قانونه العام فتشبثت بالسيادة و الحدود داخل الوطن و تعرقل انتقال الأشخاص و الأموال و تشدد على الحدود و تدخل في صراعات دموية تراق فيها الدماء بين الأشقاء من شعب واحد و تحتكر الثروات و تمنعها عن أولئك الأشقاء لتستثمرها في البنوك و الدول الأجنبية. [6]

ثانيا الارتباط بالأقطاب الخارجية : إن الدول العربية قد دخلت الجامعة العربية و هي لا تعرف من الاستقلال إلا الإعلان الشكلي مثل النشيد الرسمي و العلم و ممثل في الأمم المتحدة و موافقة الد ولة الحامية بحيث أن تم الإعلان عن هذا الاستقلال تم بعد توقيع العديد من المعاهدات التي تكفل مصالح الغرب. وفكرة التضامن داخل الجامعة العربية تأتي بما لا يتعارض مع الارتباطات الخارجية. وقد طرحت المشكلة بحدة في سنة 1955 لما رفض عبد الناصر سياسة الأحلاف و لما حاول الاستقلال الفعلي اصطدم بحقيقة الاستقلال المعلن في مصر. ودخلت مصر وعبد الناصر في صراع مع قوى الهيمنة و كان من الطبيعي أن يشمل الصراع كل ساحة الوطن العربي حيث الاستقلال الحقيقي يعني تلك المقدرة على الاختيار و تحديد مضامين التقدم منسجمة مع مستوى تطور المجتمع.

ثالثا التضامن العربي كبديل مواجه لشعار الوحدة العربية أو الدولة العربية الواحدة. ويتخذ من احترام ميثاق الجامعة العربية القاعدة في مواجهة أي عمل وحدوي. هده القاعدة تحمي المصلحة القطرية من أي طغيان للمصلحة القومية فكل ما يضر مصلحة الدولة القطرية يتم تأجيله. وعلى أساس هذه القاعدة تتم معارضة بناء الدولة العربية الواحدة. و للالتفاف على فكرة الوحدة العربية. إن القوى الاقليمية تتحدث عن الوحدة المدروسة و عن التكامل الاقتصادي لمعارضة أي عمل وحدوي، و لتبرير ارتباطاتها بالقوى الخارجية. فالتضامن العربي كشعار مقابل للوحدة العربية يتستر بالواقعية. و لكن حتى فكرة التضامن بمعنى التعاون لم تجد طريقها للتنفيذ نظرا لارتباط أغلب الدول بالقوى الخارجية. و المستغرب أن هذه الدعوات ظهرت في مرحلة المد الوحدوي. ففي حين كان الشارع العربي يطالب بالوحدة فان القوى الاقليمية و الدوائر الخارجية انتصرت لأدبيات و تنظيرات و دعوات لأشكال من التعاون السياسي و تكثيف اللقاءات الأخوية بعيدا عن فكرة الوحدة العربية.

رابعاــ معاداة الديمقراطية لقد انبنى هدا النظام على معاداة حرية الرأي و تعاقبت على الوطن العربي حكومات تحت شعارات اليمين و اليسار و حكمت باسم التقدمية و الثورية و باسم الليبرالية, باسم الأصالة و باسم المعاصرة و لكنها كانت مختلفة في كل شئ إلا في معاداة الديمقراطية. فالدولة القطرية لم تكن منفصلة عن الدكتاتورية و آلة القمع لأنه الأسلوب الوحيد للحفاظ على وجودها أمام قوة الشارع الذي يعبر كلما تمكن من سنحت له الفرصة على انتماءه القومي العربي وعلى مطالبته بالوحدة العربية. فالإقليمي يخشى الديمقراطية لأن فيها تهديدا لتفرده و تسلطه و تجاوزا لجهازه التسلطي فعلى قاعدة العداء للديمقراطية ترسخ و انبنى النظام الإقليمي العربي. و على هذه القاعدة ـ الدكتاتورية ـ تداولت على إدارة الأقاليم العربية أنظمة متباينة في الأصول الفكرية و الاجتماعية و متناقضة في البرامج السياسية و الأشكال التنظيمية. متفقة على الحفاظ على واقع التجزئة و على قمع الإنسان العربي.

و نجد هنا أنفسنا وجها لوجه أمام التجربة البورقيبية و تجربة بومدين في الجزائر فالاثنان كل من موقعه اختلفا في اختيار المعسكر و تعايشا تحت مظلة الجامعة العربية و لكنهما اتفقا على معاداة فكرة الوحدة العربية. و قد سعا كلاهما لتنمية وعي وطني مقابل للوعي القومي العربي. إذ لا زال البعض يقد مون النموذج البورقيبي كمثال للنجاح الإقليمي في تأسيس دولة حديثة. ففرنسا لم تتوان لحظة في مساعدة الأقلية في حركة التحرير بورقيبة ضد الأغلبية ذات التوجه القومي العربي: بن يوسف. وبعد توقيع معاهدة الاستقلال كثفت من مساعداتها الاقتصادية و الفنية و العسكرية عسى أن تصبح النموذج في نجاح مي يسمونه باطلا "بالدولة القومية" في المغرب العربي. وعملت النخبة المرتبطة بفرنسا ثقافة و خيارات سياسية على تطوير الإقليم و إعطاءه " خصوصية قومية". حتى يتم الانسلاخ الكامل عن الانتماء القومي العربي. لكن الفشل كان مصير هذه المحاولة [7]. ولم تكن الانقلاب الذي وقع عن بن بلة و توجهه الوحدوي إلا في إطار هذا التوجه و هو إفشال أي نظام وحدوي في المغرب العربي و عاش المغرب العربي مند الاستقلال في سنة 1956 إلى نهاية التسعينات على هامش اللقاءات الثنائية و الفردية و المزاجية لحكامه، أنظمة رسمية تعمل على تأسيس قاعدة للدولة اللقيط و شارع متمسك شديد التمسك بعروبته و هويته القومية حالما بالدولة القومية العربية. " و خلافا لتوقعات الذين سنوا برامجنا المدرسية و سياساتنا المحلية و الخارجية فان مشكلة الهوية اليوم مطروحة أكثر من أي وقت مضى في تونس و في الجزائر و في الأقاليم العربية الأخرى . و كل يوم تعبر الجماهير العربية كلما وجدت هامش من الحرية عن ولاءها لأمتها العربية و اعتزازها بهويتها العربي. أما في المشرق العربي فان الدولة الاقليمية استخدمت الخطاب القومي للمحافظة على وجودها و لتجنب هزات شعبية. فبقدر ما كان الخطاب قوميا بقدر ما كانت ممارسات القيادات السياسية مناقضة للعمل الوحدوي.[8]

مراحل تطور النظام الإقليمي العربي:

.يمكن تقسيم النظام الإقليمي العربي إلى ثلاث مراحل كبرى و هدا التقسيم منهجي هدفه المسك بنقطة البداية و النهاية. الولادة والوفاة. فالأمة العربية قادمة على مرحلة أشد خطورة. و حالة التفتت قد شملت كل شئ . و هذا يعني أن الظروف الموضوعية مهيأة للعمل الخلاق. فالمطلوب جهدا مضاعفا، و عملا دؤوب حتى تتمكن القوى الوحدوية من توظيف حالة الانهيار الذي يعيشه النظام العربي الإقليمي لفرض الخيار الوحدوي بأقل الآلام و الخسائر.

المرحلة الأولى و تمتد من نهاية الحرب الأوروبية الأولى إلى حرب السويس تبدأ هذه المرحلة مع نهاية الثورة العربية الأولى 1918 و بداية الإعلان عن استقلال بعض الدول العربية و ما صاحبها من شبهات سواء بناء مملكة آل سعود أو إعلان استقلال بعض الدول مصر سوريا لبنان و لقد ظهرت في هذه المرحلة حركات تحرر عربية في كل إقليم و بدت شعارات المرحلة متداخلة متنافرة أحيانا ملتقية أحيانا أخرى لكن أغلبها تدعو للعروبة للوحدة العربية ولم يكن دفاع هذه الحركات المستميت ضد المستعمر ينظر إليه من منظور قطري أو إقليمي فلقد كانت كلها عروبية التوجه إلا التيار الليبرالي سواء كان تحت التأثير البريطاني أو تحت التأثير الفرنسي فانه كان في أغلب الأحيان من دعاة التعاون مع الاستعمار. أما قادة التحرر فكانوا يدافعون على هوية الأمة و على عروبة الإقليم في وجه دعوات التنصير و التغريب. ففكرة الجامعة الإسلامية و فكرة الخلافة العربية تلتقي على ضرورة بناء دولة عربية. فقد كانت النهضة لم تكن معزولة عن الوحدة كهدف مركزي في نضالات ذلك الجيل و إن اختلفت المنطلقات الأيديولوجية و الدينية. فالهدف واحد هو المطالبة بجهاز سياسي يجمع العرب و لما المسلمين و يدافع عن مصالحهم.

ففي خضم المعارك المشتعلة مع الاستعمار تم إعلان استقلال بعض الدول العربية و لكن استقلال غير مكتمل. فتحت أعلام الاستقلال المتزايد في الوطن العربي بقيت كل مصادر الإنتاج و كل الاستثمارات و كل البنوك و كل شركات التأمين و كل أدوات الإنتاج الزراعي و الصناعي و كل وسائل الخدمات تابعة في سوق الإنتاج تبعية مباشرة للاحتكارات الأجنبية الرأسمالية. و لم تكن الأنظمة السياسية التي صاحبت هذا الاستقلال الوهمي إلا نسخة مشوهة تابعة للنظام الرأسمالي في الغرب و تقدم لنا التجربة المصرية أحسن مثال لهده التجربة. فقد كان الفكر الليبرالي و مبتكراته السياسية من أول الحرية الفردية المقدسة إلى آخر الديمقراطية الشكلية يعربد بدون شريك في الرؤوس العربية الفارغة و يبيع الليبراليون أصوات الشعب العربي و يشترونها في سوق الانتخابات الحرة بينما بقيت معارك التحرر الإقليمي قائمة ضد الاستعمار الظاهر في الأماكن التي بقيت فيها جيوشه كاد الاستعمار أن يصفي حركات التحرر في الأقاليم المستقلة عن طريق التبعية السياسية و الاقتصادية و الفكرية الكاملة تحت ستار الاستقلال السياسي. ففي المرحلة الزائفة التي امتدت حتى سنة 1952 كانت أقدام المستعمرين على رؤوس الشعب العربي في الدول المستقلة أكثر ثباتا منها في الأقطار التي تقوم الجيوش فيها علامات ظاهرة على التبعية أن السفير البريطاني في مصر التي تضم ثلث الأمة العربية بشرا و تمثل قمة تقدمها الحضاري كان صاحب الكلمة الأولى و الوسطى و الأخيرة في اختيار حكومة مصر رئيسا ووزراء و لم يكن كل جهاز الدولة من أول الملك في قصر حتى خفراء الأمن في القرى إلا تابعين له تبعية مباشرة. [8]

فاعلان استقلال بعض الد ول و إعطاءها كرسي في الأمم المتحدة لا يغير شيئا من أن هذا النظام الناشئ هو المولود الشرعي لاتفاقات سايكس- بيكو القائمة على التجزئة و التفتيت. المفارقة الكبرى أن هده الدول ترفع مفاهيم الحداثة و المعاصرة المطبقة في الغرب أصبحت في قطيعة مع المفاهيم الفلسفية و المعرفية السائدة في الغرب و التي كانت أساس تطوره و تقدمه المادي و الثقافي. هذا الأساس هو الدولة القومية و هنا يتجلى لنا بوضوح الوجه الآخر للغرب فأمام الأمة العربية فانه هنا يساعد في ضرب المقومات القومية العربية أي مكونات الأمة العربية و يسعى في تحالف غريب مع قوى محلية في النبش في الماضي الإقليمي لإعطائه "مضامين قومية" جديدة. و قد انتهت هذه المرحلة بهزيمة 1948 و إعلان قيام دولة الكيان الصهيوني. و قد أثبتت هذه الدول عجزها في مواجهة مجموعة من العصابات المسلحة.

و هكذا كانت ثورة 1952 ثورة ضد الحضور الاستعماري المباشر و غير المباشر الحضور العسكري و الحضور الثقافي. ثورة ضد هزيمة الدول العربية في مواجهة زرع " إسرائيل" في قلب الوطن العربي، و انكشاف ارتباط عدد من الحكومات العربية بالقوى الاستعمارية. و لئن بدأ التغيير الثوري من مصر فذلك يعود إلى الدور الأساسي و المركزي لمصر داخل الوطن العربي. فبدايات النهضة انطلقت أيضا من مصر لتشع على باقي أرجاء الوطن.



