
دياب أبو جهجه[1]
" الويل لأمة مجزأة و كل ينادي أنا أمة"
لا شِك أن اعلان السيد حسن نصرالله في مقابلته مع تلفزيون الجزيرة خلال الأيام الأولى للعدوان الاسرائيلي على لبنان خلال شهري تموز و اب من العام الماضي بأن هذه المعركة هي معركة الأمة و بأن أي نتيجة سوف تتمخض عنها هزيمة كانت أم انتصارا هي للأمة و ليست للبنان وحده كان تعبيرا عن رفضه للمنطلق الانعزالي اللبناني في مقاربة الصراع مع العدو الاسرائيلي و في التأسيس له معرفيا من زاوية قطرية ضيقة. ثم ما لبث السيد نصرالله أن كرر مطالعته الأوسع لأسس الصراع في خطابه الأخير في 14 اب من هذا العام و الذي قدم خلاله قراءة قومية عربية كلاسيكية للتاريخ العربي الحديث و الصراع مع الاستعمار و أهداف الاستيطان الصهيوني و الاحتلال الأميركي من تكريس للتجزئة و التخلف في الوطن العربي. ان هذا الطرح يتعرض يوميا لهجمات فكرية تلفيقية تتهمه بالخشبية و الشعاراتية و لا تقدم تفسيرا تاريخيا مقنعا ليكون بديلا عنه سوى الانغماس في المشروع الشرق أوسطي الأميركي-الاسرائلي. و فوق ذلك هو طرح يتهم بأنه مهزوم منذ 1967 فاذا بقائد النصر العربي الأوضح على اسرائيل يعيد تكريسه منطلقا معرفيا للصراع في خطاب أعلن فيه أيضا عن امتلاك القدرة على تحويل مسار اي معركة قادمة لمصلحة الأمة. فاذ بالخطاب القومي العربي الذي خاله الجميع و من بينهم كثير من القوميين تراثا لمرحلة نضالية غابرة و لكنها لن تتكرر على الأقل تحت نفس الشعار, يفرض نفسه من جديد كاطار فكري معرفي لتحرك أهم تشكيلات المقاومة العربية اليوم و طليعتها.
نعم لقد تهافتت التنظيمات القومية العربية منذ موت جمال عبد الناصر و فقدت الأنظمة القومية أو المدعية للقومية مصداقيتها و طبل و زمر الكثيرون من مدعي التقدمية و الحداثة لهذا الانهيار طارحين تفكيك ما اعتبروه اسطورة الوجود القومي العربي و رميها في مزبلة التاريخ و مستعيضين عن العروبة الجامعة بنزعة محلية قطرية تفصل الوطن على مقاس الدولة و بالتالي على مقاس الطبقات و الشرائح المهيمنة فيها. الا ان انحسار المد القومي السياسي و التنظيمي لم يترافق مع انحسار القومية العربية كواقع موضوعي مرتبط بالوجود الفعلي للعروبة كهوية و كموروث ثقافي لغوي و نفسي من الصعب القضاء عليه بمجرد هزيمة حركة سياسية طرحته ركيزة و منطلقا.
مع بزوغ عصر العولمة الجديدة و بينما تهادت الراسمالية النيوليبرالية الجديدة في أروقة القرية الكونية الضيقة معلنة نهاية الايديولوجيا و نهاية التاريخ و مع انفجار الثورة المعلوماتية و ثورة الاتصالات الفضائية فرض واقع اللغة و الثقافة نفسه على السوق الاعلامية العربية مكونا فضاء ثقافيا عربيا موحدا و متداخلا. فمن ظاهرة الجزيرة التي هي الضيف الدائم في كل دار عربية, الى راديو و تلفزيون العرب مرورا بالفضائيات المحلية التي تنافس على السوق العربية مثل المؤسسة اللبنانية للارسال ذات الخلفية الفكرية الانعزالية اللبنانية التي باتت اليوم من المروجين عمليا للوحدة الثقافية العربية عبر برمجتها العربية الجامعة. و بغض النظر عن أي نقد فني و ثقافي بحت من حيث مستوى الثقافة المنتجة فان العرب في عصر العولمة الاعلامية يشاهدون نفس البرامج على نفس المحطات و يشكلون فضاء ثقافيا واحدا أكثر من أي وقت مضى.
ان هذا الترابط العضوي انتج واقعا لا بد من التعامل معه بشكل ايجابي لاي طرف يريد النجاح في اي مشروع في الوطن العربي. و من هنا انتصرت القومية العربية موضوعيا و كفكرة و أضحت من المسلمات بالنسبة للسواد الأعظم من العرب. و بينما سيطرت الأحزاب الاسلامية على الساحة السياسية مالئة الفراغ الذي تركته التيارات القومية, تطعمت هذه الأحزاب بالطروحات العروبية و بتنا نرى ان استراتيجيتها الاعلامية تركز على الجانب القومي لصراعها مع أعداء الأمة أكثر من الجانب الديني البحت و من يتابع الأناشيد التعبوية التي ينتجها حزبالله في هذا المجال مثلا يدرك عن ماذا نتكلم هنا. و في خطاب حماس مثلا لا تذكر الامة الاسلامية الا بعد ذكر الامة العربية في ترتيب خطابي مدروس و واع.