المرحلة الثانية و تمتد من ثورة 1952 إلى حرب 1973



خلافا للمرحلة التي سبقت 1952 فان النظام العربي الإقليمي سيعيش محاولة جدية للتغيير الثوري، و تجربة صادقة لإعطاء مضامين جديدة للتغيير النهضوي في الوطن العربي. فالمحاولة تمت عن طريق توظيف إمكانيات الدولة القطرية العسكرية و الاقتصادية لصالح القضايا القومية. و قد تمكن عبد الناصر فعلا من فرض نمط من العلاقات أ جبر فيها الحكام العرب على الأخذ بعين الاعتبار أولوية القضايا القومية على المصالح القطرية. و قد خاض عبد الناصر صاحب الحس الثوري الراقي تجربة نامية متطورة مستخدما أسلوبا ثوريا جديدا في الحقل السياسي العربي.فمن خلال الارتطام بالواقع اكتشف عبد الناصر أن التنمية و الاستقلال السياسي و التقدم لا يمكن أن يتحققا إلا من خلال النظرة القومية الشمولية. فمنذ قيام الثورة بإعلان المبادئ الست و حرب 1956 إلى اعلان أول تجربة وحدوي في الوطن العربي 1958 بين مصر و سوريا إلى نكسة 1967 و حرب الاستنزاف إلى نجدة اليمن كانت كلها حروبا مفتوحة بدون استثناء ضد التبعية بكل أشكالها و تمظهراتها. فهو أول قائد عربي يواجه الاستعمار الجديد الخفي فلا يضلله الأسلوب. يعرض عليه ما هو أشد الحاجة إليه المساعدات المادية و القروض مقابل أن يسكت على الوجود الاستعماري فيقول لا و يرفض التبعية. و هو أول قائد عربي يواجه الاستعمار من موقع قيادته لدولة إقليمية فلا تخدعه الحدود، و يعرض عليه ما هو أشد الحاجة إليه استقرار السلطة مقابل أن يكف عن المطالبة بالوحدة العربية فيقول لا و يخوض المعركة في ساحتها الحقيقية و هو أول قائد عربي يواجه الاستعمار بدون نظرية، فلا تغريه التنمية الرأسمالية و يعرض عليه ما هو في أشد الحاجة إليه النمو السريع مقابل أن يرفض الخيار الاشتراكي فيقول لا و يختار الاشتراكية... باختصار أن عبد الناصر هو أول رئيس دولة في الوطن العربي فهم مشكلة الاستعمار على حقيقتها القومية و الاجتماعية و حاول أن يحلها حلا صحيحا لذا استحق لقب بطل حركة التحرير العربية . إن عبد الناصر قائد ثورة 52 لم يكتشف كل هذا طبقا لنظرية سابقة التقى عليها الضباط الأحرار في مصر إنما اكتشفها من خلال محاولة تحقيق تلك الغاية المحدودة .. تحرير مصر من الاحتلال الإنجليزي و التخلف الاجتماعي و لم يكن يملك في البداية إلا الإصرار على تحقيق هذه الغاية. و إذا به من خلال عشرات المحاولات التي تجسدت في أشكال متنوعة و مختلفة يكتشف أن مصر التي يصر على تحريرها هي جزء من أمة لا يمكن أن تتحرر إلا معها ببناء دولتها الواحدة. و أن التنمية المستقلة لا يمكن أن تتأتى إلا من خلال التحرر من أخطبوط الرأسمالية.

ويعود نجاح عبد الناصر في فرض هذه المضامين إلى عاملين اثنين





كان عبد الناصر واعيا في نفس الوقت بحجم العوائق القانونية التي تشل حركته و تعيقه في المساهمة المباشرة للعمل الثوري. وهو يعرف من موقع قيادة حركة التحرر العربية أنه عاجز عن الإيفاء بهذه المهمة القومية أي بناء التنظيم السياسي و أن العوائق الدولية و المحلية كثيرة تمنعه من أ داء هذا الدور بالرغم من العلاقة الخاصة التي كانت بينه و بين الجماهير العربية. ففي خريف 1963 أطلق النداء إلى الحركة العربية الواحدة وقد كان هدا النداء نداء الفزع من الفراغ السياسي و التنظيمي الذي تعيشه القوى الوحدوية آنذاك. و لكنه في نفس الوقت ذاته كان واعيا أنه يوجه النداء من موقع رئاسة الجمهورية المتحدة. أعلن أنه ليس مسؤولا عنها و أنها مسؤولية الجماهير العربية. فلقد كان واعيا ضرورة أن تظل الدولة تحت قيادته متحررة من المسؤولية عن نشاط لا يتفق مع طبيعتها و أن تنشا الحركة العربية الواحدة متحررة من قيود تبعيتها للدولة.[9] لقد كان عبد الناصر في قمة المعاناة و التمزق وبعض الخطوات التي يفسرها بعض المحللين بالتناقض ليست إلا تعبيرا على ذلك الصراع بين الثورة في بعدها القومي العربي و بين الدولة المصرية و مصالحها الاقليمية. ــ كانت الثورة تدفع بعبد الناصر باتجاه الجماهير العربية باتجاه تنظيمها و تأطيرها و إطلاق حركتها العربية الواحدة و السلطة كانت تشد عبد الناصر بعيدا عن هذه الجماهير و عن فكرة العمل المنظم و عن فكرة العمل الثوري ذاته

بعد وفاة عبد الناصر خرجت الدولة الاقليمية من المعركة القومية و أصبحت تتعامل مع مشكلة فلسطين انطلاقا من مصلحة الدولة القطرية. و تمكنت القوى الاقليمية من أفتاك السلطة و العودة بمصر إلى ما قبل 1952. و تحت شعارات عدة تمكنت القوى الاقليمية من نسف المكاسب التي تحققت في عهد عبد الناصر. و لئن تمكنت الجماهير من فرض حرب 1973 التي أعدها عبد الناصر لإزالة آثار العدوان. فان القوى الاقليمية حاولت توظيف هده الحرب، لضرب المكاسب القومية في عهد عبد الناصر و حاولت تشويه كل ما هو نبيل في التجربة الناصرية.

الدولة القطرية لا تملك إلا الخطة التي يمكن بها إن تحافظ على وجودها كدولة. و ليست على استعداد أن تدخل أية حرب إذا كانت هذه الحرب تهدد وجودها إن المصلحة القومية تأتي في آخر اهتمامات الدولة القطرية. الخطابات القومية هدفها الابتعاد عن أصابع الاتهام من قبل الجماهير العربية.و قد كانت حرب 1973اقصى ما يمكن أن يقدمه التضامن العربي عجزت الأنظمة العربية حتى عن توظيف هدا النصر المحدود. و ذلك يعود في نظرنا لتعدد الدول فتعدد و تضارب المصالح فكل دولة عربية شاركت في الحرب انطلاقا من مصلحتها كدولة أولا و عندما ارتاب أن هناك طرق أخرى في استرجاع ما كانت تعتبره أراضيه. و لم تتوانى لحظة في التراجع دون حتى علم الدولة الأخرى. و يمكننا أن نقول أن حرب 1973 هي آخر الحروب التي تقودها الدول العربية ضد الحركة الصهيونية.

المرحلة الثالثة و تمتد حتى حرب الخليج :

لقد كانت حرب 1973 أقصى ما قدمه التضامن بين الأنظمة العربية و التنسيق فيما بينها. ومنذ هذا التاريخ و النظام العربي في اتجاه الانهيار و لا نريد هنا سرد ما وقع ولكن الذي يهمنا هو أنه منذ 1974 والإقليمية العربية مجسدة في دول أو منظمات تمارس شتى أصناف القمع و الإرهاب على القوى الوحدوية. وفي هذه المسيرة التآمرية تم ضرب مصالح الأمة العربية وأوصلتنا الخيارات الاقليمية إلى الفشل الذريع على كل المستويات السياسية و الاقتصادية و العسكرية. و أصبح الفشل مقترنا بهذا الجهاز الدولة القطرية..و تمكنت الدولة الاقليمية من فرض واقع جديد يتميز بالتهرب من المسؤوليات القومية لصالح الدولة الفطرية.

الخطوة الأولى: عزل مصر عن دورها القومي:

إن القوى الاقليمية التي افتكت جهاز الدولة في مصر مكنت الصهيونية من تحقيق أحد أهم أهدافها ألا وهو إعاقة مصر في أداء دورها القومي. و أوقفت القوى الاقليمية في مصر بقيادة السادات الاشتباك مع الكيان الصهيوني. و أبرمت مع العدو معاهدة وبذلك حققت حلما طالما راود الصهاينة و قوى الاستعمار العالمي. فقد غنم العدو بموجب المادة الخامسة مرور سفنها في قناة السويس ومداخلها و اعتبرت أن مضيق تيران و خليج العقبة من الممرات المائية الدولية المفتوحة لكافة الدول و بذلك تسقط المعاهدة الصفة التاريخية و القانونية لعروبة خليج العقبة باعتباره بحرا داخليا عربيا. و أصبحت مصر بمقتضى هذه المعاهدة خارج أي التزام عربي رسمي فمما جاء في المادة السادسة من المعاهدة أن مصر و" إسرائيل" تنفذان التزاماتهما بحسن نية الناشئة عن هذه المعاهدة بصرف النظر عن أي فعل أو امتناع عن أي فعل من جانب طرف آخر و بشكل مستقل عن أي وثيقة خارج هذه المعاهدة و يتعهد الطرفان بعدم الدخول في أي التزام يتعارض مع هذه المعاهدة بما يعني وضع قيود قانونية على التزام مصر بمعاهدة الدفاع العربي المشترك

الخطوة الثانية: عزل المقاومة في فلسطين بفلسطنتها:

بعد نجاح القوى الاقليمية و الحركة الصهيونية العالمية من انتزاع مصر من قلب المعركة بدأت الاقليمية العربية على عزل المقاومة العربية و إيقاف نمو هده المقاومة العربية في فلسطين إلى حركة قومية تمتد إلى كامل الوطن العربي تعمل من أجل التحرير و الوحدة. فحاصرت الاقليمية العربية أنظمة و منظمات الفدائيين العرب ودفعت بعض القيادات في اتجاه تبني فلسطنة القضية و اشترت في ذلك ذمم قيادات المقاومة ليصبح الهدف هو بناء كيان فلسطيني بعيدا عن الاهتمام بالقضايا القومية: مشكلة الوحدة و مشكلة الحرية و البناء الديمقراطي. و تمكنت الاقليمية العربية من وضع حاجز بين الفدائيين و الجماهير العربية و حولتها من حركة تحرير فلسطين إلى حركة تحرير فلسطينية. و حتى تتهرب الدول العربية من محاكمة الجماهير العربية رفعت عدة شعارات كلها تصب في اتجاه التنصل من المساهمة في المعركة القومية و تبرير التقاعس و كان أول الشعارات هو مسؤولية شعب فلسطين عن تحرير فلسطين كأن الهدف من هذا الشعار هو إعفاء الدول العربية من المواجهة. و هو حديث يخالف الحقيقة الموضوعية وهي أن فلسطين جزء من الأمة العربية وهي ملكية لكل الأجيال العربية فان مسؤولية تحريرها هي مسؤولية كل الشعب العربي من المحيط إلى الخليج. كما أن عرب فلسطين مسؤولون عن تحرير الانسان العربي من كل مظاهر الظلم الاقتصادي و السياسي الذي يتعرض له الانسان العربي. الشعار الثاني الذي روجت له الاقليمية العربية و هو استقلال الدول العربية عن الثورة الفلسطينية و استقلال الثورة الفلسطينية عن الدول العربية و قد تم هذا مند سنة 1974 بتوقيعها على ميثاق الجامعة العربية بهذا الشعار تمكنت الد ول العربية من عزل حركة المقاومة عن الحاضنة على حد تعبير المفكر القومي عبد الله الريماوي، فصلوها عن الجماهير العربية سندها الحقيقي في معركة التحرير و خيرت التعامل مع أجهزة القمع ومع دول غير المشروعة. فعوض أن تنمو المقاومة بين الجماهير العربية و معها في اتجاه تحرير الانسان العربي قبلت طعم الأنظمة العربية، عزلت نفسها فانعزلت، فلا لوم على جماهير الأمة العربية. إن جماهير العربية قد قدمت الكثير و لكن القيادات الفلسطينية المرتبطة بالأنظمة العربية قد تحالفت مع أعداء الجماهير العربية، الدولة الاقليمية القمعية. أما عن عدم تدخل الدول العربية في الشؤون الفلسطينية فهو قول اقل ما يقال عنه منافق فما انفكت الدول العربية تتدخل في شؤون المقاومة و تملي عليها شروطها وقد استعملوا كل أساليب الابتزاز لتصفية المقاومة و الحيلولة دون تحولها إلى حركة مقاومة قومية.

الخطوة الثالثة: تدمير أية محاولة تقدم علمي أو تقني تظهر في أي إقليم :

و حرب الخليج التي سبقها هجوم عسكري سنة 1982 على المفاعلات النووية العراقية، كان هدفها هو تدمير القدرات العلمية و التقنية في العراق . وفي هذه الحرب أثبت النظام الإقليمي هشاشة بنيانه و بين بما لا يدع مجالا للشك أن أسسه استعمارية و أن أعمدته هو التواجد المباشر للقوات الأجنبية فبهذه الحرب تم فيها وأد ما عرف بالتضامن العربي إذ خرقت العراق ميثاق الجامعة العربية تحت ضغط الأزمة الاقتصادية التي تسببت فيها دول الخليج و خاصة الكويت. و بدون أي ضابط يضم صدام حسين الكويت و ترتكز القوات الأمريكية في الخليج و يتعرض العراق لعملية تدمير لا مثيل لها بمشاركة جيوش عربية تحت قيادة أمريكية. فإذا كان الهدف الظاهري هو الكويت فان المبيت هو تدمير القدرة العسكرية و العلمية التي تمكنت منها العراق بعد حربها ضد الاستعمار الفارسي و أصبح الخليج تحت هيمنة مباشرة و العراق مفتت و محاصر.



الوحدة أو المزيد من التفتت:

لقد تمكنت الاقليمية العربية من محاصرة المقاومة ودفعت بها إلى الجلوس مع العدو وانتهت إلى توقيع ما عرف باتفاقيات أوسلو ومدريد و مخيم داود و غيرها. و مكنت الاقليمية العربية العدو من تحقيق مكاسب لا يمكن حصرها بتوقيع هذه اتفاقية[10] . فقد اعترفت أغلب دول العام بدولة "إسرائيل" و أقامت معها علاقات ديبلوماسية و تضاعفت صادرات "إسرائيل" خلال الفترة من 92ـ95 بسبب الأسواق الجديدة التي افتتحتها . أن 36 دولة جديدة قد أنهت مقاطعتها لـ"إسرائيل" و أقامت معها علاقات ديبلوماسية كاملة خلال العامين الماضيين فقط و هاهي الإقليمية العربية تهرول في اتجاه العدو متناسية حتى مواثيق الجامعة العربية و تدفقت رؤو س الأموال من خلال الشركات التي لم تعد تخشى المقاطعة العربية و بالنسبة للصهيونية مفاجئة كبرى " بينما كنا نحن الاسرائلين متخوفون من العرب فوجئنا بهم في مؤتمر الدار البيضاء يهرولون إليها ليس فقط بالمصافحة و الابتسامات و إنما أيضا بالزيارات و الاتفاقيات و فتح مكاتب للعلاقات التجارية و غير التجارية ..بل و بالإنهاء الفعلي للمقاطعة, حتى قبل أن يصدر قرار رسمي بوفاتها من جامعة الدول العربية و بلم يعد هناك سوى أن يكمل أصدقاءنا في واشنطن و في العواصم العربية ما بدأوه بنجاح و يستخرجوا للمقاطعة شهادة وفاة رسمية من الجامعة العربية نفسها خصوصا و إن العرب هم الدين يقولون دائما إكرام الميت دفنه"[11].

لقد استدرجت المقاومة في فلسطين إلى الفخ لإنهاء و جودها المادي و المعنوي حصرت نفسها من الداخل و في القوقعة فانحسرت وفقدت حاضنتها القومية. تحولت إلى نظام عربي إقليمي آخر. و حتى تبرأ الاقليمية العربية خيانتها ترفع الآن شعارا اكثر خطورة و كأنها غير مسؤولة عما أدى إلى هذه الوضعية . " إن القول "نقبل ما تقبله منظمة التحرير الفلسطينية ليس إلا قولا باطلا بل هو عدوان على الأمة العربية يجب رده.

و حتى تكتمل عناصر الخديعة خديعة الشعب العربي تحدثنا الاقليمية المهزومة عن الد ولة الفلسطينية الموعودة.

ويغرق بعض المتداعين للسقوط في الحديث عن هذه الدولة الفلسطينية الموعودة و يقولون إن الدولة الفلسطينية على الضفة و القطاع ليست إلا جولة أولى أما الجولة التي ستأتي بعدها. إن هذه الدولة هي التي ستحرر باقي فلسطين، الواقع إننا لم نحرر الضفة و لا القطاع أو حتى جزء منها لو تم شيء من هذا و لو في القطاع وحده ولو في مدينة واحدة من مدن الضفة لكان نصرا عظيما ولكان المقدمة لنصر عظيم . " لكن المعروض حكم مدني ليس له أية علاقة بمفهوم الدولة و لا حتى الحكم الذاتي فالوقائع تبين أ ن المعروض موضوعيا هو التسليم للعدو و الاعتراف له بشرعية الاغتصاب، الذي يهم الصهاينة هو الأرض و قبول العرب بتسليم أرضهم". [12]

وفي مواجهة العمل الوحدوي كانت الدول العربية تطرح شعار التضامن العربي و التعاون العربي و الوحدة المدروسة و الوحدة الاقتصادية أولا و بعد ثلاثين سنة نرى أن الواقع يزداد تخلفا و أن الدول العربية عاجزة حتى عن تحقيق تعاون اقتصادي أو تجاري فما زال حجم التبادل التجاري بين كل دولة عربية على حدة و بين الدول غير العربية أكبر بكثير من حجمه بينها و بين الدول العربية مجتمعة بل بعض الدول العربية ترفض حتى فكرة التعاون العربي و نراها تشتكي من متاعب العرب و العروبة و الانتماء العربي و أنها تحبذ أن تكون مقاطعة أمريكية فنجدها تجند ما استطاعت فكريا و سياسيا و اقتصاديا و دعائيا.

ان التسوية المطروحة اليوم ليست مجرد قرار دولي يطلب الاعتراف بالدولة العبرية على حد قول معن بشور و لا مجرد صك متبادل يجري التوقيع عليه، التسوية هي اكثر من هذا هي حركة في أرض الواقع العربي باتجاه تشكيل أوضاع سياسية و اجتماعية و اقتصادية معينة تضمن لـ"إسرائيل" بقاءها و توسعها و للإمبريالية مصالحها و احتكاراتها و لقوى التخلف العربي ديمومتها و استمرارها. إن التسوية المطروحة اليوم هي تكريس للتجزئة الراهنة، بل تعميق لها و خلق لأبعاد جديدة. فتتجزأ الأجزاء و تتجزأ القضية الواحدة و يتجزأ القرار الواحد، و تتجزأ المصلحة العربية الواحدة، فيصبح القطر في وجه القطر الآخر والجزء داخل القطر في وجه الجزء الآخر و الطائفة في وجه الطائفة و الأقلية في وجه الأكثرية... بهذا المعنى تصبح الانفصالية هي القاعدة، ، و الطائفية و العنصرية و القبلية هي المقياس و الاقليمية هي الإطار.

إن مرحلة الحد الأدنى الذي مثلته الجامعة العربية قد انتهت. و أيديولوجية التفتيت تسربت إلى الجسد العربي كمرض الإيدز. إن الدول العربية تتحرك دون حتى الأخذ بعين الاعتبار بوجودها و مصالحها. و مهما تكن صدق نوايا المشرفين الآن علي الجامعة العربية و رغبتهم في الإصلاح و التصحيح فالدول العربية تخضع لتواجد عسكري مباشر و أن استقلالها السياسي شبيه باستقلال الباي في وجود قوات الحماية الفرنسية في المغرب العربي. إن الدول العربية اليوم في مأزق سياسي و اقتصادي كبير وأصبح جهاز الدولة الإقليمي في صراع يومي مع كل الشرائح الاجتماعية. وتزداد الهوة بين الشعب و الدولة. إن آفاق الخروج من هدا المأزق في ظل النظام العربي الإقليمي مستحيلة و يعود ذلك لأسباب عدة

أولها أن هناك اتجاها جديدا يفرض نفسه ليس على العرب فقط بل على العالم وهو تجاوز الأطر إلى الروابط الاجتماعية الأكثر اتساعا و شمولا. فالعصر عصر التجمعات فلم يعد مجالا للحديث عن الروابط العشائرية و القبلية و العائلية إننا نعيش عصر الدولة القومية في أوج تألقه و أما النظام الإقليمي العربي فيرتكز على الاستكانة لحالة التجزئة التي فرضت بالحديد و النار في الحروب الأروبية الأولى و الثانية.

ثانيها إن النظام الإقليمي العربي جاء استجابة لإرادة خارجية فالدول المكونة له لا تملك إرادة سياسية و أنها تخضع في رسم سياساتها الداخلية و الخارجية للقوى التي فرضت هذا النظام. و نتأكد من الفشل المحتوم الذي لا مفر منه عندما نعرف أن دساتير هذه الدول تعارض أي عمل وحدوي و هي أي الدول العربية تطارد القوى الوحدوية و تمنعها من الحركة و النشاط حتى و إن رفعت بعض الدول يفطة القومية. و ما اعتقال المناضل القومي التقدمي حبيب عيسى في سوريا إلا دليل على أن الدولة الاقليمية لن تسمح للقوى الوحدوية سواء كانت تتبنى رؤية شاملة أو جزئية. لأن هده الدول لا تملك حرية القرار السياســــي.

يمكن أن نقول أن النظام الإقليمي العربي قد انتهى و فكرة التضامن العربي أصبحت كلمة غير ذات مضمون فقد راح عصرها الذهبي بوفاة عبد الناصر، إذ ربط بين التضامن و التحرر من الهيمنة الأجنبية. و إن الوضع الآن في اتجاه مزيد من التلاشي فقد عجزت الأنظمة في التحكم في الوضع الراهن بحيث لا يخلو إقليم من انفجارات داخلية. لئن تبدو الصورة التي نقدمها سوداوية و الاحتمال الأسوأ مرشح للانتصار فالانحلال قد أصاب كل الروابط الاجتماعية من الأسرة إلى ما أعلى وقد بدأت الانفجارات الاثنية و العرقية هنا و هناك تغذيها القوى الخارجية بكل صفاقة ووقاحة ففي كل دولة عربية تم اختلاق نزاعات داخلية و هي إن دلت على شئ فهي دليل غير قابل للنقض على عجز الدولة القطرية في حماية نفسها و أن هذه الدولة التي تأسست بأمر استعماري لم تكن إلا مقدمة لتقسيمات استعمارية أكثر خطورة. و لكن هذا الوضع وضع مائع أنها تلك الحالة التي تسبق العاصفة . فهو مرشح أيضا لظهور حركة شمولية تستطيع أن تقود المعارك ضد القوى الخارجية و التخلف السياسي و الاجتماعي. فأمام حالة العجز النام لم يعد من خيار إلا خيار الوحدة و أن التفتت و السقوط إلى الروابط القبلية و الطائفية لا يزيد إلا الواقع إلا تأزما. شرط نجاح هذه الحركة هو مدى مقدرتها على إخراج فكرة الوحدة العربية و مطلب الدولة القومية العربية من الرومانسية الثورية و المثالية الطوباوية التي عاشها الفكر الوحدوي في الخمسينات. لقد كان الفكر العربي رومانسيا في تعامله مع فكرة الوحدة العربية مثاليا في تعامله مع العمل الوحدوي نخبويا في علاقته مع الجماهير العربية. فالآن و بعد الهزائم المتتالية، و العجز التام للأجهزة القطرية، وتحرر هذا الفكر من الارتهان الذي عاشه فترة طويلة للدولة القطرية أصبح هذا الفكر ملتصقا بالواقع فاكتملت لديه عناصر الواقعية و العلمية، وأرجع له مصداقيته التي فقدها من جراء تصرفات بعض الحاكمين أدعياء القومية. إن الفشل الذريع للأنظمة العربية الاقليمية و قوى المعارضة الفوق قومية ماركسية و إسلامية، أعاد لهدا الفكر حيويته و التفاف اعرض الجماهير العربية. فأصبحت فكرة الوحدة العربية أي دولة العرب الواحدة هي الحل الوحيد الذي يمكن العرب من قارب النجاة. و عاد عبد الناصر إلى واجهة الحياة السياسية. فالعرب الآن لا ينظرون إلى بناء الدولة العربية الواحدة على أنها حركة لاسترجاع الماضي ولا على أنها مبارزة للدول الكبرى بل هي التعبير الصحيح عن ما يعرف بالدولة القومية في العصر الحديث. و هي الإطار الوحيد التي تمكن العرب من الخروج من أزمة الهوية و التي ولدت العديد من مظاهر التخلف و التطرف.

إن العرب أمة كأمم الأرض جميعا يحق لهم بناء دولة قومية ككل الدول القومية الموجودة على الأرض.

المراجع

1ـ معن بشور معوقات الوحدة العربية المعوقات الذاتية لدى الوحدويين العرب المستقبل العربي عدد 122 سنة1989

2ـ معن بشور التنظيم القومي الموحد المستقبل العربي عدد5 1979

3 ــ سلامة كيلة ملاحظات حول مأزق الدولة القطرية في الوطن العربي. دراسات عربية عدد 10 1989.