الا أن الهجمة المضادة على العروبة قد بدأت و تشهد في لبنان زخما غير مسبوق. لنكن واضحين, الخطاب الانعزالي اللبناني تعزز بشكل كبير منذ كرنفال الأرز و فرض على القوى القومية و الاسلامية في لبنان خطابا مهادنا ملفقا يحاول أن يجد جذورا لبنانية بحتة لمعركة هي بطبيعتها عربية شاملة مع المشروع الأميركي-الصهيوني في المنطقة. و تسلل الفكر الانعزالي اللبناني الى شرائح كانت في الماضي حاضنة للفكر العروبي و باتت قكرة نهائية الكيان اللبناني مسلمة لا يستطيع ان يكفر بها اي كان تحت طائلة اتهامه بالخيانة العظمى. و يلتقي الخطاب الانعزالي اللبناني مع خطابات مماثلة في معظم الأقطار العربية تنظر لقوميات بديلة للقومية العربية و لمفهوم جديد للأمة يدمجها بالدولة القطرية و يحدها بحدودها في أحسن الأحوال أو يفتتها الى كيانات طائفية مفدرلة و متناحرة في أسوئها. و ترفد هذه الخطابات مجتمعة سيل المشروع الأميركي الصهيوني الجارف في المنطقة.
ان الشرخ الأساسي و المحوري و الذي يمتد كالأخدود الأعظم على طول الخارطة السياسية العربية هو ذلك الذي يفصل ما بين القوى الانعزالية المتشبثة بوطنية اصطناعية مبنية على الدولة القطرية العربية و بين قوى قومية عربية أو اسلامية تعتبر أن الدولة القطرية بحد ذاتها سبب رئيس من أسباب التخلف و الضعف و الهزيمة العربية و أن تلك الدولة القطرية و منظومتها السياسية الاقتصادية الاجتماعية هي بحد ذاتها منظومة استعمارية تشتت طاقات الأمة و تخدم أعداءها. كما تعتبر ان الهزائم المتعددة و الفشل في التنمية المستدامة لا يمكن ارجاعه الى الفكر القومي لأنه لم تسنح له الفرصة حتى اليوم للقيام بتجربته الوحدوية الشاملة, انما الفشل نابع حكما من الواقع الحالي و الماضي و هو واقع التجزئة و الانقسام. لم تفشل الدولة القومية العربية و لا حتى التكامل العربي لسبب بسيط جدا و هو انهما لم تتم تجربتهما فعليا قط. أما الدولة القطرية كمشروع و كواقع فهي اخذت فرصتها لعقود طويلة و فشلت على طول الخط. فلا هي انتجت تنمية مستدامة و لا هي انتجت ديمقراطية سليمة و لا هي انتجت تحريرا و سيادة حقيقيين في مواجهة الغزاة.
ان هذا الشرخ ذو أصول معرفية ابيستيمولوجية و هو غير قابل للحل. و لنكن واضحين هنا, ان معركتنا الحالية مع اسرائيل و من خلفها المشروع الأميركي في المنطقة لا مجال للدفاع عنها ايديولوجيا و معرفيا من منطلق محلي و قطري. المنطق القومي اللبناني مثله مثل القومية المصرية أو أي قومية قطرية يرفض رفضا باتا مفهوم الامة خارج اطار الدولة و لا يمكن أن يؤدي الا الى عزل المسار القطري لحل الصراع مع اسرائيل عن البعد القومي العربي الأوسع و انتاج اتفاقيات انفرادية على شاكلة كامب دايفيد. فبينما ينظر القوميون العرب و الاسلاميون الى الصراع مع اسرائيل على انه صراع وجود بين مشروعين حضاريين نقيضين أحدهما عربي-اسلامي و الأخر صهيوني-استعماري تدور رحاه في وعاء جيو-سياسي مترابط حضاريا و جغرافيا يعرف بالأمة(عربية كانت أم اسلامية أم كلاهما) . ينظر الانعزاليون القطريون الى القضية على أساس أنها قضية نزاع حدودي بين دول تتساوى في حقها بالوجود و في" نهائية" كيانها كأمم قائمة بذاتها. و بالتالي فان التسوية مع الصهيونية ممكنة بالنسبة لدعاة هذا المنطق لا بل و كذلك التحالف ضمنيا مع اسرائيل لضرب القوى القومية و الاسلامية" المغامرة" و
" الرافضة" للكيانات التي ركبتها سايكس بيكو في المنطقة و منها الكيان الصهيوني.
بناء على ذلك, يرتكب القوميون العرب و الاسلاميون في لبنان و كل قطر عربي خطأ قاتلا اذا ما اعتقدوا بأن تبنيهم لجزء من الخطاب الانعزالي القطري سيعطيهم مساحة للمناورة أكبر من تلك التي تناورهم فيها الدولة القطرية و قواها حفاظا على وجودها و في اطار توازنات القوى على الأرض و استعدادا للانقضاض عليهم عندما تسنح الفرصة. لا بد من التذكير المستمر بطبيعة الصراع و التأكيد الصريح و الواضح على انتماء لبنان لأمة و بأنه ليس امة قائمة بذاته. فاما الأذعان للمنطق القطري و التخلي عن وحدة المعركة و طبيعتها الوجودية, أو فرض المنطق المقاوم العروبي على الدولة القطرية و جعلها قدر الامكان حلقة صمود و تصد للمشروع الصهيوني الاستعماري شاء الانعزاليون ذلك أم أبوا.
كاتب عربي من لبنان
0 reacties:
إرسال تعليق