4حبيب عيسى الدولة القومية شرعية الأساس و مشروعية التأسيس دار الأنصار دمشق1992

5 معن بشور مصدر سابق.

6 ـ مسعود الشابي مجلة المنابر عدد 59 1991.

7ـ ـ فتحي بالحاج الأبعاد الثقافية في حركات التحرير في المغرب العربي اطروحة شهادة تعمق في البحث الجامعة الفرنسية.انظر أيضا فتحي بالحاج ، المثقف و السياسي:الحداد و بورقيبة. الجامعة الفرنسية.

8ـ عصمت سيف الدولة نظرية الثورة العربية دار المسيرة الجزء4ص 127

9ـ عصمت سيف الدولة، نظرية الثورة العربية / بيان طارق





1ـ الدور المركزي لمصر حضاريا ديمغرافيا و استراتيجيا فقد كان عبد الناصر واعيا للدور الريادي لمصر داخل الوطن العربي و هو في كل الحالات كان في حالة الدفاع أي في مواجهة قوى معتد ية من الخارج. و لكنه في كل الأحوال كان يتحرك من موقع قيادة الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج فالجماهير العربية كانت تعتبر جمال عبد الناصر قائدها و هو لم يكن قائدها بحكم وظيفته كرئيس لإحدى الدول العربية بل كان قائدها بحكم تصديه للدفاع عنها في معاركها التحررية. 2ـ شخصية عبد الناصر الذي تمكن من خلق علاقة مباشرة مع الجماهير العربية على أساس الانتصار للقضايا القومية وبالرغم من هذا الثقل الحضاري لمصر و الشخصي لعبد الناصر فقد عجزت الدولة المصرية في تحقيق النصر المطلوب و ذلك يعود أيضا لأسباب أخرى نطرحها في مجال آخر للحديث. و انتقل عبد الناصر إلى جوار ربه و هو بدون منازع زعيم للأمة العربية ولكنه كان بين قوتي جد ب هموم الدولة المصرية بما تمثلها من صراعات داخلية و مستحقات دولية و مشاكل قومية تطالبه بالالتحام اكثر بقضايا الأمة العربية و اعلان القطيعة النهائية مع الأنظمة العربية الرجعية. كانت هزيمة 1967 هزيمة للدولة المصرية و لكن كانت إعلانا بمصداقية الخيارات القومية لقد بات واضحا أن تقدم مصر و أن أمن مصر جزء لا يتجزأ من تقدم و أمن الأمة العربية. لقد كانت تجربة عبد الناصر هي المحاولة الوحيدة الجادة لتفعيل الجامعة العربية و إعطائها نفس تقدمي و قد تمكن فعلا من فرض محاور للنضال العربي . لقد كان الصراع داخل النظام الإقليمي العربي بين القوى الرجعية و القوى التقدمية لكن للكل كانت خطوطا حمراء لا يمكن تخطيها: الاعتراف بشرعية اغتصاب فلسطين. لقد تمكن عبد الناصر بحسه الثوري أن يفرض شعارات ثورية ووحدوية و استطاع أن يرعب الخونة و يحسبوا له ألف حساب و لكنه لم يستطع من إيقاف الخيانة. 10 شفيق أحمد علي "في جنازة المقاطعة العربيةلاسرائيل" مركز الحضارة العربية الطبعة الثانية 1998 11 حامي شلو معاريف الاسرائيلية 13 9 1995 12 فتحي بالحاج "وجهة نظر معارضة : هذا سلام مستحيل، رؤية قومية تقدمية لمؤتمر مدريد". ندوة الصراع العربي الصهيوني و مؤتمر مدريد. باريس نوفمبر 1995

الثلاثاء، نيسان 05، 2005

عن عصمت سيف الدولة, ناصر و الناصرية


Posted by Hello

الدكتور عصمت سيف الدولة




بقلم دكتور صفوت حاتم





" أريد أن أقول , بأكبر قدر من الوضوح , أنني كنت ولم أزل على يقين يتحدى أي شك بأن " الناصرية " هي " نظرية الثورة العربية " . وأن الناصري هو من يقبلها ويلتزمها وينميها بخبرة ما أنقضى من سنين الردة ولكن طبقا لمنهجها , ومن منطلقاتها , إلى غايتها , بأسلوبها . وأن من يناقضها منهجا أو منطلقا أو غاية أو أسلوبا لا يستحق عندي على أي وجه أن ينسب إلى الناصرية ولن تثبت نسبته إليها ولو كانت بيده شهادة موقعة من عبد الناصر شخصيا "

(عصمت سيف الدولة , عن الناصريين .. وإليهم , دار الموقف العربي , القاهرة)



1- لم يكن عصمت سيف الدولة , راغبا في الرحيل عن عالمنا دون أن يحدد بنفسه , فيما أعتقد , وعلى أعلى مستوى من الوضوح طبيعة علاقته الفكرية والمادية بعبد الناصر والناصرية … العلاقة التي تصورتها بعض العقول جامحة الخيال ’ علاقة غريبة وغامضة . ولقد كان يكفي لمعرفة هذه العلاقة العودة لكتابه الممتاز " عن الناصريين … وإليهم " عام 1987. ليتضح بجلاء موقفه الشخصي والسياسي والفكري من الرئيس عبد الناصر والناصريين , وقد ختم هذا الكتاب بدراسة فكرية أرادها عن الناصرية والناصريين , تبدو لي الآن وكأنها وصية سياسية من مفكر ومناضل سياسي كانت حياته كلها تجسيدا مثاليا ( ودراميا ) لأفكاره التي آمن بها ودفع ثمنا لها .

في هذا الكتاب قال " عصمت سيف الدولة " كل ما كان يود أن يقوله عن عبد الناصر والناصرية والناصريين . وفي هذا الكتاب أيضا كان يرد على ذلك السؤال المستفز الذي طالما سأله له الكثيرون : هل أنت ناصري ؟

ويشهد الله أنه لم يكن هناك سؤال يستفز مفكرنا الكبير أكثر من هذا السؤال الذي كان يوجهه له بعض الشباب الناصري في لقاءاتهم العامة والخاصة , بحسن نية أو بسوئها . وكان يجيبهم " عصمت سيف الدولة" إجابة " مستفزة " أيضا . ولكنه الاستفزاز الذي يحرض على التفكير والتساؤل عند الشباب العربي .. الشباب الذي كان يراهن على وعيه وإمكانياته .

كان يجيب : إذا أوضحت لي عن أي ناصرية تتكلم .. يمكن أن أقول لك إذا ما كنت ناصريا أم لا ؟!!

هل كان التحريض الفكري للشباب العرب هو السبب الوحيد للإجابة المستفزة على السؤال المستفز ؟

بالقطع لا !!





حديث عن عبد الناصر



2 - الواقع أنه لم يكن هناك موضوع اكثر التباسا في ذهن بعض الشباب العربي فيما يخص عصمت سيف الدولة سوى موضوع علاقته بعبد الناصر أو إذا شئنا بدولة عبد الناصر ومؤسسات عبد الناصر .

كيف يرى كاتب هذه الدراسة موقف " عصمت سيف الدولة من عبد الناصر ؟

الواقع أن كاتب هذه الدراسة لا يملك إلا أن يجتهد في الإجابة على هذا السؤال في حدود رؤيته الشخصية التي يتحمل وحده مسئوليتها .

كاتب هذه الدراسة يعتقد أنه لا يمكن أن نفهم موقف عصمت سيف الدولة وكتاباته التي بدأت في منتصف الستينات دون الاستعانة بما يقدمه لنا علم " اجتماع المعرفة " من مبادئ وافتراضات نظرية .

تعلمنا مقولات " علم اجتماع المعرفة " (وهو العلم الذي يبحث في شروط وظروف انبثاق المعرفة الإنسانية ) أن " الفكر البشري " لا يأتي من فراغ أو من تدريب ذهني محض , بل ينبغي الربط بين الأفكار والنظريات والواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي ظهرت في سياقه باعتباره واقعا تاريخيا . ذلك أن فهم الأفكار أو المذاهب السياسية أو النظريات العلمية أو الشخصيات السياسية ليس مقطوع الصلة بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي نشأت فيها , خاصة إذا سلمنا بالعلاقة الجدلية بين عالم الفكر وعالم الواقع . وهكذا يمكن أن نقول أن دراسة فكر أي فيلسوف أو زعيم سياسي دون البحث في نشأته الاجتماعية التي نمى داخلها أو دون بحث في الأفكار والثقافات التي تلقاها في صغره هو نوع من الهراء . فالفيلسوف أو الزعيم السياسي هو نتاج عصره وأسرته ووطنه وبالتالي يتعين البحث عن أصول النظريات والأفكار في أحشاء المرحلة التاريخية التي عاشها وأبدع فيها فكره أو مذهبه أو نظريته .

3 - إذا كان ذلك صحيحا , وهو في رأينا صحيح , فإننا لا يمكن أن نفهم ما كتبه عصمت سيف الدولة ونديم البيطار وعبدالله الريماوي إلا في ضوء ما أثارته تجربة عبد الناصر من تحديات فكرية وتطبيقية على المفكرين الثلاث . لقد راح كل منهم يبدع بطريقته رده على هذه التحديات وفقا لمنهج محدد خطه كل منهم لنفسه , فرأينا البيطار يبدع وفق ما سماه " المنهج التاريخي المقارن " ورأينا الريماوي يبدع وفق ما سماه منهج " الحركية الحياتية الإنسانية " ورأينا عصمت سيف الدولة يبدع وفق ما سماه " جدل الإنسان " .

وكانت الإجابات الثلاث , أو المناهج الثلاث , هي تأصيل لما رآه كل منهم واجبه الفكري تجاه التجربة الناصرية .

وبينما استفاد الأستاذ الريماوي - بحكم علاقة تاريخية محددة بالرئيس عبد الناصر وحزب البعث - بعلاقة ودية مع مؤسسات الدولة الناصرية , لم يكن نصيب " البيطار " من هذه " الود " الكثير رغم زياراته المتعددة للجمهورية العربية المتحدة ويمكن القول أن مؤسسات عبد الناصر الفكرية لم تلتفت لجهود " البيطار " رغم ناصريتها الواضحة لأسباب تتطلب تفسيرا من هؤلاء الذين كانوا قائمين على هذه المؤسسات ؟!!

اما الفارس الثالث " عصمت سيف الدولة " فقد كان يقيم ويعمل ويجتهد على أرض مصر وأمام أعين مؤسسات الدولة الناصرية وأجهزتها الفكرية والسياسة والأمنية . ويمكن أن نقول أنه لم يحظ لا بالود الذي حظى عليه " الريماوي " ولا بالتجاهل الذي حظى عليه " البيطار " وإنما حظى بكثير من التوجس والعداء .. لماذا ؟ .

4 - من ناحية .. كانت كتب عصمت سيف الدولة في نقد المادية التاريخية والمادية الجدلية والماركسية بشكل عام لا تحظى بأي ود من النخبة المثقفة الماركسية التي ركزت قواعدها منذ منتصف الستينات في الاتحاد الاشتراكي ومعهد الدراسات الاشتراكية والصحافة والمسرح والسينما . ومن يعود لمجلة " الطليعة " الماركسية فيما كتبته في الستينات عن دعاة " الاشتراكية العربية " سيطالع فيها دروسا بليغة في فن " الهجاء والردح الإيديولوجي " قام به الماركسيون ضد كل من كتب عن " الإشتراكية العربية " . وهو يفسر لماذا لم تكن كتابات " عصمت سيف الدولة " أو " البيطار " تلقى الترحيب في برامج التثقيف التي سيطر عليها بشكل ذكي الخارجون من الأحزاب الشيوعية المنحلة . و لم يكن لرجال عبد الناصر من الكفاءة الفكرية أو النظرية ما يمكنهم من إدعاء القدرة على مواجهتهم , وبقي عبد الناصر هو المفكر الحقيقي والوحيد لتجربته بينما اقتصر دور الآخرين على الترديد والتبرير النظري لما يقوله عبد الناصر .

والحق يقال كان الفارق النظري بين عبد الناصر وبين رجاله كبيرا فلم يجد هؤلاء بدا من الاستسلام للجهود الفكرية والمنظمة التي " تبرع " بها الماركسيون الخارجون من الأحزاب الشيوعية المنحلة !!

ونجحت الحملة " الماركسوية " في إبعاد الفكر القومي التقدمي الجديد عن دائرة الفعل السياسي في تجربة عبد الناصر , حينا بتعمد تجاهل الأصيل منه وحينا آخر بالهجوم على الغث منه في حملات " دون كيشوتية " بائسة .



5 - من ناحية ثانية … كانت كتب " عصمت سيف الدولة " قد بدأت تكتسب أنصارا لها من الشباب العربي خارج مصر وبدون تخطيط مسبق وبعيدا عن " أجهزة الدولة الناصرية " .

والواقع أن دور هذه الأجهزة وما أدته خلال حكم الرئيس يجب أن يكون محل دراسة موضوعية من الناصريين أنفسهم . فالذي لاشك فيه أن أكثر من مناضل ناصري كان قد شكى للرئيس عبد الناصر من " بيروقراطية " هذه " الأجهزة " ومن أنها تتعامل مع الشباب العربي كما تتعامل مع " العملاء " أو " الأتباع " مستغلين في هذا عواطف الحماس والحب الذي اسبغها هؤلاء على زعامة " الرئيس عبد الناصر " شخصيا .

وإذا أضفنا لكل ذلك أن القاهرة كانت قد تحولت في الستينات الى كعبة للنضال العربي وامتلأت شوارعها ومقاهيها ومنتدياتها بعدد ضخم من اللاجئين السياسيين والمناضلين والزوار من كل أرجاء الوطن العربي وما كان يعنيه هذا من لقاءات وحوارات فكرية كان طرفا فيها عصمت سيف الدولة وفكره وكتبه , يمكن , عندئذ , ان نتصور ما سيسببه ذلك من حساسية لدى " أجهزة عبد الناصر " .



على أية حال سيصدر " عصمت سيف الدولة " قبل نكسة يونيو / حزيران كتبه : " أسس الاشتراكية العربية " و " الطريق للاشتراكية " و " الطريق للوحدة " و " الطريق للديمقراطية .. أو سيادة القانون في الوطن العربي" لتكون تأصيلا رائقا وإبداعا أصيلا لما كان يقوله ويفعله عبد الناصر, دون أن يسمح لنفسه بالدخول في جوقة المهللين والمصفقين لعبد الناصر .



لماذا لم تفعل مثلهم .. يا دكتور عصمت ؟!!



6 – ويجيب عصمت سيف الدولة : " حينما كانت الحركة الجماهيرية القومية منتصرة تحت قيادة عبد الناصر كتبت ما كتبت حاثا ومحرضا جماهير الأمة العربية وقيادتها على عدم التوقف عند الوحدة الجزئية , وعد الاكتفاء بوحدة القيادة ووحدة الحركة بدون وحدة التنظيم . وساندت بالدراسات المكتوبة التي لم تنسب الى قط كثيرا من القوى القومية المناضلة ضد التجزئة في كثير من القطار العربية . ولم أكتب شيئا قط عن عن مصر تحت قيادة عبد الناصر التي كانت الأمة العربية قد كسبتها قاعدة قائدة انصرفت فيها الى تأصيل الوحدة وتبرير التضحيات من أجلها والتوحيد بينها وبين النصر في كل معارك التحرر والتقدم .. وقد عوتبت أيامها على أنني لم أذكر في كتبي لا مصر ولا الميثاق , ولا حتى عبد الناصر . وكان المعاتب صديقا قديما لي ومن أقرب الناس الى عبد الناصر!! ( علامات التعجب من عند كاتب الدراسة ) . وكان جوابي أني أقاتل بما أكتب في سبيل أمتي ووحدتها القومية حيث تدور المعارك مع الأعداء واحتمالات النصر أو الهزيمة . ولست معنيا , ولا أنا أجيد ترتيل أناشيد النصر للمنتصرين … ومصر عبد الناصر ( 1966 ) منتصرة فهي في غير حاجة الي . وخسرت كثيرا وكثيرين لم يفهموا ذاك الموقف . ولكني لم أعبأ بالتوقف لمعرفة ماذا ومن خسرت … كان الأكثر استحقاقا للانتباه مساندة الحركة المنتصرة حتى يتحقق النصر الأخير .. فرأى من رأى أنني أستحق لقب " قومي " وكان ذلك بالنسبة الي كسبا عظيما .. " ( عن الناصريين .. وإليهم )



وربما يرد البعض بان هذا تفسير متأخر لعصمت سيف الدولة لموقفه من عبد الناصر وقيادته للحركة القومية ولا يمكن الإحتجاج به على موقفه إثناء حكم الرئيس عبد الناصر ؟



نعم هذا تفسير يعود لعام ( 1987 ) حين كتب كتابه ( عن الناصريين .. وإليهم ) وفيه روى كل روايته مع قيادة عبد الناصر ودولة عبد الناصر ورجال عبد الناصر .

وسيبقى هذا التفسير منقوصا ما لم نتكلم عن " بيان طارق" وقصته :





حديث عن بيان طارق!!



7 - قبل أن ينتقل عبد الناصر الى رحاب ربه بسنوات قليلة كان قد مر بأكثر معاركه مرارة وألما : نكسة يونيو / حزيران.. الهزيمة التي مزقت كثير من الأفئدة والقناعات في الوطن العربي .

وراح " المنافقون " والمهتزون والمذبذبون يخوضون في أسباب النكسة بغرض تصفية حساباتهم القديمة مع عبد الناصر . ووجدت فيها منظمات وأحزاب طالما نافقت عبد الناصر الفرصة متاحة للانتقام من الرجل الذي حكم عليها بالذيلية الجماهيرية لسنوات طويلة . وهكذا ظهرت المعلقات اليساروية عن " البورجوازية الصغيرة المهزومة " ونظريات " الحرب الشعبية " والمقاومة الفلسطينية التي سترد على هزيمة البورجوازية الصغيرة وتحرير فلسطين الذي سيفتح الطريق للوحدة العربية !! .. الخ المعلقات التي أطلقتها في ساحة العمل السياسي كل الفئات الصبيانية المنفلتة من حزب البعث والقوميين العرب والمنظمات الفلسطينية " الفداوية " واليساروية .

وسط هذه " الهزيمة العسكرية " تمالكت الجماهير العربية نفسها وطالبت قائدها بالاستمرار في القيادة ومواجهة الهزيمة . ووقف القائد وبدأ في مواجهة الهزيمة رغم آلامه الشخصية وكان لابد له من أن يعيد النظر كاملا في بنية الدولة والمؤسسات التي شيدها بنفسه وبالثغرات التي سمحت للعدو بالنفاذ منها وتحقيق نصره . لحظة شاملة من مراجعة النفس قادها عبد الناصر مع فكره ودولته ومؤسساته ( مراجعة يعرفها الكثيرون ممن اهتموا بفكر الرجل وحياته ) .

ووقف في نفس الخط - نقد الذات - كل القوميين الذين هزتهم" الهزيمة " فلم يستسلموا لردود الفعل المرتاعة التي استسلمت لها " الجملة المثقفة الطفولية " .

لقد أتضح " لعبد الناصر " وكل القوميين العقائديين أن هناك ثغرة واسعة ومفتوحة في بنية الثورة . وكما خرجت الجماهير تطالب " عبد الناصر " الاستمرار في موقعه في 9 و10 يونيو 1967 خرجت مرة أخرى تطالبه محاسبة المسئولين عن الهزيمة في مظاهرات 1968 .

وكان من هؤلاء " عصمت سيف الدولة " .

لقد أدرك " عصمت سيف الدولة " بشكل واضح طبيعة الخلل في الدولة الناصرية . إنها " الأجهزة الأمنية " التي حاولت أن تحجز القائد عن جماهيره بكل وسائل النفاق والقهر والبيروقراطية .

كيف يمكن - إذا - تخليص البطل من قبضتها وإعادته لجماهيره ليعاود بها ومعها انتصاراته ؟



بالتنظيم القومي …



8 - سيكتب " عصمت سيف الدولة " بعد نكسة يونيو / حزيران كتيبا صغيرا بعنوان " بيان طارق " يطالب فيه الشباب العربي ويحثهم على بناء " الحركة العربية الواحدة " ( أو التنظيم القومي ) لتكون تنظيما جماهيريا بقيادة عبد الناصر , على أن يتم إعلان هذا عام 1970. وكان عبد الناصر هو الذي حدد عام 1970 لإعادة النظر في " الميثاق " كوثيقة فكرية .

كان هدف " عصمت سيف الدولة " من " بيان طارق " ان يبدأ الشباب العربي في تكوين التنظيم خارج مصر وبعيدا عن أجهزة الدولة الناصرية لكي تتاح له ظروف النشأة الديمقراطية , ثم تلتحم هذه القواعد " المنظمة " بقائدها الجماهيري " عبد الناصر " عندما يعلن عن عقد مؤتمر القوى الشعبية في القطر المصري حسبما كان يخطط عبد الناصر قبل النكسة .



وكل هذا هو واضح من كلمات " بيان طارق " .. وهو " منشور" أو كتيب ثار حوله اللغط مرارا ولم يتيسر للكثيرين قراءاته رغم أنه نشر بعد ذلك في إحدى طبعات كتابه " نظرية الثورة العربية " .



في هذا الكتيب " المنشور " حدد " عصمت سيف الدولة " بوضوح طبيعة موقفه من " قيادة عبد الناصر " للحركة القومية كما حدد بوضوح تام موقفه من " أجهزة عبد الناصر " :



حديث عن قيادة عبد الناصر للتنظيم القومي



9 - كتب عصمت سيف الدولة فيما كتب في " بيان طارق " :

" … إن الطريقة الوحيدة للتغلب على العقبات التي تطرحها الإقليمية والإقليميون هي وجود التنظيم القومي فعلا . لهذا فإن تلك الصعوبات لا يمكن أن تقبل كعذر لتقاعس الثوريين العرب عن تكوين التنظيم القومي . إنها بعض الأسباب الجدية التي يجب أن تحرضهم على الإسراع في هذا التكوين . أما الصعوبات ذات الطبيعة القومية فهي النابعة من صفوف الثوريين العرب وعلاقتهم وطبيعة المرحلة التاريخية التي يمر بها النضال العربي وهذه هي التي تشكل بالنسبة الى مولد التنظيم القومي مشكلة لا بد لها أن تحل بالطريقة المناسبة أي بالطريقة التي توفق بين وحدة الثوريين العرب في تنظيم قومي واحد وبين متطلبات النضال القومي قبل مولد هذا التنظيم . قياسا على هذه التفرقة نجد أن الصعوبات المتبقية مما عددناه آنفا تنقسم الى قسمين :

الأول : يمثله نشاط بعض الأجهزة في ج . ع . م وعدم كفها عن التدخل في الميدان الجماهيري العربي مع عجزها من أن يكون هذا التدخل في خدمة التنظيم القومي . وهذا القسم من الصعوبات هو الذي يحتج به الكثير من العرب ذو الخبرة في التعامل مع هذه الأجهزة . والاحتجاج به ينسى أن تلك أجهزة ج. ع . م الدولة . الدولة الإقليمية .

أي أنها في التحليل النهائي أجهزة إقليمية تفكر اقليميا وتقدر إقليميا وتنشط اقليميا . ويترتب على هذا أمران :

أولهما : ان نشاطها مهما كانت صورته ومهما كان مداه لن يؤدي الى مولد التنظيم القومي العربي الواحد .

ثانيهما : أن التنظيم القومي العربي الواحد هو الوسيلة الوحيدة لاستغناء النضال العربي الواحد عن نشاط تلك الأجهزة .

وهذا يحدد للثوريين العرب واجبا ذو شقين :

أولهما : الكف عن توقع أن تلك الأجهزة رائدة وقائدة الى تكوين التنظيم.

ثانيهما : المبادرة الى تكوين تنظيمهم القومي .

وهكذا تنحسر المشكلة في علاقة الثوريين العرب بقيادة " جمال عبد الناصر " لمعركة التحرر العربي .

فمن ناحية لا بد من أن يقوم التنظيم القومي قائدا للنضال القومي وهو ما يعني أن تكون قيادة " جمال عبد الناصر " وكل المناضلين في معركة التحرر جزءا منه .

ومن ناحية ثانية لا بد " لجمال عبد الناصر " أن يسهم إيجابيا في تأسيسه .

وحل هذه المشكلة تقع على عاتق طرفيها وليس على أي طرف منه .

فما تتوقعه جماهير الأمة العربية من " جمال عبد الناصر " يعتبر واجبا قوميا على جمال عبد الناصر وهو مسؤول تاريخيا عن أداء هذا الواجب , والتغلب على ما يصادفه من عقبات يطرحها التركي السياسي الداخلي في ج. ع . م ومسؤولية إدارة دولة إقليمية . المنطلق القومي يحتم أن تكون الأولوية لكل ما هو قومي فلا يضحي به من أجل ما هو إقليمي . ومع معرفة الكثافة التاريخية للإقليمية في مصر , فإن أصعب مراحل الانطلاق القومي وهي الانفتاح على الأمة العربية وتسخير الإمكانيات الإقليمية من أجل النضال القومي قد تمت بقيادة " جمال عبد الناصر " في معركة التحرر العربي . فما هو مطلوب من " جمال عبد الناصر " هو مد المنطلق العربي الذي يدير به معارك التحرر ليكون أساسا موحدا لمعارك الوحدة والتنمية والاشتراكية وعلى وجه خاص ليكون أساسا للعمل الجماهيري والشعبي …. " ( بيان طارق )



10 - وفي أكثر من موضع من هذا " المنشور " أكد " عصمت سيف الدولة " إيمانه كمناضل قومي , بقيادة عبد الناصر للحركة القومية وللتنظيم القومي الذي يدعو لبنائه .

ولكن قيادة عبد الناصر للحركة العربية الواحدة أو " التنظيم القومي " شيء , ووجود " أجهزة عبد الناصر " الإقليمية في هذا المشروع شيء آخر , وهو أمر لم يتوان " عصمت سيف الدولة " عن التحذير منه .

ولكن لنتصور معا سيناريو وقوع هذا " المنشور " أو " الكتيب " في يد أجهزة عبد الناصر ( وهو لابد قد وقع ) , فهل كانت لتغفر لعصمت سيف الدولة هجومه عليها واتهامها بألفاظ صريحة في " بيان طارق " بأنها : " ضيقة النظر .. تنظر الى النضال العربي وتعالجه بطريقة إقليمية .. تفتقد الكفاءة الفكرية والعقائدية اللازمة لأية مساهمة مجدية في النضال القومي الجماهيري .. لا تتمتع بأية كفاءة في تنظيم الجماهير وقيادتها وقد فشلت في كل مرة حاولت هذا..( بيان طارق)



والسؤال الذي لابد يحتاج إلى إجابة منا هو :



هل كان " عصمت سيف الدولة " محقا في نقده لهذه الأجهزة لصالح قيادة " عبد الناصر " للجماهير العربية أم كان على خطأ ؟

ولابد أن نسترعي نظر القارئ الى أن كل هذا النقد " لأجهزة عبد الناصر " كان بعد نكسة يونيو / حزيران .. النكسة التي كشفت فقر هذه الأجهزة .. الأجهزة التي أنتقدها عبد الناصر بعد النكسة فيما أطلق عليه هو نفسه " دولة داخل الدولة " ..

ايا ما كانت الإجابة التي سيخرج بها المنتدون حول فكر " عصمت سيف الدولة " على هذا السؤال , فأن قصة " بيان طارق " لم تكن قد انتهت عند حدود كتيب أو " منشور " كتب ونشر ووزع على دائرة ضيقة أو واسعة من " أنصار الحركة العربية الواحدة " أو " التنظيم القومي " .

لا نملك في أيدينا من الوثائق ما يمكننا من الجزم من أن " أجهزة عبد الناصر " لم تحصل على هذا الكتيب " المنشور " , وليس لدينا ما يدعونا على الإعتقاد انها أنها " رحبت " بما جاء فيه من نقد مرير لها بسبب عدم كفاءتها وضيق افقها .

ولن يكون صعبا , والحال هكذا , أن نتصور كيف يمكن أن يكون رد فعلها على هذا النقد !!



ما هو موجود تحت أيدينا ان " عصمت سيف الدولة " سيقبض عليه في الأيام الأولى لحكم " السادات " وسيتهم بإنشاء " تنظيم قومي " هدفه قلب أنظمة الحكم في الوطن العربي . ليصبح ما سمي " بتنظيم عصمت سيف الدولة " أول تنظيم يتم القبض عليه في عهد الرئيس السادات ومحاكمة أفراده والحكم عليهم بسنوات طويلة في السجون . وسيتردد في محاكمة " عصمت سيف الدولة " ورفاقه أن أجهزة الدولة كانت " تراقبه " عن قرب , وقبل سنوات قليلة من القبض عليه بالجرم المشهود .. " جرم التنظيم قومي " !!

فإذا عرفنا أن القبض على " عصمت سيف الدولة " كان في عام 1972 فإن هذا يعني أن " أجهزة عبد الناصر " كانت قد وضعت عيونها علىه قبل وفاة الرئيس جمال عبد الناصر نفسه ؟!! .

وهو أمر يعني أن هذه " الإجهزة " كانت قد بدأت في تصنيف " عصمت سيف الدولة " في قائمة المعادين لها مع ما يحتمله هذا من سوء ظن .. ومراقبة وتحذيرات.. وإشاعات .. وحملات دعائية .. الى آخره .

وعلى من يهوى متابعة بقية هذه القصة فعليه أن يقرأ " بيان طارق " و " إعدام السجان " و " عن الناصريين .. وإليهم " فقد يساعده هذا في الإجابة على السؤال الذي طرحناه : هل كان " عصمت سيف الدولة محقا في نقد " أجهزة عبد الناصر " أم كان مخطئا ؟

وسيساعده حتما في الإجابة على هذا السؤال بالذات ما كشف عنه التاريخ من حوادث ومذكرات وأحداث خلال الثلاثين عاما التي مرت على وفاة الزعيم الخالد " جمال عبد الناصر " .



هل يكفي هذا كله لكي يعرف البعض لماذا كان يجيب " عصمت سيف الدولة " على السؤال : هل أنت ناصري ؟ بإجابة أكثر استفزازا : قل لي ما هي الناصرية فأجيبك على سؤالك ؟!



بالقطع لا !!





حديث عن المرتدين





11 - كان هناك سبب آخر عرفه بعض من أقترب من " عصمت سيف الدولة " أو من تحاوروا معه شخصيا . هؤلاء عرفوا فيه وعنه " مقته الشديد " لمن يضعون ولاءهم للأشخاص فوق ولاءهم للأفكار أو لمن يضعون ولاءهم للأفكار فوق ولاءهم لأمتهم .

لماذا لا تقول لهم – يا دكتور - أنك ناصري فتكسبهم ويكسبونك ؟

على هذا السؤال سيجيب عصمت سيف الدولة : " … كان مثيرا للدهشة ثم للغضب أن قادة الردة هم ممن كانوا يحيطون بعبد الناصر ويذهبون في التعبير عن الولاء لشخصه الى حد تحريم كلمة " لا " في مواجهته وتكفير نقده . نافقوه حيا حتى المذلة ونافقوه بعد مماته فركعوا أمام تماثيله الصماء . ولبسوا قميصه الى حين . أولئك لم يكن أحد ليجرؤ على إنكار إنهم هم " الناصريون " أيا ماكان مفهوم " الناصرية " في حياة عبد الناصر . فقد كانوا حريصين على أن يجمعوا في أشخاصهم علاقة الولاء وعلاقة الانتماء وعلاقة الوفاء وعلاقة الرجاء . أولئك الذين كانوا يحتكرون كهانة معبد " الناصرية " ويقيمون من أنفسهم طبقة عازلة بين القائد والجماهير ويصدرون أحكام الحرمان وأحكام القبول الى ساحة الثورة . أولئك الذين نثروا بأيديهم على ثياب الثورة ما علق بها من نقاط سوداء ثم عادوا يشيرون إليها بأصابعهم العشرة . هم الذين كانوا مع " الديكتاتورية " منذ بداية الثورة , وهم الذين كانوا قضاة المحاكم الاستثنائية . وهم الذين أصدروا أحكام الإعدام ونفذوها . وهم الذين حولوا زنازين المخابرات العامة والبوليس الحربي الى أماكن تعذيب سجون . وهم الذين عفوا بعد ذلك عن المجرمين وسهلوا لهم الإفلات من نفاذ أحكام القضاء . وهم الذين انشأوا وقادوا الاتحاد القومي وهم الذين أنشأوا وقادوا الاتحاد الاشتراكي العربي . وهم الذين نكصوا عن الإسهام في تنمية " وطنهم " فلم يستطع أن ينعم بخطة اقتصادية ثانية . وهم الذين كانوا مديرين للقطاع العام فنهبوه وأفشلوا ما استطاعوا من مؤسساته . وهم رجال الدولة التي انهزمت في ست ساعات عام 1967 . وهم الذين آلهوا القائد فمنحوه تفويضا مطلقا بأن يفعل ما يشاء بعد هزيمة 1967 . وكان أكثر ما أثار الاشمئزاز واستفز المشاعر أن المرتدين قد استجلبوا الهاربين من مخابئهم وكانوا هم الذين حملوا عليهم حتى هربوا , ثم مكنوهم من اشفاء غليل الحقد على الرجل الذي قاد حركة تطهير المجتمع منهم . وحل فجر العداء لعبد الناصر الميت محل ذل الرياء لعبد الناصر الحي … "( عن الناصريين … وإليهم , مصدر سبق ذكره , ص 16-17)

12 - كانت الساحة السياسية بعد وفاة عبد الناصر تضج بفصائل مختلفة من دعاة الناصرية وإدعياءها من كل شكل ولون , حيث كان الانتساب لعبدالناصر مشروعا لمن يطلبه رجاء أو رياء , رجاء لمصلحة قريبة أو محتملة , ورياء لجماهير أسبغت على بطلها في حياته كل ألوان العشق والتقدير , فكان التسابق على قميص عبد الناصر وتركته جزءا من معارك هؤلاء لاكتساب شرعية الوجود بعد أن خلت الساحة من الزعيم الذي كان وحده صاحب الشرعية الجماهيرية .. ولم يكن من الممكن لعصمت سيف الدولة أن يجيب عن السؤال المستفز وهو الذي نأى بنفسه عن مشاركة جوقة المنافقين نفاقهم في ظل وجود عبد الناصر وفي غمرة حضوره الآسر في ساحة السياسة العربية .

وهل يكفي في عدم الإجابة على سؤالهم : هل أنت ناصري " التعلل بوجود المرتدين " أو المتاجرين بالناصرية .؟

هل الإدانة السلبية تكفي .. يا دكتور عصمت ؟!!



بالقطع لا !!





13- فمنذ منتصف السبعينات سيكرس عصمت سيف الدولة عددا لا بأس به من كتاباته الفكرية في الدفاع عن منجزات عبد الناصر, وفي ذات الوقت سيستنفذ عدد كبير من " رجال عبد الناصر " كل مواهبهم في " كتابة مذكراتهم الشخصية " للتدليل على درجة قربهم من " الزعيم ". كان " عصمت سيف الدولة " يكرس كل جهده الفكري في الدفاع عن إيجابيات حقبة عبد الناصر ومواجهة حملة المرتدين وسيصدر كتابه الممتاز " هل كان عبد الناصر دكتاتورا " للدفاع عن تجربة البناء الاشتراكي التي قادها عبد الناصر ومواجهة الحملة التي كان يشنها اليمين واليسار في آن واحد تحت دعاوى الديمقراطية وسيصدر بعد هذا الكتاب تقييمه وموقفه من تجربة الديمقراطية الشعبية في عهد عبد الناصر تتضمن تقييما فكريا تاريخيا فلسفيا واجتماعيا وقانونيا سيظل في رأيي أكثر ما كتب في هذا الموضوع جدة وجدية ( في كتابيه : هل كان عبد الناصر ديكتاتورا , والأحزاب ومشكلة الديمقراطية )

وسيكتب عصمت سيف الدولة يدافع عن القطاع العام وحق الشعب فيه ( كتيب : رأسمالية وطنية , ورأسماليون خائنون )

وسيكتب عن الصلح مع العدو الصهيوني الذي قاده السادات اعمق دراسة قانونية وسياسية تناولت معاهدة " الشؤم " كامب ديفيد ( كتاب : هذه المعاهدة )

وسيكتب يحذر مرة أخرى منظمة التحرير الفلسطينية من مخاطر الاعتراف بعدوها الصهيوني ( الإعتراف المستحيل )

وغير ذلك كثير .

14- وكانت كل هذه الدراسات هي السلاح النظري الذي حمله عدد كبير من الشباب الناصري في حربهم ضد الردة والمرتدين .

فهل قصر عصمت سيف الدولة في واجبه نحو عبد الناصر والناصرية ؟!!

وهل أدى الذين رفعوا شعارات ناصرية زاعقة واجبهم نحو فكر عبد الناصر وتراثه النظري مثلما فعل " عصمت سيف الدولة " الذي كان موضع مساءلة وشك في مواقفه من عبد الناصر والناصرية ؟!!





للأسف الشديد سينشغل عدد ممن يقولون عن أنفسهم " ناصريين " - في محاولة لترويج أنفسهم ككتاب ومفكرين " تقدميين - في إنشاء كتابات ذات حظ ضئيل من الجودة في الرد على كتابات لراقصات وداعرات وصحفيين هاربين أعادهم السادات لمهاجمة عبد الناصر

15 - كانت ساحة اليمين واليسار تحفل بكل الوجوه الكئيبة من جواسيس وعملاء مخابرات أجنبية وانتهازيين وطامحين يتحركون تحت قيادة رأس الدولة الذي كان رفيقا لعبد الناصر ونائبه وخليفته .

والواقع الثابت هنا أن " عصمت سيف الدولة " لم ينخدع بالسادات منذ اليوم الأول لتوليه خلافة عبد الناصر كما انخدع به معظم المقربين من عبد الناصر. يقول عصمت سيف الدولة :

" منذ اليوم الأول لوفاة عبد الناصر توقعت ما أصبح اليوم واقعا . أولا لأنني كنت أعرف معرفة صحيحة الدور القومي الذي يقوم به عبد الناصر : وثانيا لأنني كنت أعرف معرفة صحيحة أنور السادات ( منذ 1946). فقد كان أنور السادات إقليميا فرعونيا رأسماليا نرجسيا منذ بداية حياته العامة . ولم يكن يعبأ بالتقييم الاجتماعي للمواقع التي يختارها لنفسه ما دامت ترضيه ( استطاب معاشرة حاشية الملك والالتحاق بحرسه الحديدي مع أنه لم يكن ملكيا ) . فهو لم يخدع أحدا إنما إنخدع به من لم يعرفوه بعيدا عن عبد الناصر فلم يعبأ بانخداعهم . أيا ما كان من أمر ذاته فإنه لم يلبث حتى أرتد عن الاتجاه القومي التقدمي لثورة يوليو الناصرية .. فإتنقلت المعارك بالنسبة لي , وبالنسبة الى كل قومي حقا وصدقا , الى القاهرة . وأصبحت مقاومة الردة والحفاظ على الانتماء القومي واسترداد مص الى مركز القاعدة للحركة القومية هو القضية القومية المركزية . ولقد أخطأ الذين لم يستمعوا إلي من قادة منظمة التحرير الفلسطينية حين نبهتهم الى أن قضية مصر , وليست قضية فلسطين قد أصبحت القضية القومية المركزية بعد اتفاقية كامب ديفيد . كما أخطأ خطأ فادحا الذين أعماهم ولاءهم الذاتي لشخص عبد الناصر حينما اتخذوا من اختياره للسادات نائبا حجة لاختياره رئيسا . على أي حال فقد استغرقتني المعارك في الساحة والزمان اللذات حددهما أنور السادات . ومازلت أكتب وأنشر وأدافع عن كل المعارضين وأدخل السجون وأخرج منها من أجل الدفاع عن أمتي العربية في معركة تجري في مصر , حتى تلقيت عديدا من الرسائل من الشباب العربي في أقطار متعددة يتهمونني بأنني قد أصبحت إقليميا .. الى أن سمحت الظروف بعد أنور السادات بأن ادخل معركة قومية شاملة كل الأقطار بكتابي " عن العروبة والإسلام " ( عن الناصريين .. وإليهم )





حديث عن الناصريين ووحدتهم التنظيمية





16 - وكان هناك سبب ثالث في ألا يجيب عصمت سيف الدولة عن سؤالهم المستفز : هل أنت ناصري يا دكتور عصمت ؟

فكنا نراه يرد على سؤالهم بالقول :

"… منذ البدايات المبشرة , قدرت أن أوفي بواجب اعتقد أنني قادر على الوفاء به : ان أنشئ وأنشر دراسة أجتهد أن تكون علمية وموضوعية تجيب على السؤال : " من هم الناصريون " علها تساعد الناشئة من الشباب على فرز قواهم واختيار رفاق نضالهم بدون مخاطر الاحتواء أو الاختراق أو بأقل قدر من تلك المخاطر .. فبدأت في إنشائه عام 1983 على ما أتذكر . فلما فرغت من كتابة جزء كاف منه أقرأته بعض الشباب الناصري الذين كانوا وما يزالون على صلة حوار مستمر معي . فأقترحوا تأجيل إتمامه ونشره متحججين بأنهم , طبقا لمقتضيات المرحلة , وهم أعلم بها مني , فيرون ان الكتابة في هذا الموضوع ستضيف الى متاعب اتفاق الناصريين متاعب الخلاف حول إجابة مطروحة عن السؤال : " من هو الناصري " . وأن الوقت الملائم لمثل هذا الطرح لم يأت بعد , فلم أستمر في الكتابة تقديرا لموقفهم من ظروف هم اعلم بها مني لأنها ظروفهم .. وقد ثبت صحة تقديرهم فعلا , إذ استطاعوا بدون إجابة على السؤال المؤجل أن يقفوا على أعتاب التنظيم الذي استهدفوه … "



17 - استجاب عصمت سيف الدولة , إذا , لرغبة الشباب الناصري حتى لا يكون سببا في اتساع شقة الخلاف .

ولكن ما لم يكتبه " عصمت سيف الدولة " عن نفسه أنه لم يكن يتردد في أن ينصح هؤلاء الشباب " أنفسهم " في لقاءاته الفردية والجماعية بهم أن يتوحدوا على وثيقة فكرية تجمعهم معا في إطار حركي واحد .

وبعضهم يذكر , أو لا ينكر , انه طالبهم بالتوحد على الميثاق كوثيقة صالحة وكافية لضمان وحدتهم التنظيمية .

الوحدة التنظيمية للناصريين كانت هدفا من أهداف حياة " عصمت سيف الدولة " كرس لها من حياته ما شاء الله له من سبل الفكر والقول والعمل .

ولماذا هذا كله يا دكتور عصمت ؟!









حديث عن الحزب الناصري



18 - ويجيب عصمت سيف الدولة على هذا السؤال قائلا :

" .. ان الناصريين كانوا , وما يزالون على ما أعتقد , أكثر انتشارا على المستوى الشعبي من أية قوى أخرى .. وكان عليهم أن يتحولوا من تيار شعبي غير منظم إلى قوى جماهيرية منظمة . إلى حزب . ولكنهم كانوا يواجهون في سبيل ذلك عدة عوائق ذات طبيعة نظامية وتاريخية لم يواجهها ولا يواجهها مجتمعة حتى الآن أي تيار آخر . منها عداء الدولة وإنكار شرعية التنظيم عليهم . ومنها غياب الخبرة بالتقاليد التنظيمية لدى الجيل الجديد . ومنها افتقاد قيادة محورية مقبولة من الجميع . ومنها الناصريون " الرماديون " الذين أرادوا أن يكونوا ساداتيين فعلا جلبا للكسب الحالي وناصريين قولا ليستحقوا الكسب المحتمل , فأضعفوا أثر الفرز الحاد الذي كان كفيلا بأن يخدم هدف التحام الناصريين قولا وعملا في حزب . ومنها أخيرا وليس آخرا عقبة كيفية التنظيم , الصيغة التقليدية هي أن تلتقي أقلية من الصفوة على مبادئ يصوغونها ثم يدعون الناس الى الالتحاق بهم , أو يستقطبونهم أفرادا حتى يكون للهرم الذي بدأ من قمته قاعدة جماهيرية كافية لحمل ثقل مبادئه فبيستقر . مشكلة الناصريين أنهم يكونون قاعدة جماهيرية عريضة لا بد أن يبدأ منها بناء هرمهم التنظيمي . وهي مشكلة عويصة لأنها كانت تقتضي قبل أي بناء تنظيمي التحقق من أن كل فرد من القاعدة ناصري . وكان هذا التحقق يفتقد المعايير الموحدة كما يفتقد الحكم المقبول من الجميع أو حتى من الغالبية ليتولى الفرز على ضوء تلك المعايير . باختصار , كان مطلوبا لتسهيل مهمة تحول الناصريين أو أغلبهم الى قوة منظمة الإجابة على سؤال : من هو الناصري ؟ " ولم يكن ثمة إجابة على السؤال إلا قول الموجه إليه فردا .. ولم يكن ما ينسبه كل فرد الى نفسه كافيا أو ملائما لبناء تنظيم .. ولقد استطاع الناصريون أن يتحولوا عن طريق تفاعل قريب الشبه من التفاعل الكيميائي من أفراد ( ذرات ) الى جماعات ( بلورات ) وأن تتجمع البلورات في كتلة ( حزب تحت التأسيس ) يقاوم ذوبان كل أفرادها وجماعاتها أفراد وجماعات . فاصبح محتوما عليهم جميعا أن يجيبوا على السؤال المؤجل : " من هو الناصري ؟ .. وهم فاعلون إن شاء الله … " ( عن الناصريين .. وإليهم)



وما فائدة أن تكتب وأن تعمل من أجل أن يؤسس الناصريون حزبا إقليميا في مصر .. يا دكتور ؟



حديث عن الإقليمية في مصر



19 - ويجيب عصمت سيف الدولة على هذا السؤال قائلا : " أيا ما كان المستقبل ضمن منطلق الولاء القومي ووعي أبعاد وقوى المعركة القومية التي أصبحت مصر ساحتها , رأى القوميون أنه واجب قومي عليهم نحو أمتهم أن يبذلوا كل ما يستطيعون من جهد للإسهام أو المساعدة على أن يلتحم الناصريون في تنظيم هو القادر بجماهيره على أن يحسم المعركة ضد الردة لصالح مصر العربية كما يمكن أن يكون في مرحلة لاحقة وبعد النصر في الإقليم القاعدة قابلا للنمو تنظيما قوميا .. "



وسيحمل عصمت سيف الدولة على عاتقه عبء الدفاع عن حق الناصريين في حزب سياسي أمام القضاء , وسينجح عبر موهبته القانونية وحنكته السياسية في الحصول للناصريين على الحكم القضائي بشرعية حزبهم " تحت التأسيس " ليصبح حزبا جديرا بحمل أسم البطل القومي .. فهل كان عصمت سيف الدولة مقصرا في أداء ما رآه واجبا نحو الناصرية والناصريين ؟ ! وهل كان فيما كتبه وعمله اقل ناصرية من هؤلاء الذين تسلموا - بفضل جهوده القانونية - حزبا يجمع معظم الناصريين داخله لينتهوا به وقد خرج منه - بفضل جهودهم - معظم الناصريين ؟!!

هل يمكن أن نفهم لماذا حدث هذا للحزب الناصري في مصر .. الحزب الذي علق عليه القوميون كل آمالهم في إسترداد مصر قاعدة للنضال العربي والوحدة العربية؟



لن يصلح أن نقيم في هذه الندوة ما حدث داخل الحزب الناصري فليس هذا هدفنا من هذه الدراسة .

يكفي أن نقول أن ما سماهم عصمت سيف الدولة " الناصريين الرماديين " لم يسعوا لحظة واحدة لتحديد من هو الناصري ومن هو غير الناصري وفق معيار موضوعي غير ذاتي أي على أسس منهجية وفكرية محددة . لقد دخل الناصريون حزبهم وكل منهم يحمل مفهوما ذاتيا وخاصا " للناصرية " فكان لابد والحال هكذا أن يتمزق الحزب وينفرط عقد الناصريين داخله وخارجه . وكان من الطبيعي أن يحتل " الناصريون الرماديون " المواقع والمناصب التي تؤهلهم لها " ناصريتهم " الصارخة والزاعقة في مواجهة من فضلوا العمل للناصرية فكرا وعملا وجهدا دون ضجيج أو تعالي أو إدعاء .



إذا كان ما فعله " عصمت سيف الدولة " للناصرية , فكرا وعملا , صار غير منكور عند الكثيرين من الناصريين بعد أن غاب الرجل عن عالمنا : هل يحق لنا أن نتساءل : أما وقد خاض الرجل للحزب الناصري ( تحت التأسيس ) معركته القانونية حتى وصل به الى شرعية الوجود .. فهل اعترف بجهوده من قادوا واستفادوا من ناصريتهم كسبا ورجاء ؟



حديث عن التنظيم القومي



20- ولا نود أن تنتهي هذه الدراسة قبل أن نخوض في السؤال الذي طالما ثار في الأذهان والحجرات المغلقة ونسجت حوله اساطير مثيرة : هل كان عصمت سيف يصنع تنظيما قوميا ؟





لسنا بحاجة لكي نجيب من عندنا على هذا السؤال " باثر رجعي " فلقد أوضح " عصمت سيف الدولة " موقفه من بناء التنظيم القومي منذ البداية في " بيان طارق " .

الذي لا يعلمه الكثيرون أنه ما كان ليصنع لنفسه تنظيما وهو المفكر والفيلسوف الذي أدان صيغة البناء التنظيمي حول الأشخاص .

وكنا نسأله .. لماذا يا دكتور لا تبادر بالدعوة لبناء التنظيم القومي وتتولى قيادته ؟



والإجابة على هذا السؤال سيجدها من يهتم بهذا الموضوع في " بيان طارق " .

يقول :



" … إن الخبرة العينية أكدت في كل مرة أن إنشاء التنظيمات الجماهيرية عن طريق القيادة تسلب الرابطة بين تلك الجماهير أحد شرائطها الأساسية فتصبح تنظيمات فردية . فعندما تتولى القيادة إنشاء التنظيم :

1 - تكسب صفتها كقيادة قبل نشأة التنظيم .

2 - تدعو الى التجمع حولها في التنظيم .

3 - تختار الكوادر القيادية في هذا التنظيم .

ويترتب على ذلك :

1 - أن تظل القيادة " دائما " فوق التنظيم الذي أوجدته فتحول بالتالي دون التطور الديمقراطي والثوري للتنظيم ومن داخله , ويصبح النشاط الديمقراطي والثوري مباحا على ألا يصل الى حد نقد القيادة أو تغييرها .

2 - كما أن الدعوة الى التجمع في تنظيم حول قيادة معينة يحول هذا التنظيم الى تنظيم القيادة وليس تنظيما للأمة العربية . وينعكس هذا على مقدرة التنظيم في مواجهة النضال العربي في مواقع بعيدة عن اهتمامات القيادة , ثم أنه يعرض التنظيم ذاته الى ما تتعرض له القيادة من انتكاس أو تراجع أو انحراف .

3 - أن تولي القيادة اختيار الكوادر بعيدا عن الديمقراطية التنظيمية - لأن التنظيم لم يكن موجودا أصلا قبل اختيار الكوادر - يحصر التنظيم منذ نشأته في مضايق التقدير الشخصي والتجارب المحدودة التي لابد لها من أن تكون إقليمية بحكم الحصر الإقليمي الذي يفرضه واقع التجزئة في الوطن العربي , ويتضاعف هذا وينكشف كلما اتسع التنظيم , إذ تتولى القيادة شخصيا اختيار ما يليها من مستويات وهذه تختار ما يليها … الخ وهكذا تصبح الرابطة الحقيقية في التنظيم مستندة الى علاقات شخصية مجردة تماما من المبرر الموضوعي أو العقائدي وعندما يصل الأمر الى هذا الحد يكون التنظيم قد أصبح مؤسسة من الأشخاص الذين تربطهم روابط خاصة لا علاقة لها بالمتطلبات الموضوعية لنضال الأمة العربية . فلا يلبثون أن يتخذوا من التنظيم آداه لعزل القيادة عن الجماهير خارجه , أو مطاردة من يتوقعون منهم أن يكونوا منافسين لهم في مراكزهم القيادية , ويؤدي هذا - وغيره - الى أن ترفض عناصر ثورية مجرد الزج بنفسها في هذا الجو التنظيمي وصراعاته الانتهازية " ( بيان طارق )



21 - كان هذا هو موقف عصمت سيف الدولة من التنظيمات التي تنشأ حول قيادة شخصية تسبق بناء التنظيم وتوجهه وتقوده وقد تنحرف به . ولقد حافظ " عصمت سيف الدولة " على وجهة نظره تلك حتى نهاية حياته وقاوم كل الإغراءات والدعوات و " التوسلات " لأن يبادر بإنشاء تنظيم القومي وان يشارك في قيادته . وكان قادرا على فعله لو أراد أن يكون زعيما لحزب ينضم لمئات الأحزاب الفاشلة التي تدعي شرف إنقاذ الأمة العربية . وعلى الرغم من الموهبة الفكرية أو التنظيمية التي كان يتمتع بها " عصمت سيف الدولة " والتي يفتقدها كثير من زعماء الأحزاب التي تسمي نفسها قومية , إلا أنه لم يرد أن يضف للأمة العربية فشلا جديدا " باصطناع " حزب سياسي حول شخصه يعيق من حركتها نحو المستقبل وترك هذه المهمة للشباب العربي المؤمن بها . فهل يعي هذا الدرس بعض الشباب العربي الذي يتطلع , دون وجه حق أو موهب, لإقامة أحزاب معدومة التأثير , اللهم إلا للرغبة في الاستمتاع بلعبة " الزعامة " على شلل عاطلة من الفاعلية؟!!



خاتمة واجبة



لم يكن هدفنا من السطور السابقة محاكمة أحد أو التشهير بأحد أو حتى تمجيد أحد حتى لو كان تمجيد " عبد الناصر " او "عصمت سيف الدولة " .

لقد علمنا الاثنان أن الأمة العربية أبقى وأخلد من الجميع وتستحق منا كل التمجيد و الإخلاص والحب .

وعلمنا الأثنان , قبل كل شيء وبعده , ان التمجيد والإخلاص و الحب لا يكفوا لإخراج أمتنا من عثرتها ما لم يتسلح المناضلون العرب بالأسلوب العلمي في العمل السياسي وأول قوانينه إن وحدة الهدف تقتضي وحدة التنظيم .

لو أدرك هذا القانون كثيرون ممن عملوا في ساحة الوطن العربي على مدار العقود الأربعة الفائتة ما كانت أمتنا العربية وشعبنا العربي ليصلا إلى هذا الظلام المخيف .

لو أدرك كثيرون ممن يتحلقون حول هذه الندوة كم من البشر والأعمار راحت من أجل هدف " الحركة العربية الواحدة " ما كان الاحتفال بذكرى رحيل المناضلين القوميين ليتشح بكل هذا الأسى والمرارة .

أيها السادة :

ما كان " عبد الناصر " أو " عصمت سيف الدولة " بحاجة لكلمات احتفالية أو تكريم إنشائي .

إن روحيهما لن تستقرا عند بارئهما إلا يوم يقيم المناضلون العرب لأمتهم تنظيمها القومي الذي يحقق لها وحدتها السياسية .

وهم أن شاء الله فاعلون
"

الأحد، نيسان 03، 2005

جذور و فروع العنصرية اللبنانية


في موضوع العنصرية ((اللبنانية )) ضد محيطه العربي
بتقديري المسألة لا ارتباط لها بالوجود العسكري السوري الذي قد يكون ولا انكر عن تأجيج هذه العنصرية
لكن ثمة مشكلة بنيوية في ليس فقط في تعاطي (اللبناني ) مع ابناء جيرانه بل حتى مع ابناء مناطقه
ثمة مظاهر سلبية شهدتها الاسابيع الأخيرة تشير الى ظهور كوامن في الثقافة والاجتماع ظن كثيرون أنها دفنت الى غير رجعة.
فالحملة على كل ما هو سوري (وعربي ضمناً) ظهرت على ألسن الخطباء والنواب وشعارات التظاهرات ورسوم الكاريكاتور ولقطات الكوميديا المتلفزة قبل سنين وقبل (الفنعة الاخيرة )الى حد الهستيريا الجماعية في بعض المناطق اللبنانية، لكنها مع ذلك ليست الا جزءاً من جبل الجليد الكبير الذي ينذر بعواصف حملات أشد.
وطال الهجوم حتى بقية اللبنانيين المشوبين بشبهة العلاقة او التحالف او القرب (حتى الجغرافي) من سوريا، وبقية العرب منهم متهمون باللالبنانية حتى يثبت العكس وبالانتماء الى مدى غير لبنان (عربي ـ اسلامي) الا اذا انضموا زحفاً أو ركوعاً الى انتفاضة الاستقلال "اللبنانية" الأصلية 100%.
الظاهرة ليست شاملة أو دائمة في لبنان، لكنها قابلة للانتشار بفعل عوامل اعادة الانتاج، وقابلة للتراجع الى حدودها الدنيا اذا عولجت بجدية مظاهرها وعواملها الدائمة ومن هذه العوامل:
1 ـ الخطاب الثقافي السياسي المرتكز على عدائية المحيط اللبناني، وربط التاريخ اللبناني بالتمرد الدائم عليه، وتضخيم نزعة التنازع الدائم والأبدي بين سكان الجبل وسكان "الصحراء" مع ما تحمله هذه المفردة من شحنات سلبية، يراد بها إلصاق صفة البداوة واللاحضارة بالعرب كل العرب، وتعميم التصحر على الثقافة والمدنية العربية ـ الاسلامية، مقابل اخضرار الجبل الماروني (الذي اصبح مارونيا بفضل فتاوي ابن تيمية والامير فخر الدين المعني ) وعذوبة مياهه وارتباط حضارته بثقافة "البحر" ـ "الغرب" في حقوقه، ومختزلة حقائق التاريخ والجغرافيا التي شهدت حراك الحضارة والثقافة من شرقنا "النهري" (العراق وما قبله).
ادعى الغرب، وفي تنكر انتقائي لدور الحضارة الاسلامية التي أنقذت طوائف بكاملها من مذابح شقيقاتها، وهذبت عقول التمرد وسيوف الالغاء المتبادل ليصبحوا قابلين للتعايش مع أي آخر، بل وصل اشعاعها الى عصور الظلمة الاوروبية من خلال ميادين الاندلس ومساجده التي نقلت الحضارة ممن يسمون زوراً صحراويين الى برابرة اوروبا المتمدنين.
2 ـ الخطاب الطائفي ـ المناطقي الداخلي المتمركز حول الذات، الاستعلائي على الآخر الشريك، شاهراً سيف الأصل عندما يتباهى بأن طائفة معينة هي أصل لبنان ، أي أن الطوائف الأخرى هي فروع وملحقات لهذا الأصل ونسي البعض ان قرعة ابيه المسيحية من سوريا اصلا ، وأن المنطقة التي تسكنها (الجبل) هي المركز ـ النواة باعتبارها هي الأصل وبقية المناطق هي الأطراف، ولهذا فما يحق للأصل لا يحق للفرع التابع، وهو تمييز يستدعي استتباع مسألة التهميش السياسي والنقابي والتاريخي، فيغدو تاريخ المركز هو تاريخ الكل، وثقافة ولهجة المركز هي المهيمنة، أما تاريخ وثقافة ولهجة الأطراف فهي منبوذة مهمشة تستحضر للسخرية (خصوصاً في بعض البرامج الكوميدية التي تسخر من لهجة الشيعة في الجنوب وبعلبك فضلا عن الحماصنة والسوريين ) حتى ليغدو الآخر الداخلي في لبنان غير المنتمي الى الأصل الأسطوري للطائفة والمركز غريباً، وعندما تستحضر اللبننة يكون اللبناني "الأصلي" و"النقي" pure 100% هو ابن الطائفة ـ المنطقة وحده، أما الآخر الملحق فتتناقص لبنانيته طرداً كلما ابتعد عن النواة الصلبة للأصل اللبناني السوي المطهر.
كنتيجة لهذا التمييز على اساس المنطقة والانتماء الديني الذي هو أحد أشكال العنصرية يرسم تصور للبنان سبق وظهرت ملامحه في الدستور السابق للطائف قبل تعديله، فيصبح للبنان وجهان: الأول هو وجه الجبل نحو الغرب، أي نحو البحر وأوروبا، والدليل انه يتكلم اللغة "الافرنجية"، والثاني هو وجه الصحراء، وممثلوه في الداخل هم ابناء الأقضية الملحقة والمدن الساحلية التي ضمت معها الى المركز الأصلي، وبهذا تصبح لكنة المحيط العربي مرذولة ومثاراً للتندر مثلها مثل كل ما يمت الى هذا الوجه من لباس ومأكل وأسلوب عيش.
على هذه الخلفية الثقافية والتاريخية يمكن فهم آليات الاستعادة الخطابية للتمييز العنصري ضد العرب السوريين واللبنانيين الآخرين.
الكمية والنوعية، لبناني 100%، بشر وغنم، على حد تعبير ابن اللص الكبير (بيار الجميل جنيور) وبين جماعة الكرواسون، وجماعة المناقيش، الطاقية (الفرنسية) والحطة والكفية (الشماغ العربي).
كان النظام الطائفي الذي أقرّه الفرنسيون (العلمانيون) خلال انتدابهم، وكرسه النظام السياسي اللبناني منذ العام 1943 أحد أهم الآليات الدستورية والاجتماعية لاعادة انتاج التمييز الطائفي قانونياً وثقافياً، وأتاح بقاء خميرتها متأهبة في النفوس والنصوص، تطل برأسها فوارة مع كل انقسام يأخذ طابعاً وطنياً، لأنه أسس الهوية والخيارات الاستراتيجية للبلاد.
من هنا أهمية ما حسمه الطائف دستورياً في الهوية العربية والانتماء اللبناني، وفي وضع اسس تحتاج الى متابعة لبلورة اصلاح النظام السياسي، وليس للوصول الى مواطنة كاملة غير تمييزية في وقت من الأوقات دون الاستعجال في حرق المراحل وبتر المعطيات القائمة.
للمناسبة ليس كل لبنان على هذا المنوال، ولا كل أوقاته هي كذلك، فالفورة العنصرية قابلة للتصدي، لكن مع أدوية طويلة المدى، ومع انتباه الى ان حال التمييز تجاه الآخر، هو نوع من الخلل النفسي الجماعي الذي يبدأ انقساماً داخل الذات الجماعية نفسها على أصالة أعلى وأصالة أدنى، وعلى منطق الولاء الأكثر صفاءً الى حد توالد عصبيات تمييزية قاتلة داخل كل جماعة.
ولقد شاهدنا في الحرب اللبنانية السابقة التي لا عودة اليها بإقرار الجميع، كيف ان الجماعات المتوحدة ظاهراً عاودت الانقسام الذاتي، ثم توالد الانقسام انقسامات الى حدود التقاتل الداخلي المرير والتصفيات والمذابح الداخلية الأكثر فظاعة في تاريخ لبنان الدموي، فالعنصرية داء نفسي وجماعي وعقلي (لا عقلاني) يتوهم التميز، لكنه ينقل الى الذات نفسها لتتحول انتحاراً ذاتياً مع مرور الزمن..

منقول بتصرف عن حسين رحال